بمناسبة يوم العمال، تحية تقدير صادقة للكفاءات البحرينية التي لم تكن يوماً هامشاً في المشهد، وكانت دائما في مركزه. في كل أزمة مرت بها البحرين، ظهرت هذه الكفاءات بوصفها خط الاتزان، وليست مجرد منفذ للمهام. لم تنتظر التوجيه لتتحرك، ولم تختبئ خلف الظروف، سبقت الجميع، وتحركت قبل أن يُطلب منها، وتعاملت مع الواقع بمهنية عالية ووعي مسؤول، حافظت على استمرارية العمل وانسيابية الحياة في أصعب اللحظات. هذا الأداء لم يعد استثناء، أصبح معياراً يعكس جودة الموظف البحريني وكفاءته.
هذا المستوى من الأداء ينسجم مع توجه وطني واضح يؤكد أن العامل البحريني هو ركيزة التنمية، وأن حفظ كرامته المهنية جزء من استقرار الوطن. كما يتجه نحو بناء بيئة مؤسسية قائمة على الشفافية، وتمكين الكفاءات، وترسيخ العدالة في الفرص والمسارات. هذا التوجه يفترض أن ينعكس عبر جميع درجات السلم الإداري على الإطلاق، بحيث تبقى الممارسة متسقة مع الرؤية، ولا تتغير المبادئ كلما نزلنا مستوى.
السؤال هنا ليس عن وضوح التوجه، السؤال عن صدق امتداده. هل تصل هذه الرؤية إلى الميدان كما هي، أم تبدأ ملامحها بالتغير كلما اقتربنا من التنفيذ؟ وهل يوم العمال يمثل احتفاءً حقيقياً لكل موظف، أم تذكير صامت لمن لم يُسمع صوته ولم يجد من يفهم معاناته؟
في هذه المساحة يظهر الفرق الحقيقي. القيادة ليست مسمى، القيادة ممارسة. والواقع يقول إن أنماط القيادة تنقسم إلى نوعين لا ثالث لهما: قيادة داعمة، وقيادة مؤذية.
القيادة الداعمة تقوم على علاقة واضحة بين المسؤول والموظف، أساسها الثقة والمسؤولية. ثقة تُمنح بوعي، ومسؤولية تُمارس بضمير. المسؤول يثق، والموظف يتحمل، وفي هذه المساحة يشعر الموظف أنه شريك في العمل، وليس مجرد منفذ. هذه القيادة تستمع، تُشرك، وتفتح المجال، لذلك تُنتج بيئة مستقرة وكفاءة مستمرة.
في المقابل، هناك قيادة مؤذية تستخدم السلطة كأداة سيطرة. ترى في الاختلاف تهديداً، والرأي تحدياً، وتقيس الالتزام بالصمت. تُقرّب من لا يعترض، وتُهمّش من يطرح، وتُقصي من يحاول أن يضيف. لا تُلغي الكفاءة بشكل مباشر، لكنها تُفرغها من أثرها، وتُبعدها عن مواقع التأثير حتى تفقد قيمتها.
ويمتد هذا النهج إلى إدارة الموظف، حيث تُتخذ قرارات تمس مساره دون أن يُسمع، وتُبدل أدواره دون وضوح، ويُستخدم كعنصر مرن حسب الحاجة دون اعتبار لتخصصه أو تطوره المهني. هذا لا يعكس تمكيناً، بل خللاً في الإدارة يُضعف الكفاءة ويُربك الاستقرار، وينعكس مباشرة على جودة الأداء.
ولا يتوقف الأثر عند هذا الحد. كما أن هناك قيادة تحتاج إلى مراجعة، هناك أيضاً ممارسات من بعض الموظفين لا يمكن تجاهلها. الموظف الذي يعطل العمل، أو يكتفي بالحد الأدنى، أو يهدر الوقت والموارد، أو يشغل موقعاً لا يعكس كفاءته الفعلية، يسهم في إضعاف بيئة العمل ويؤثر في نتائجها.
لا يتوقف الأثر عند الفرد، بل يمتد إلى كفاءة المؤسسة نفسها. غياب التنوع في وجهات النظر يُبطئ اتخاذ القرار، ويؤثر في جودة المخرجات، ويؤدي إلى هدر في الموارد نتيجة تكرار الجهود أو ضعف كفاءة التنفيذ مقارنة بما هو متاح من إمكانيات.
ومع ذلك، تبقى هذه الحالات محدودة، ولا تمثل الصورة العامة. الغالب في بيئات العمل هو السعي إلى التطوير والتحسين، وما يُطرح هنا ليس انتقاداً بقدر ما هو دعوة إلى تعزيز ما هو قائم والبناء عليه.
وفي المقابل، هناك قيادات تستحق التقدير. قيادات تستقطب الكفاءة، تفهم، تحتوي، وتبني بيئة صحية للنمو. هذه القيادات لا تكتفي بإدارة العمل، تصنع بيئة تنجح فيها الكفاءة وتستمر.
المشكلة ليست في الكفاءة، المشكلة في كيفية إدارتها وممارستها. المسؤول يحتاج إلى وعي وعدالة، والموظف يحتاج إلى التزام ومبادرة. العلاقة بينهما علاقة ثقة ومسؤولية متبادلة.
في يوم العمال، لا نقيس النجاح بحجم الإنجاز، نقيسه بجودة البيئة التي أنتجته. البيئة التي تُنصف الكفاءة وتُفعّلها تستحق التقدير، ويستحق من يقودها ويعمل فيها التكريم.
وهنا تتجه الرسالة بوضوح إلى كل مسؤول:
هل أنا داعم أم مؤذٍ؟
هل أنا مؤتمن على المؤسسة أم منشغل في تصفيات لا علاقة لها بالعمل؟
وفي المقابل، سؤال لا يقل أهمية لكل موظف:
هل أُبادر وأُضيف… أم أكتفي بالانتظار؟
هل أُنجز كما يجب… أم أُعطل دون وعي؟
هذه أسئلة للمراجعة، لأن القيادة أمانة. التصحيح قوة، والاستماع أساس القرار. ابدأ من جديد، الفرصة ما زالت قائمة.
في بحريننا، نُقدّر من يبني ويدعم، ونثق أن بيئة العمل قادرة على التطور المستمر بما يعكس قيمها الحقيقية.
وفي الختام، شكراً لكل موظف اجتهد وثابر، لكل من واصل العطاء رغم التحديات، ولكل من حافظ على جودة العمل حين كانت الظروف تختبر الجميع. أنتم قيمة هذا الوطن، وأنتم معيار استمراريته.
ولكل مسؤول واع ومتفهم، يعرف أن القيادة احتواء قبل أن تكون توجيه، وأن الثقة مسؤولية قبل أن تكون صلاحية، شكراً لأنكم تصنعون فرقا حقيقيا في حياة فرقكم وفي جودة مؤسساتكم.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك