العدد : ١٧٦٣٥ - الأحد ٠٥ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٣٥ - الأحد ٠٥ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ محرّم ١٤٤٨هـ

مقالات

بصيرةُ الاختيارِ وعمق المسار.. البحرين رأت فاختارت فاستقرت وازدهرت

بقلم: عيسى بن عبدالرحمن الحمادي

الأحد ٢٦ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

إلى‭ ‬من‭ ‬يهوِّن‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬التحالفات،‭ ‬أو‭ ‬يتغافل‭ ‬عن‭ ‬حقائقها‭: ‬ماذا‭ ‬جَنَت‭ ‬مملكةُ‭ ‬البحرين‭ ‬من‭ ‬تكاملها‭ ‬الخليجي‭ ‬وشراكاتها‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والمملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬والغرب؟

ليس‭ ‬هذا‭ ‬سؤالَ‭ ‬استيضاحٍ‭ ‬بريء،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬كثيرٍ‭ ‬من‭ ‬صوره‭ ‬تجاهلٌ‭ ‬لوقائع‭ ‬راسخة،‭ ‬أو‭ ‬انتقائيةٌ‭ ‬تُغفل‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يوافق‭ ‬الهوى،‭ ‬أو‭ ‬ترويجٌ‭ ‬لقراءةٍ‭ ‬تُفرّغ‭ ‬الأمن‭ ‬من‭ ‬معناه‭ ‬وتختزل‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬لحظةٍ‭ ‬عابرة‭. ‬والأوطان‭ ‬لا‭ ‬تُقاسُ‭ ‬قيمتُها‭ ‬حين‭ ‬تسكنُ‭ ‬الرياح،‭ ‬بل‭ ‬تُعرفُ‭ ‬حين‭ ‬تعصفُ‭ ‬العواصف؛‭ ‬ولا‭ ‬يُدرَكُ‭ ‬وزنُ‭ ‬التحالفات‭ ‬في‭ ‬الرخاء،‭ ‬بل‭ ‬يتجلّى‭ ‬أثرُها‭ ‬في‭ ‬الشدّة‭.‬

فإن‭ ‬قيل‭: ‬ماذا‭ ‬استفدنا؟‭ ‬قيل‭: ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬حُفِظ،‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يقع؛‭ ‬أمنٌ‭ ‬مُصان،‭ ‬واستقرارٌ‭ ‬مُستدام،‭ ‬واقتصادٌ‭ ‬متماسك،‭ ‬وبيئةٌ‭ ‬جاذبة،‭ ‬وشبكةُ‭ ‬أمانٍ‭ ‬لا‭ ‬يُرى‭ ‬قدرُها‭ ‬إلا‭ ‬حين‭ ‬تغيب‭. ‬ومن‭ ‬أراد‭ ‬القياس‭ ‬فليُقارن‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬أحسن‭ ‬ترتيب‭ ‬علاقاته‭ ‬فاستقرّ،‭ ‬وبين‭ ‬من‭ ‬عطَّل‭ ‬موازينه‭ ‬فاضطرب‭.‬

إنّ‭ ‬من‭ ‬رام‭ ‬فهمَ‭ ‬مسالك‭ ‬الدول،‭ ‬وتتبّعَ‭ ‬آثارها‭ ‬في‭ ‬مدارج‭ ‬الزمان،‭ ‬علم‭ ‬أنّ‭ ‬الأوطان‭ ‬العريقة‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬طارئٍ‭ ‬يزول،‭ ‬ولا‭ ‬على‭ ‬عارضٍ‭ ‬يضمحل،‭ ‬بل‭ ‬تُشيَّدُ‭ ‬على‭ ‬أصولٍ‭ ‬ثابتة،‭ ‬وتُحاطُ‭ ‬برؤيةٍ‭ ‬راشدة،‭ ‬تتوارثها‭ ‬الأجيال‭ ‬كما‭ ‬تُورَّثُ‭ ‬المكارم‭.‬

وقد‭ ‬كان‭ ‬قيامُ‭ ‬الدولة‭ ‬البحرينية‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬المؤسس‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح‭ ‬دولة‭ ‬عربية‭ ‬مسلمة‭ ‬عام‭ ‬1783،‭ ‬إذ‭ ‬أرسى‭ ‬دعائمها‭ ‬وثبّت‭ ‬أركانها‭ ‬قيامَ‭ ‬تأسيسٍ‭ ‬لا‭ ‬التباس‭ ‬فيه،‭ ‬وأرست‭ ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬العهد‭ ‬كيانًا‭ ‬سياسيًّا‭ ‬عربيًّا‭ ‬أصيلًا،‭ ‬استمدّ‭ ‬شرعيته‭ ‬من‭ ‬الأرض،‭ ‬ورسّخ‭ ‬وجوده‭ ‬بالإدارة‭ ‬والحزم،‭ ‬وفتح‭ ‬أبوابه‭ ‬للتجارة‭ ‬والعمران،‭ ‬حتى‭ ‬غدت‭ ‬البحرين‭ ‬موطنَ‭ ‬استقرارٍ‭ ‬ومرفأَ‭ ‬أمان‭.‬

فأمّا‭ ‬عن‭ ‬نهجها‭ ‬في‭ ‬العلاقات،‭ ‬فإنّ‭ ‬البحرين‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬يومًا‭ ‬رهينة‭ ‬ظرف،‭ ‬ولا‭ ‬أسيرة‭ ‬تيّار،‭ ‬بل‭ ‬أدركت‭ ‬بحكم‭ ‬موقعها،‭ ‬وعمق‭ ‬تجربتها‭ ‬أنّ‭ ‬البحار‭ ‬لا‭ ‬تُؤمَّنُ‭ ‬بالشعارات،‭ ‬ولا‭ ‬تُصانُ‭ ‬المصالحُ‭ ‬بالأماني،‭ ‬فكان‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬دخلت‭ ‬في‭ ‬تنظيمٍ‭ ‬لعلاقاتها‭ ‬البحرية‭ ‬والتجارية،‭ ‬تجلّى‭ ‬بدءًا‭ ‬من‭ ‬الترتيبات‭ ‬الإقليمية‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1820،‭ ‬وما‭ ‬أعقبها‭ ‬من‭ ‬اتفاقيات،‭ ‬التي‭ ‬نظّمت‭ ‬شؤون‭ ‬الملاحة،‭ ‬وعزّزت‭ ‬الأمن‭ ‬البحري،‭ ‬ورسّخت‭ ‬دعائم‭ ‬الاستقرار‭ ‬في‭ ‬محيطٍ‭ ‬مضطرب،‭ ‬بما‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬نهج‭ ‬البحرين‭ ‬الراسخ‭ ‬منذ‭ ‬تأسيسها‭.‬

وتعاقبت‭ ‬المراحل،‭ ‬وتبدّلت‭ ‬الأطر،‭ ‬حتى‭ ‬انتقلت‭ ‬تلك‭ ‬العلاقات‭ ‬مع‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬صيغٍ‭ ‬تقليدية‭ ‬إلى‭ ‬شراكاتٍ‭ ‬أكثر‭ ‬نضجًا‭ ‬واتزانًا،‭ ‬لا‭ ‬تُنازع‭ ‬القرار‭ ‬السيادي،‭ ‬ولا‭ ‬تُفرّط‭ ‬في‭ ‬ثوابت‭ ‬الكيان،‭ ‬بل‭ ‬تُسهم‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الأمن،‭ ‬وتيسير‭ ‬التجارة،‭ ‬وتهيئة‭ ‬المناخ‭ ‬للنهوض‭.‬

ثم‭ ‬كان‭ ‬للبحرين،‭ ‬مع‭ ‬انفتاحها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬واكتشاف‭ ‬النفط،‭ ‬أن‭ ‬أحسنت‭ ‬الإفادة‭ ‬من‭ ‬الشراكة‭ ‬مع‭ ‬الغرب،‭ ‬فشيّدت‭ ‬مؤسساتها،‭ ‬وطوّرت‭ ‬بنيتها،‭ ‬حتى‭ ‬غدت‭ ‬من‭ ‬أوائل‭ ‬المراكز‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الأصالة‭ ‬في‭ ‬الهوية،‭ ‬والمعاصرة‭ ‬في‭ ‬الأداء‭.‬

وأمّا‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث،‭ ‬فقد‭ ‬توثّقت‭ ‬عرى‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬حتى‭ ‬أصبحت‭ ‬العلاقة‭ ‬ركنًا‭ ‬من‭ ‬أركان‭ ‬الأمن‭ ‬الإقليمي،‭ ‬وتجسّد‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬احتضان‭ ‬البحرين‭ ‬لقيادة‭ ‬الأسطول‭ ‬الخامس‭ ‬الأمريكي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يدلّ‭ ‬على‭ ‬ثقةٍ‭ ‬متبادلة،‭ ‬وحسابٍ‭ ‬استراتيجيٍّ‭ ‬دقيق،‭ ‬يراعي‭ ‬ما‭ ‬يحيط‭ ‬بالمنطقة‭ ‬من‭ ‬تحديات‭.‬

ولم‭ ‬تقف‭ ‬البحرين‭ ‬عند‭ ‬حدٍّ،‭ ‬بل‭ ‬وسّعت‭ ‬دوائرها،‭ ‬فجمعت‭ ‬بين‭ ‬علاقاتها‭ ‬التاريخية‭ ‬مع‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة،‭ ‬وشراكاتها‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وتكاملها‭ ‬الإقليمي‭ ‬ضمن‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية،‭ ‬وانفتاحها‭ ‬على‭ ‬أوروبا‭ ‬والعالم،‭ ‬حتى‭ ‬غدت‭ ‬نموذجًا‭ ‬في‭ ‬تنويع‭ ‬العلاقات،‭ ‬وحسن‭ ‬إدارة‭ ‬التوازنات‭.‬

وإنّ‭ ‬من‭ ‬تدبَّر‭ ‬أحوال‭ ‬الحاضر،‭ ‬ونظر‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬تعصف‭ ‬به‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬أحداثٍ‭ ‬جسام،‭ ‬وما‭ ‬تتعرض‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬تهديداتٍ‭ ‬تمسّ‭ ‬أمنها‭ ‬واستقرارها،‭ ‬أدرك‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬التحالفات‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬ترفًا‭ ‬سياسيًا،‭ ‬بل‭ ‬ضرورةً‭ ‬وجوديةً،‭ ‬وسياجًا‭ ‬واقيًا،‭ ‬وسندًا‭ ‬راسخًا‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الشدّة‭.‬

ولو‭ ‬تُركت‭ ‬البحرين‭ ‬حاشاها،‭ ‬بلا‭ ‬هذا‭ ‬الامتداد‭ ‬في‭ ‬التحالفات،‭ ‬ولا‭ ‬ذلك‭ ‬العمق‭ ‬في‭ ‬الشراكات،‭ ‬لكانت‭ ‬عرضةً‭ ‬لرياحٍ‭ ‬لا‭ ‬تُؤمَن‭ ‬غوائلها،‭ ‬ولأطماعٍ‭ ‬لا‭ ‬تُردَع‭ ‬إلا‭ ‬بتكامل‭ ‬الصف،‭ ‬وتماسك‭ ‬الموقف،‭ ‬ولاضطرب‭ ‬ميزان‭ ‬الأمن،‭ ‬واختلّت‭ ‬معادلة‭ ‬الاستقرار،‭ ‬في‭ ‬منطقةٍ‭ ‬لا‭ ‬ترحم‭ ‬فراغ‭ ‬القوة،‭ ‬ولا‭ ‬تُبقي‭ ‬لمن‭ ‬ينعزل‭ ‬عن‭ ‬محيطه‭ ‬سندًا‭ ‬ولا‭ ‬ظهيرًا‭.‬

وإن‭ ‬قائلًا‭ ‬ليقول‭: ‬لِمَ‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬دون‭ ‬غيره؟

فالجواب‭ ‬إنّ‭ ‬البحرين‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬لتُسلّم‭ ‬زمامها‭ ‬لتياراتٍ‭ ‬فكريةٍ‭ ‬رُفِعَت‭ ‬لها‭ ‬الرايات،‭ ‬وكان‭ ‬مآلُها‭ ‬إلى‭ ‬الفشل،‭ ‬وقد‭ ‬رأت‭ ‬ما‭ ‬آل‭ ‬إليه‭ ‬حال‭ ‬كثيرٍ‭ ‬من‭ ‬الأمم‭ ‬حين‭ ‬انساقت‭ ‬وراء‭ ‬تجاربٍ‭ ‬أيديولوجيةٍ‭ ‬مغلقة؛‭ ‬فمنها‭ ‬ما‭ ‬انتسب‭ ‬إلى‭ ‬الشيوعية‭ ‬كما‭ ‬عُرفت‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي،‭ ‬ومنها‭ ‬ما‭ ‬أخذ‭ ‬بالاشتراكية،‭ ‬ومنها‭ ‬ما‭ ‬رفع‭ ‬لواء‭ ‬القومية‭ ‬العربية،‭ ‬ومنها‭ ‬ما‭ ‬انغلق‭ ‬في‭ ‬أنماط‭ ‬حكمٍ‭ ‬دينيةٍ‭ ‬ثيوقراطية‭ ‬مغلقة،‭ ‬ومنها‭ ‬ما‭ ‬اندفع‭ ‬في‭ ‬تطرّفٍ‭ ‬يساريٍّ‭ ‬يصادرُ‭ ‬المبادرة‭ ‬الفردية‭ ‬ويُفرِط‭ ‬في‭ ‬المركزية‭ ‬حتى‭ ‬يُثقِل‭ ‬كاهل‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬أو‭ ‬تطرّفٍ‭ ‬يمينيٍّ‭ ‬يُقصي‭ ‬ويُغلِّبُ‭ ‬الانغلاق‭ ‬ويُنتجُ‭ ‬توتّرًا‭ ‬وصدامًا؛‭ ‬فكانت‭ ‬النتائج‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬قليلٍ‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬المسارات‭ ‬بين‭ ‬تعثّرٍ‭ ‬اقتصادي،‭ ‬أو‭ ‬تضييقٍ‭ ‬سياسي،‭ ‬أو‭ ‬اضطرابٍ‭ ‬اجتماعيٍّ‭ ‬ممتد‭.‬

فآثرت‭ ‬البحرين‭ ‬نهجًا‭ ‬مغايرًا،‭ ‬قوامه‭:‬

الاعتدال‭ ‬في‭ ‬السياسة،

‭ ‬والانفتاح‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد،

‭ ‬وبناء‭ ‬المؤسسات،

‭ ‬وجعل‭ ‬مصلحة‭ ‬المواطن‭ ‬معيارًا‭ ‬تُقاس‭ ‬به‭ ‬السياسات‭ ‬وتُوزن‭ ‬به‭ ‬النجاحات‭.‬

فكان‭ ‬من‭ ‬أثر‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬نجت‭ ‬من‭ ‬الهزّات‭ ‬العنيفة،‭ ‬وثبتت‭ ‬في‭ ‬مواطن‭ ‬الاضطراب،‭ ‬واستمرّت‭ ‬في‭ ‬البناء‭ ‬حين‭ ‬تعثّر‭ ‬غيرها،‭ ‬وجعلت‭ ‬من‭ ‬الاستقرار‭ ‬ركيزة،‭ ‬ومن‭ ‬التنمية‭ ‬غاية،‭ ‬ومن‭ ‬خلق‭ ‬الفرص‭ ‬للمواطن‭ ‬عنوانًا‭ ‬لنجاحها‭.‬

على‭ ‬أنّ‭ ‬أصدق‭ ‬البيان،‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬الخيار‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬وليد‭ ‬صدفة،‭ ‬ولا‭ ‬نتيجة‭ ‬إكراه،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬قرارًا‭ ‬سياديًا‭ ‬واعيًا،‭ ‬حملته‭ ‬قيادةُ‭ ‬الآباء‭ ‬المؤسسين‭ ‬من‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬الكرام،‭ ‬ومن‭ ‬بعدهم‭ ‬أبناؤهم‭ ‬البررة‭ ‬الذين‭ ‬لبّوا‭ ‬النداء،‭ ‬وتسلّموا‭ ‬أمانة‭ ‬قيادة‭ ‬الوطن،‭ ‬فصانوها‭ ‬كما‭ ‬تُصانُ‭ ‬الذمم،‭ ‬وأدّوها‭ ‬كما‭ ‬تُؤدّى‭ ‬الرسالات،‭ ‬ومضوا‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬طورٍ‭ ‬إلى‭ ‬طورٍ،‭ ‬حتى‭ ‬استقام‭ ‬لها‭ ‬النهج،‭ ‬وترسّخ‭ ‬لها‭ ‬المسار‭.‬

وقد‭ ‬تجلّى‭ ‬هذا‭ ‬الامتداد‭ ‬في‭ ‬أبهى‭ ‬صوره‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ملك‭ ‬البلاد‭ ‬المعظم‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬بإطلاق‭ ‬جلالته‭ ‬مسيرةً‭ ‬تنمويةً‭ ‬شاملة،‭ ‬جعلت‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬منارًا‭ ‬للنهضة،‭ ‬ومثالًا‭ ‬يُحتذى‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬المشاركة‭ ‬السياسية،‭ ‬وتعزيز‭ ‬دور‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدستورية‭ ‬في‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ ‬السياسي،‭ ‬وفي‭ ‬العمل‭ ‬التشريعي،‭ ‬وفي‭ ‬بسط‭ ‬الرقابة‭ ‬عليه،‭ ‬ضمن‭ ‬منظومةٍ‭ ‬متوازنة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الأصالة‭ ‬والتجديد،‭ ‬والاستقرار‭ ‬والتطوير‭.‬

ولم‭ ‬يكن‭ ‬ذلك‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬الشعب،‭ ‬بل‭ ‬جاء‭ ‬مؤيّدًا‭ ‬بإرادةٍ‭ ‬صادقة،‭ ‬آمنت‭ ‬برشد‭ ‬الحكم،‭ ‬وبايعت‭ ‬قيادته‭ ‬بيعةً‭ ‬في‭ ‬المعروف،‭ ‬وجعلت‭ ‬تلك‭ ‬البيعة‭ ‬عهدًا‭ ‬في‭ ‬الأعناق،‭ ‬تُصان‭ ‬في‭ ‬الشدائد،‭ ‬وتُحفظ‭ ‬في‭ ‬المحن،‭ ‬وتترجمها‭ ‬وحدة‭ ‬الصف‭ ‬وثبات‭ ‬الموقف‭.‬

فالتقت‭ ‬الإرادة‭ ‬بالإرادة،‭ ‬وتعانق‭ ‬القرار‭ ‬مع‭ ‬القبول،‭ ‬فكان‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬عقدٌ‭ ‬وطنيٌّ‭ ‬راسخ،‭ ‬لا‭ ‬تكتبه‭ ‬السطور،‭ ‬ولكن‭ ‬تشهد‭ ‬به‭ ‬الوقائع،‭ ‬ولا‭ ‬تحفظه‭ ‬الأوراق،‭ ‬ولكن‭ ‬تصونه‭ ‬الأرواح‭ ‬والضمائر‭ ‬والقلوب‭.‬

اللهم‭ ‬لك‭ ‬الحمد‭ ‬حمدًا‭ ‬يليق‭ ‬بجلالك،‭ ‬ولك‭ ‬الشكر‭ ‬شكرًا‭ ‬يوافي‭ ‬نعماءك،‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬أوليت‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬من‭ ‬فضلٍ،‭ ‬وما‭ ‬هديت‭ ‬أهلها‭ ‬من‭ ‬رشد‭.‬

اللهم‭ ‬أدم‭ ‬على‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬أمنها‭ ‬وأمانها،‭ ‬وثبّت‭ ‬أركانها،‭ ‬واحفظ‭ ‬قيادتها‭ ‬الرشيدة،‭ ‬واجزِ‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬الكرام‭ ‬خير‭ ‬الجزاء،‭ ‬فقد‭ ‬حمّلتهم‭ ‬الأمانة‭ ‬فأدّوها،‭ ‬وقلّدتهم‭ ‬القيادة‭ ‬فصانوها،‭ ‬وألهمتهم‭ ‬الرأي‭ ‬فسددوه،‭ ‬حتى‭ ‬استقام‭ ‬المسار‭ ‬ورسخ‭ ‬القرار‭.‬

اللهم‭ ‬بارك‭ ‬في‭ ‬شعبٍ‭ ‬إذا‭ ‬دُعي‭ ‬إلى‭ ‬التحدي‭ ‬لبّى،‭ ‬وإذا‭ ‬أُتيحت‭ ‬له‭ ‬الفرصة‭ ‬بنى‭ ‬وأبدع،‭ ‬شعبٍ‭ ‬عشق‭ ‬الإنجاز‭ ‬فأتقنه،‭ ‬وسعى‭ ‬علمًا‭ ‬وعملًا‭ ‬فكابد‭ ‬وأجاد،‭ ‬حتى‭ ‬غدا‭ ‬جهده‭ ‬قصص‭ ‬نجاحٍ‭ ‬تُروى‭ ‬فتُلهِم،‭ ‬وتُرى‭ ‬فتُثير‭ ‬غيرةَ‭ ‬الكثيرين،‭ ‬وتُثبت‭ ‬أن‭ ‬الأوطان‭ ‬تُبنى‭ ‬بسواعد‭ ‬أبنائها‭ ‬وعزائم‭ ‬رجالها‭.‬

اللهم‭ ‬دم‭ ‬نعمتك،‭ ‬وزد‭ ‬فضلك،‭ ‬وأتمّ‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬البلاد‭ ‬مسيرتها،‭ ‬واجعل‭ ‬حاضرها‭ ‬امتدادًا‭ ‬لمجدها،‭ ‬ومستقبلها‭ ‬أرسخ‭ ‬من‭ ‬ماضيها،‭ ‬إنك‭ ‬وليّ‭ ‬ذلك‭ ‬والقادر‭ ‬عليه‭.‬

وخلاصة‭ ‬القول،‭ ‬إنّ‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬لم‭ ‬تبنِ‭ ‬مسيرتها‭ ‬على‭ ‬تحالفاتٍ‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬رؤيةٍ‭ ‬بعيدة،‭ ‬تُحسن‭ ‬الاختيار،‭ ‬وتُجيد‭ ‬الموازنة،‭ ‬وتدرك‭ ‬أنّ‭ ‬في‭ ‬عالمٍ‭ ‬تتلاطم‭ ‬فيه‭ ‬التحولات،‭ ‬لا‭ ‬يثبت‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬جمع‭ ‬بين‭ ‬حكمة‭ ‬الداخل،‭ ‬وتوازن‭ ‬الخارج،‭ ‬وجعل‭ ‬من‭ ‬أمنه‭ ‬واستقراره‭ ‬أساسًا،‭ ‬ومن‭ ‬ازدهاره‭ ‬ورفاه‭ ‬مواطنيه‭ ‬غايةً‭ ‬ومآلًا‭.‬

فذلك‭ ‬نهجٌ‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬طريقًا‭ ‬من‭ ‬طرقٍ‭ ‬كثيرة،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬لمن‭ ‬تدبّر‭ ‬أقومَها‭ ‬سبيلًا،‭ ‬وأصدقَها‭ ‬أثرًا،‭ ‬وأبقاها‭ ‬ذكرًا‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا