العدد : ١٧٥٧٠ - الجمعة ٠١ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٧٠ - الجمعة ٠١ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

مقالات

يوم الكفاءة البحرينية

بقلم: عبير محمد طرار دهام

الخميس ٣٠ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

بمناسبة‭ ‬يوم‭ ‬العمال،‭ ‬تحية‭ ‬تقدير‭ ‬صادقة‭ ‬للكفاءات‭ ‬البحرينية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬يوماً‭ ‬هامشاً‭ ‬في‭ ‬المشهد،‭ ‬وكانت‭ ‬دائما‭ ‬في‭ ‬مركزه‭. ‬في‭ ‬كل‭ ‬أزمة‭ ‬مرت‭ ‬بها‭ ‬البحرين،‭ ‬ظهرت‭ ‬هذه‭ ‬الكفاءات‭ ‬بوصفها‭ ‬خط‭ ‬الاتزان،‭ ‬وليست‭ ‬مجرد‭ ‬منفذ‭ ‬للمهام‭. ‬لم‭ ‬تنتظر‭ ‬التوجيه‭ ‬لتتحرك،‭ ‬ولم‭ ‬تختبئ‭ ‬خلف‭ ‬الظروف،‭ ‬سبقت‭ ‬الجميع،‭ ‬وتحركت‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يُطلب‭ ‬منها،‭ ‬وتعاملت‭ ‬مع‭ ‬الواقع‭ ‬بمهنية‭ ‬عالية‭ ‬ووعي‭ ‬مسؤول،‭ ‬حافظت‭ ‬على‭ ‬استمرارية‭ ‬العمل‭ ‬وانسيابية‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬أصعب‭ ‬اللحظات‭. ‬هذا‭ ‬الأداء‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬استثناء،‭ ‬أصبح‭ ‬معياراً‭ ‬يعكس‭ ‬جودة‭ ‬الموظف‭ ‬البحريني‭ ‬وكفاءته‭.‬

هذا‭ ‬المستوى‭ ‬من‭ ‬الأداء‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬توجه‭ ‬وطني‭ ‬واضح‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬العامل‭ ‬البحريني‭ ‬هو‭ ‬ركيزة‭ ‬التنمية،‭ ‬وأن‭ ‬حفظ‭ ‬كرامته‭ ‬المهنية‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬استقرار‭ ‬الوطن‭. ‬كما‭ ‬يتجه‭ ‬نحو‭ ‬بناء‭ ‬بيئة‭ ‬مؤسسية‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬الشفافية،‭ ‬وتمكين‭ ‬الكفاءات،‭ ‬وترسيخ‭ ‬العدالة‭ ‬في‭ ‬الفرص‭ ‬والمسارات‭. ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬ينعكس‭ ‬عبر‭ ‬جميع‭ ‬درجات‭ ‬السلم‭ ‬الإداري‭ ‬على‭ ‬الإطلاق،‭ ‬بحيث‭ ‬تبقى‭ ‬الممارسة‭ ‬متسقة‭ ‬مع‭ ‬الرؤية،‭ ‬ولا‭ ‬تتغير‭ ‬المبادئ‭ ‬كلما‭ ‬نزلنا‭ ‬مستوى‭.‬

السؤال‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬عن‭ ‬وضوح‭ ‬التوجه،‭ ‬السؤال‭ ‬عن‭ ‬صدق‭ ‬امتداده‭. ‬هل‭ ‬تصل‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬إلى‭ ‬الميدان‭ ‬كما‭ ‬هي،‭ ‬أم‭ ‬تبدأ‭ ‬ملامحها‭ ‬بالتغير‭ ‬كلما‭ ‬اقتربنا‭ ‬من‭ ‬التنفيذ؟‭ ‬وهل‭ ‬يوم‭ ‬العمال‭ ‬يمثل‭ ‬احتفاءً‭ ‬حقيقياً‭ ‬لكل‭ ‬موظف،‭ ‬أم‭ ‬تذكير‭ ‬صامت‭ ‬لمن‭ ‬لم‭ ‬يُسمع‭ ‬صوته‭ ‬ولم‭ ‬يجد‭ ‬من‭ ‬يفهم‭ ‬معاناته؟

في‭ ‬هذه‭ ‬المساحة‭ ‬يظهر‭ ‬الفرق‭ ‬الحقيقي‭. ‬القيادة‭ ‬ليست‭ ‬مسمى،‭ ‬القيادة‭ ‬ممارسة‭. ‬والواقع‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬أنماط‭ ‬القيادة‭ ‬تنقسم‭ ‬إلى‭ ‬نوعين‭ ‬لا‭ ‬ثالث‭ ‬لهما‭: ‬قيادة‭ ‬داعمة،‭ ‬وقيادة‭ ‬مؤذية‭.‬

القيادة‭ ‬الداعمة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬علاقة‭ ‬واضحة‭ ‬بين‭ ‬المسؤول‭ ‬والموظف،‭ ‬أساسها‭ ‬الثقة‭ ‬والمسؤولية‭. ‬ثقة‭ ‬تُمنح‭ ‬بوعي،‭ ‬ومسؤولية‭ ‬تُمارس‭ ‬بضمير‭. ‬المسؤول‭ ‬يثق،‭ ‬والموظف‭ ‬يتحمل،‭ ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬المساحة‭ ‬يشعر‭ ‬الموظف‭ ‬أنه‭ ‬شريك‭ ‬في‭ ‬العمل،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬منفذ‭. ‬هذه‭ ‬القيادة‭ ‬تستمع،‭ ‬تُشرك،‭ ‬وتفتح‭ ‬المجال،‭ ‬لذلك‭ ‬تُنتج‭ ‬بيئة‭ ‬مستقرة‭ ‬وكفاءة‭ ‬مستمرة‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬هناك‭ ‬قيادة‭ ‬مؤذية‭ ‬تستخدم‭ ‬السلطة‭ ‬كأداة‭ ‬سيطرة‭. ‬ترى‭ ‬في‭ ‬الاختلاف‭ ‬تهديداً،‭ ‬والرأي‭ ‬تحدياً،‭ ‬وتقيس‭ ‬الالتزام‭ ‬بالصمت‭. ‬تُقرّب‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يعترض،‭ ‬وتُهمّش‭ ‬من‭ ‬يطرح،‭ ‬وتُقصي‭ ‬من‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يضيف‭. ‬لا‭ ‬تُلغي‭ ‬الكفاءة‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر،‭ ‬لكنها‭ ‬تُفرغها‭ ‬من‭ ‬أثرها،‭ ‬وتُبعدها‭ ‬عن‭ ‬مواقع‭ ‬التأثير‭ ‬حتى‭ ‬تفقد‭ ‬قيمتها‭.‬

ويمتد‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬إلى‭ ‬إدارة‭ ‬الموظف،‭ ‬حيث‭ ‬تُتخذ‭ ‬قرارات‭ ‬تمس‭ ‬مساره‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يُسمع،‭ ‬وتُبدل‭ ‬أدواره‭ ‬دون‭ ‬وضوح،‭ ‬ويُستخدم‭ ‬كعنصر‭ ‬مرن‭ ‬حسب‭ ‬الحاجة‭ ‬دون‭ ‬اعتبار‭ ‬لتخصصه‭ ‬أو‭ ‬تطوره‭ ‬المهني‭. ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬تمكيناً،‭ ‬بل‭ ‬خللاً‭ ‬في‭ ‬الإدارة‭ ‬يُضعف‭ ‬الكفاءة‭ ‬ويُربك‭ ‬الاستقرار،‭ ‬وينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬الأداء‭.‬

ولا‭ ‬يتوقف‭ ‬الأثر‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬قيادة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة،‭ ‬هناك‭ ‬أيضاً‭ ‬ممارسات‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬الموظفين‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهلها‭. ‬الموظف‭ ‬الذي‭ ‬يعطل‭ ‬العمل،‭ ‬أو‭ ‬يكتفي‭ ‬بالحد‭ ‬الأدنى،‭ ‬أو‭ ‬يهدر‭ ‬الوقت‭ ‬والموارد،‭ ‬أو‭ ‬يشغل‭ ‬موقعاً‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬كفاءته‭ ‬الفعلية،‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬إضعاف‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭ ‬ويؤثر‭ ‬في‭ ‬نتائجها‭.‬

لا‭ ‬يتوقف‭ ‬الأثر‭ ‬عند‭ ‬الفرد،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬كفاءة‭ ‬المؤسسة‭ ‬نفسها‭. ‬غياب‭ ‬التنوع‭ ‬في‭ ‬وجهات‭ ‬النظر‭ ‬يُبطئ‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار،‭ ‬ويؤثر‭ ‬في‭ ‬جودة‭ ‬المخرجات،‭ ‬ويؤدي‭ ‬إلى‭ ‬هدر‭ ‬في‭ ‬الموارد‭ ‬نتيجة‭ ‬تكرار‭ ‬الجهود‭ ‬أو‭ ‬ضعف‭ ‬كفاءة‭ ‬التنفيذ‭ ‬مقارنة‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬متاح‭ ‬من‭ ‬إمكانيات‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬تبقى‭ ‬هذه‭ ‬الحالات‭ ‬محدودة،‭ ‬ولا‭ ‬تمثل‭ ‬الصورة‭ ‬العامة‭. ‬الغالب‭ ‬في‭ ‬بيئات‭ ‬العمل‭ ‬هو‭ ‬السعي‭ ‬إلى‭ ‬التطوير‭ ‬والتحسين،‭ ‬وما‭ ‬يُطرح‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬انتقاداً‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬دعوة‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬قائم‭ ‬والبناء‭ ‬عليه‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬هناك‭ ‬قيادات‭ ‬تستحق‭ ‬التقدير‭. ‬قيادات‭ ‬تستقطب‭ ‬الكفاءة،‭ ‬تفهم،‭ ‬تحتوي،‭ ‬وتبني‭ ‬بيئة‭ ‬صحية‭ ‬للنمو‭. ‬هذه‭ ‬القيادات‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بإدارة‭ ‬العمل،‭ ‬تصنع‭ ‬بيئة‭ ‬تنجح‭ ‬فيها‭ ‬الكفاءة‭ ‬وتستمر‭.‬

المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬الكفاءة،‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬إدارتها‭ ‬وممارستها‭. ‬المسؤول‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬وعي‭ ‬وعدالة،‭ ‬والموظف‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬التزام‭ ‬ومبادرة‭. ‬العلاقة‭ ‬بينهما‭ ‬علاقة‭ ‬ثقة‭ ‬ومسؤولية‭ ‬متبادلة‭.‬

في‭ ‬يوم‭ ‬العمال،‭ ‬لا‭ ‬نقيس‭ ‬النجاح‭ ‬بحجم‭ ‬الإنجاز،‭ ‬نقيسه‭ ‬بجودة‭ ‬البيئة‭ ‬التي‭ ‬أنتجته‭. ‬البيئة‭ ‬التي‭ ‬تُنصف‭ ‬الكفاءة‭ ‬وتُفعّلها‭ ‬تستحق‭ ‬التقدير،‭ ‬ويستحق‭ ‬من‭ ‬يقودها‭ ‬ويعمل‭ ‬فيها‭ ‬التكريم‭.‬

وهنا‭ ‬تتجه‭ ‬الرسالة‭ ‬بوضوح‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬مسؤول‭:‬

هل‭ ‬أنا‭ ‬داعم‭ ‬أم‭ ‬مؤذٍ؟

هل‭ ‬أنا‭ ‬مؤتمن‭ ‬على‭ ‬المؤسسة‭ ‬أم‭ ‬منشغل‭ ‬في‭ ‬تصفيات‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬بالعمل؟

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬سؤال‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬لكل‭ ‬موظف‭:‬

هل‭ ‬أُبادر‭ ‬وأُضيف‭ ‬أم‭ ‬أكتفي‭ ‬بالانتظار؟

هل‭ ‬أُنجز‭ ‬كما‭ ‬يجب‭ ‬أم‭ ‬أُعطل‭ ‬دون‭ ‬وعي؟

هذه‭ ‬أسئلة‭ ‬للمراجعة،‭ ‬لأن‭ ‬القيادة‭ ‬أمانة‭. ‬التصحيح‭ ‬قوة،‭ ‬والاستماع‭ ‬أساس‭ ‬القرار‭. ‬ابدأ‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬الفرصة‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬قائمة‭.‬

في‭ ‬بحريننا،‭ ‬نُقدّر‭ ‬من‭ ‬يبني‭ ‬ويدعم،‭ ‬ونثق‭ ‬أن‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التطور‭ ‬المستمر‭ ‬بما‭ ‬يعكس‭ ‬قيمها‭ ‬الحقيقية‭.‬

وفي‭ ‬الختام،‭ ‬شكراً‭ ‬لكل‭ ‬موظف‭ ‬اجتهد‭ ‬وثابر،‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬واصل‭ ‬العطاء‭ ‬رغم‭ ‬التحديات،‭ ‬ولكل‭ ‬من‭ ‬حافظ‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬العمل‭ ‬حين‭ ‬كانت‭ ‬الظروف‭ ‬تختبر‭ ‬الجميع‭. ‬أنتم‭ ‬قيمة‭ ‬هذا‭ ‬الوطن،‭ ‬وأنتم‭ ‬معيار‭ ‬استمراريته‭.‬

ولكل‭ ‬مسؤول‭ ‬واع‭ ‬ومتفهم،‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬القيادة‭ ‬احتواء‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬توجيه،‭ ‬وأن‭ ‬الثقة‭ ‬مسؤولية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬صلاحية،‭ ‬شكراً‭ ‬لأنكم‭ ‬تصنعون‭ ‬فرقا‭ ‬حقيقيا‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬فرقكم‭ ‬وفي‭ ‬جودة‭ ‬مؤسساتكم‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا