كانت الولايات المتحدة الأمريكية، بما تمتلكه من قوة عسكرية هائلة ونفوذ سياسي واقتصادي واسع، مرشحة لأن تكون قوة ضامنة للأمن والاستقرار والسلام العالمي. كان يُفترض بها أن توظف هذه القوة في حماية الشرعية الدولية، وصون حقوق الشعوب، والدفاع عن موارد الدول الضعيفة من أطماع المتربصين، وأن تساعدها على النمو والازدهار واستقلال القرار. كان يُنتظر منها أن تكون حائط صدٍ في وجه الاستبداد، وميزان عدلٍ يقتص للمظلوم من الظالم.
غير أن الواقع جاء مغايرًا لهذه الصورة المثالية.
ففي السنوات الأخيرة، بدت السياسة الأمريكية وكأنها انزلقت إلى مسارات خطرة، خاصة في ظل سياسات الرئيس دونالد ترامب، وتماهيها مع نهج الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، القائم على التوسع المفرط، والإفراط في استخدام القوة التدميرية، واستهداف المدنيين، وتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية، وإذكاء بؤر التوتر في سوريا والعراق، فضلًا عن تغذية أجواء المواجهة مع إيران، وإفشال مسارات التهدئة والتفاوض التي حاولت بعض الأطراف الإقليمية، ومنها باكستان، الدفع بها مؤخرًا.
لقد أفرزت هذه السياسات كوارث إنسانية واقتصادية لم تقتصر آثارها على أطراف الصراع فحسب، بل امتدت لتطول العالم بأسره بحسب بعض الإجراءات تم تقدير الخسائر العالمية، وفق تقارير أممية، بنحو 270 مليار دولار، نتيجة اضطراب أسواق الطاقة، وارتفاع أسعار النفط، وإغلاق مضيق هرمز، هذه التطورات لم تكن مجرد أرقام في تقارير اقتصادية، بل تحولت إلى أعباء معيشية ثقيلة دفعتها شعوب العالم.
فبحسب تقارير دولية، تراجع النمو الاقتصادي العالمي بنحو 2%، وانخفض الإنتاج الزراعي في شمال افريقيا بنسبة 30% بسبب نقص الأسمدة وارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما انعكس بوضوح على دول مثل مصر وتونس والمغرب. وفي دول الخليج، أشار مركز دراسات استراتيجية إلى تراجع عائدات النفط في الإمارات والكويت على سبيل المثال، مع انخفاض الأرباح بنسبة وصلت إلى 25%.
أما أوروبا، فقد شهدت -وفق تقارير صندوق النقد الدولي- تباطؤًا في النمو إلى أقل من 5%، وارتفاعًا في معدلات التضخم بنحو 2.5%. وتشير تقديرات إلى أن فرنسا قد تخسر نحو 6 مليارات يورو بنهاية العام، بينما يواجه الاقتصاد الألماني خطر الركود نتيجة اضطراب سلاسل التوريد وارتفاع أسعار الطاقة، حيث تأثر نحو 90% من شركات التصنيع.
كما تحدث البنك المركزي الأوروبي عن ضغوط غير مسبوقة على النمو وارتفاع فاتورة الطاقة بنحو 24 مليار يورو خلال الأزمة الراهنة.
وفي أمريكا اللاتينية، أكد تقرير للبنك الدولي أن رؤوس الأموال اندفعت خارج المنطقة، ما أدى إلى إضعاف العملات المحلية وتصاعد معدلات التضخم. والمفارقة أن الولايات المتحدة نفسها لم تكن بمنأى عن التداعيات، إذ ارتفعت معدلات البطالة، وتراجعت الثقة في قدرة الإدارة الأمريكية على ضبط الاقتصاد وإدارته بكفاءة.
هكذا تبدو السياسة الأمريكية الحالية وكأنها أسست لمرحلة جديدة من الفوضى الدولية، تتآكل فيها قواعد العدالة، وتتراجع فيها الثقة بالقيم التي طالما رفعتها واشنطن شعارًا.
ان صورة الدولة الامريكية التي تدّعى حماية الديمقراطية باتت مشوشة، وهي تمارس سياسات تُتهم بأنها تكرس منطق القوة على حساب القانون، والمصلحة الضيقة على حساب الاستقرار العالمي.
لقد أحرقت الولايات المتحدة، بسياساتها هذه، كثيرًا من أوراقها، واهتزت صورتها كراعٍ للسلام، وتراجعت مصداقيتها في عيون شعوب كثيرة، لتتحول -في نظر منتقديها- من قوة ضامنة للاستقرار إلى عامل توتر واضطراب في نظام دولي يعاني أصلًا من هشاشة متزايدة.
{ كاتب وباحث أكاديمي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك