العدد : ١٧٦١٧ - الأربعاء ١٧ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦١٧ - الأربعاء ١٧ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

أزمة إسرائيل بعد 78 عاما.. تحولات الهوية والمصير

بقلم: د. أحمد رفيق عوض

الأربعاء ٢٩ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

بعد‭ ‬ثمانية‭ ‬وسبعين‭ ‬عاما‭ ‬على‭ ‬قيامها،‭ ‬تبدو‭ ‬إسرائيل،‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬كيانا‭ ‬لم‭ ‬يستقر‭ ‬بعد‭ ‬على‭ ‬تعريفٍ‭ ‬نهائي‭ ‬لنفسه‭. ‬ليست‭ ‬المسألة‭ ‬مجرد‭ ‬دولةٍ‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬تثبيت‭ ‬وجودها،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬مشروع‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يتقلب‭ ‬بين‭ ‬صيغٍ‭ ‬متناقضة،‭ ‬ويتحوّل‭ ‬من‭ ‬طورٍ‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يبلغ‭ ‬لحظة‭ ‬التوازن‭. ‬من‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬النظر‭ ‬إليها‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬ينفصل‭ ‬عن‭ ‬قراءة‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬العميق‭ ‬في‭ ‬بنيتها‭ ‬الفكرية‭ ‬والسياسية‭ ‬والاجتماعية‭.‬

يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬إسرائيل‭ ‬انتقلت،‭ ‬عبر‭ ‬هذه‭ ‬العقود،‭ ‬من‭ ‬صهيونيةٍ‭ ‬اشتراكية‭ ‬ذات‭ ‬طابعٍ‭ ‬جماعي،‭ ‬إلى‭ ‬صهيونية‭ ‬توراتية‭ ‬دينية‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬التطرف‭ ‬والانغلاق‭. ‬تلك‭ ‬الصهيونية‭ ‬الأولى،‭ ‬رغم‭ ‬عدائها،‭ ‬كانت‭ ‬تُغلّف‭ ‬نفسها‭ ‬بخطابٍ‭ ‬حداثي،‭ ‬وتقدّم‭ ‬مشروعها‭ ‬كجزءٍ‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬الغربي‭ ‬وقيمه‭. ‬أما‭ ‬اليوم،‭ ‬فنحن‭ ‬أمام‭ ‬خطابٍ‭ ‬مختلف،‭ ‬أكثر‭ ‬انكفاءً‭ ‬على‭ ‬ذاته،‭ ‬وأكثر‭ ‬استناداً‭ ‬إلى‭ ‬نصوصٍ‭ ‬دينية‭ ‬وتأويلاتٍ‭ ‬تاريخية‭ ‬تمنح‭ ‬الصراع‭ ‬طابعاً‭ ‬مطلقاً‭ ‬لا‭ ‬يقبل‭ ‬التسويات‭.‬

هذا‭ ‬التحول‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬شكلياً‭. ‬فقد‭ ‬انتقلت‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬الانفتاح‭ ‬النسبي‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الانغلاق‭ ‬المتزايد،‭ ‬ومن‭ ‬القبول‭ ‬بفكرة‭ ‬التسوية‭ ‬–‭ ‬ولو‭ ‬تكتيكياً‭ ‬–‭ ‬إلى‭ ‬تبنّي‭ ‬سياسات‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬التوسع‭ ‬والرفض‭. ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬التسوية‭ ‬خياراً‭ ‬مركزياً،‭ ‬بل‭ ‬باتت‭ ‬تُستبدل‭ ‬برؤيةٍ‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬الوقائع‭ ‬بالقوة،‭ ‬وعلى‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬الصراع‭ ‬باعتباره‭ ‬صراعاً‭ ‬وجودياً‭ ‬لا‭ ‬سياسياً‭ ‬فقط‭.‬

وفي‭ ‬السياق‭ ‬نفسه،‭ ‬تراجعت‭ ‬صورة‭ ‬إسرائيل‭ ‬بوصفها‭ ‬‮«‬الضحية‭ ‬الاستثنائية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تُمسّ،‭ ‬لتدخل‭ ‬تدريجياً‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬النقد‭ ‬والمساءلة،‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬المحاكمة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأوساط‭ ‬الدولية‭. ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تلك‭ ‬الهالة‭ ‬الأخلاقية‭ ‬التي‭ ‬أحاطت‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬بداياتها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬حمايتها‭ ‬بالكامل،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬تصاعد‭ ‬مشاهد‭ ‬العنف‭ ‬والتوسع،‭ ‬ومع‭ ‬انكشاف‭ ‬التناقض‭ ‬بين‭ ‬خطابها‭ ‬وممارساتها‭.‬

أما‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الشخصية‭ ‬اليهودية‭ ‬داخل‭ ‬هذا‭ ‬الكيان،‭ ‬فقد‭ ‬حدث‭ ‬انتقال‭ ‬لافت‭ ‬من‭ ‬‮«‬اليهودي‭ ‬التلمودي‮»‬‭ ‬المنغلق‭ ‬على‭ ‬ذاته،‭ ‬والمكتفي‭ ‬بإدارة‭ ‬شؤونه‭ ‬الخاصة،‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬اليهودي‭ ‬التوراتي‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬نفسه‭ ‬فاعلاً‭ ‬في‭ ‬التاريخ،‭ ‬ومكلّفاً‭ ‬بالسيطرة،‭ ‬والتوسع‭ ‬والقتال‭.‬

هذا‭ ‬التحول‭ ‬يعكس‭ ‬انتقالاً‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬الدفاع‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬الهجوم،‭ ‬ومن‭ ‬الانكفاء‭ ‬إلى‭ ‬المبادرة،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الصدامات‭.‬

سياسياً،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬إسرائيل‭ ‬كما‭ ‬كانت‭. ‬فبدلاً‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تضبط‭ ‬الإيقاع‭ ‬العام،‭ ‬نشهد‭ ‬اليوم‭ ‬صعوداً‭ ‬لدور‭ ‬الفرد‭ ‬والزعيم،‭ ‬وتراجعاً‭ ‬تدريجياً‭ ‬في‭ ‬ثقل‭ ‬المؤسسة‭. ‬الديمقراطية‭ ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬قُدّمت‭ ‬كميزةٍ‭ ‬أساسية،‭ ‬تتعرض‭ ‬لاختباراتٍ‭ ‬قاسية،‭ ‬مع‭ ‬تنامي‭ ‬النزعات‭ ‬السلطوية،‭ ‬وصعود‭ ‬قوى‭ ‬شعبوية‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬الحسم‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬التوافق‭.‬

وعلى‭ ‬مستوى‭ ‬الأداء،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الانتصارات‭ ‬العسكرية‭ ‬الكاسحة‭ ‬هي‭ ‬السمة‭ ‬الغالبة‭. ‬باتت‭ ‬إسرائيل‭ ‬تخوض‭ ‬جولاتٍ‭ ‬معقدة،‭ ‬تنتهي‭ ‬غالباً‭ ‬بتسوياتٍ‭ ‬أو‭ ‬بمحاولات‭ ‬لتسويق‭ ‬‮«‬رواية‭ ‬نصر‮»‬،‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬هي‭ ‬انتصارات‭ ‬حاسمة‭ ‬في‭ ‬الميدان‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬مفهوم‭ ‬السيطرة‭ ‬الأمنية‭ ‬المطلقة‭ ‬تآكل،‭ ‬ليحلّ‭ ‬مكانه‭ ‬واقع‭ ‬تعدد‭ ‬الجبهات،‭ ‬وتشابك‭ ‬التهديدات،‭ ‬بما‭ ‬يجعل‭ ‬التفوق‭ ‬العسكري‭ ‬أقل‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬حسم‭ ‬الصراع‭.‬

اجتماعياً،‭ ‬انتقلت‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬مجتمعٍ‭ ‬يطمح‭ ‬إلى‭ ‬التجانس،‭ ‬إلى‭ ‬مجتمعٍ‭ ‬متعدد‭ ‬الطوائف‭ ‬والهويات،‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬انقساماتٍ‭ ‬داخلية‭ ‬متزايدة‭. ‬من‭ ‬الجماعية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تميّز‭ ‬البدايات،‭ ‬إلى‭ ‬الفردانية‭ ‬التي‭ ‬تطغى‭ ‬اليوم،‭ ‬ومن‭ ‬مناعةٍ‭ ‬وطنية‭ ‬صلبة‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التصدع‭ ‬الداخلي،‭ ‬تعكس‭ ‬فشل‭ ‬مشروع‭ ‬الاندماج‭ ‬الكامل‭.‬

الأكثر‭ ‬دلالة‭ ‬أن‭ ‬الجماعات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تُعد‭ ‬هامشية‭ ‬أو‭ ‬متطرفة،‭ ‬أصبحت‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬المشهد،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬ترسم‭ ‬السياسات‭ ‬وتحدد‭ ‬الاتجاهات‭. ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬يعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬الداخل،‭ ‬ويدفع‭ ‬بها‭ ‬نحو‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التشدد،‭ ‬ويجعل‭ ‬‮«‬إسرائيل‭ ‬الثالثة‮»‬‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬المحتلة‭ ‬تعبيراً‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬الجديد،‭ ‬حيث‭ ‬الاستيطان‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬سياسة،‭ ‬بل‭ ‬عقيدة‭.‬

ورغم‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬حققته‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬نجاحات‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬والقوة‭ ‬العسكرية،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬أزمة‭ ‬هوية‭ ‬عميقة‭. ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬أن‭ ‬تحسم‭ ‬سؤال‭: ‬ماذا‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تكون؟‭ ‬دولة‭ ‬طبيعية‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬أم‭ ‬مشروعاً‭ ‬استثنائياً‭ ‬فوقها؟‭ ‬هذه‭ ‬الحيرة‭ ‬تنعكس‭ ‬في‭ ‬سياساتها،‭ ‬وفي‭ ‬علاقتها‭ ‬بجوارها،‭ ‬وفي‭ ‬تعاملها‭ ‬مع‭ ‬الفلسطينيين‭.‬

وفي‭ ‬جوهر‭ ‬الأمر،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬فشلها‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬تسوية‭ ‬مع‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬تفصيل،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬العقدة‭ ‬التي‭ ‬تعيق‭ ‬استقرارها‭. ‬فبدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬هذا‭ ‬الفشل‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة،‭ ‬يدفعها‭ ‬نحو‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التطرف‭ ‬والعنف،‭ ‬وكأنها‭ ‬تحاول‭ ‬الهروب‭ ‬إلى‭ ‬الأمام‭.‬

هكذا،‭ ‬تقف‭ ‬إسرائيل‭ ‬اليوم‭ ‬أمام‭ ‬مفترق‭ ‬طرق‭ ‬حقيقي‭. ‬استمرارها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬قد‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬غير‭ ‬مريحة،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬للفلسطينيين،‭ ‬بل‭ ‬لها‭ ‬أيضاً‭. ‬فالدول،‭ ‬مهما‭ ‬بلغت‭ ‬قوتها،‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تعيش‭ ‬طويلاً‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬صراعٍ‭ ‬مفتوح،‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬تؤسس‭ ‬استقرارها‭ ‬على‭ ‬إنكار‭ ‬الآخر‭.‬

من‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬السؤال‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬فقط‭: ‬كيف‭ ‬يراها‭ ‬الفلسطينيون؟‭ ‬بل‭: ‬إلى‭ ‬أين‭ ‬تمضي‭ ‬إسرائيل‭ ‬نفسها،‭ ‬وهي‭ ‬تتبدل‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو‭ ‬المتسارع،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬نقطة‭ ‬ارتكازٍ‭ ‬نهائية؟

 

{ ‭ ‬مدير‭ ‬مركز‭ ‬المتوسط‭ ‬للدراسات‭ ‬الإقليمية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا