العدد : ١٧٥٦٦ - الاثنين ٢٧ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٦٦ - الاثنين ٢٧ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

القائد الاستراتيجي والتفكير في صناعة المستقبل

بقلم: د. زكريا الخنجي.

الاثنين ٢٧ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

نقول‭ ‬دائمًا‭ ‬إنه‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬الأعمال‭ ‬الديناميكية‭ ‬والمعقدة‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬اليوم،‭ ‬أصبح‭ ‬التفكير‭ ‬والقيادة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬من‭ ‬المهارات‭ ‬والقدرات‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنها‭ ‬للمؤسسات‭ ‬والأفراد‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭. ‬ولكن‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬يتم‭ ‬الخلط‭ ‬بين‭ ‬هذين‭ ‬المفهومين‭ ‬أو‭ ‬استخدامهما‭ ‬بالتبادل،‭ ‬إلا‭ ‬أنهما‭ ‬يمثلان‭ ‬جانبين‭ ‬مختلفين‭ ‬ولكنهما‭ ‬متكاملان‭ ‬لعملية‭ ‬تحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد،‭ ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬فهم‭ ‬هذه‭ ‬الفروقات‭ ‬الدقيقة‭ ‬بينهما‭ ‬أمر‭ ‬بالغ‭ ‬الأهمية‭ ‬لتطوير‭ ‬الكفاءات‭ ‬اللازمة‭ ‬لدفع‭ ‬عجلة‭ ‬النمو‭ ‬والابتكار،‭ ‬وعلى‭ ‬ذلك‭ ‬دعونا‭ ‬نحاول‭ ‬توضيح‭ ‬تلك‭ ‬الفروقات‭ ‬بأكثر‭ ‬دقة‭.‬

أولاً‭: ‬التفكير‭ ‬الاستراتيجي‭ (‬Strategic‭ ‬Thinking‭)‬

يُعرف‭ ‬التفكير‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬–ببساطة–‭ ‬بأنه‭ ‬عملية‭ ‬عقلية‭ ‬تحليلية‭ ‬وتوليفية،‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬استشراف‭ ‬المستقبل،‭ ‬وتوقع‭ ‬التحديات‭ ‬والفرص،‭ ‬وصياغة‭ ‬رؤى‭ ‬مبتكرة‭ ‬لتحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭. ‬بمعنى‭ ‬آخر‭ ‬إنه‭ ‬يتجاوز‭ ‬مجرد‭ ‬التخطيط،‭ ‬حيث‭ ‬يركز‭ ‬على‭ (‬ماذا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭) ‬بدلاً‭ ‬من‭ (‬ماذا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭)‬،‭ ‬فالتفكير‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬هو‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬رؤية‭ ‬الصورة‭ ‬الكبيرة،‭ ‬وربط‭ ‬النقاط،‭ ‬وتحديد‭ ‬الأنماط،‭ ‬وتخيل‭ ‬مسارات‭ ‬جديدة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬موجودة‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬ربما‭ ‬بمعنى‭ ‬أنه‭ ‬يضع‭ ‬تصورا‭ ‬لصناعة‭ ‬المستقبل‭. ‬لنتعرف‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التفكير‭.‬

خصائص‭ ‬التفكير‭ ‬الاستراتيجي؛‮ ‬يتميز‭ ‬الأفراد‭ ‬ذوو‭ ‬التفكير‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬بعدة‭ ‬خصائص‭ ‬رئيسية،‭ ‬منها‭:‬

{‭ ‬الرؤية‭ ‬المستقبلية،‭ ‬وهي‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬الحاضر‭ ‬وتوقع‭ ‬التغيرات‭ ‬والاتجاهات‭ ‬المستقبلية‭.‬

{‭ ‬الشمولية،‭ ‬فهم‭ ‬كيفية‭ ‬ترابط‭ ‬الأجزاء‭ ‬المختلفة‭ ‬للمؤسسة‭ ‬والبيئة‭ ‬الخارجية‭.‬

{‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التوليف،‭ ‬جمع‭ ‬المعلومات‭ ‬المتنوعة‭ ‬والمعقدة‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬رؤى‭ ‬واضحة‭ ‬ومترابطة‭.‬

{‭ ‬الإبداع‭ ‬والابتكار،‭ ‬توليد‭ ‬أفكار‭ ‬وحلول‭ ‬جديدة‭ ‬وغير‭ ‬تقليدية‭ ‬للمشكلات‭.‬

{‭ ‬الاستباقية،‭ ‬اتخاذ‭ ‬إجراءات‭ ‬مبكرة‭ ‬للاستفادة‭ ‬من‭ ‬الفرص‭ ‬أو‭ ‬التخفيف‭ ‬من‭ ‬التهديدات‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتفاقم‭.‬

{‭ ‬المرونة،‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تكييف‭ ‬الأفكار‭ ‬والخطط‭ ‬استجابةً‭ ‬للظروف‭ ‬المتغيرة‭.‬

والتفكير‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬ليس‭ ‬حكرًا‭ ‬على‭ ‬القيادات‭ ‬العليا؛‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬مهارة‭ ‬يمكن‭ ‬ويجب‭ ‬أن‭ ‬يمتلكها‭ ‬جميع‭ ‬الأفراد‭ ‬في‭ ‬المؤسسة‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬المستويات‭. ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬ببساطة‭ ‬أنه‭ ‬يمكن‭ ‬للموظفين‭ ‬–‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مستوى‭ ‬إداري–فهم‭ ‬كيفية‭ ‬مساهمة‭ ‬عملهم‭ ‬اليومي‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬الكبرى‭ ‬للمؤسسة،‭ ‬ويشجعهم‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬طرق‭ ‬مبتكرة‭ ‬لتحسين‭ ‬الأداء‭ ‬وخلق‭ ‬القيمة‭.‬

ثانيًا‭: ‬القيادة‭ ‬الاستراتيجية‭ (‬Strategic‭ ‬Leadership‭)‬

من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬تُعرف‭ ‬القيادة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بأنها‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحديد‭ ‬وتوضيح‭ ‬وتنفيذ‭ ‬اتجاه‭ ‬واضح‭ ‬للمؤسسة‭ ‬أو‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬منها،‭ ‬مع‭ ‬تحفيز‭ ‬وتوجيه‭ ‬الأفراد‭ ‬نحو‭ ‬تحقيق‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية،‭ ‬وهذا‭ ‬يتضمن‭ ‬مواءمة‭ ‬الموارد،‭ ‬وبناء‭ ‬القدرات،‭ ‬وخلق‭ ‬ثقافة‭ ‬تنظيمية‭ ‬تدعم‭ ‬تحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬الاستراتيجية‭. ‬ببساطة‭ ‬فالقيادة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬هي‭ ‬تطبيق‭ ‬التفكير‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المؤسسة‭ ‬بأكملها‭.‬

1‭. ‬خصائص‭ ‬القيادة‭ ‬الاستراتيجية؛‮ ‬يتميز‭ ‬القادة‭ ‬الاستراتيجيون‭ ‬بعدة‭ ‬خصائص‭ ‬أساسية،‭ ‬منها‭:‬

{‭ ‬صياغة‭ ‬الرؤية،‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬رؤية‭ ‬مقنعة‭ ‬للمستقبل‭ ‬وإيصالها‭ ‬بوضوح‭ ‬للجميع‭.‬

{‭ ‬بناء‭ ‬التوافق،‭ ‬إشراك‭ ‬أصحاب‭ ‬المصلحة‭ ‬وبناء‭ ‬دعم‭ ‬واسع‭ ‬للتوجه‭ ‬الاستراتيجي‭.‬

{‭ ‬تخصيص‭ ‬الموارد،‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬فعالة‭ ‬بشأن‭ ‬كيفية‭ ‬توزيع‭ ‬الموارد‭ (‬البشرية،‭ ‬المالية،‭ ‬التكنولوجية‭) ‬لدعم‭ ‬الأولويات‭ ‬الاستراتيجية‭.‬

{‭ ‬إدارة‭ ‬التغيير،‭ ‬قيادة‭ ‬المؤسسة‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬التغيير،‭ ‬والتغلب‭ ‬على‭ ‬المقاومة،‭ ‬وضمان‭ ‬الانتقال‭ ‬السلس‭.‬

{‭ ‬تطوير‭ ‬المواهب،‭ ‬بناء‭ ‬فريق‭ ‬قوي‭ ‬من‭ ‬الأفراد‭ ‬ذوي‭ ‬التفكير‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التنفيذ‭.‬

{‭ ‬المساءلة،‭ ‬وضع‭ ‬مقاييس‭ ‬واضحة‭ ‬للأداء‭ ‬ومحاسبة‭ ‬الأفراد‭ ‬والفرق‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬النتائج‭ ‬الاستراتيجية‭.‬

وتتركز‭ ‬القيادة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بشكل‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬المستويات‭ ‬الإدارية‭ ‬العليا‭ ‬والمتوسطة،‭ ‬حيث‭ ‬يكون‭ ‬القادة‭ ‬مسؤولين‭ ‬عن‭ ‬توجيه‭ ‬وحدات‭ ‬عمل‭ ‬كبيرة‭ ‬أو‭ ‬المؤسسة‭ ‬بأكملها‭. ‬إنهم‭ ‬يمتلكون‭ ‬السلطة‭ ‬والمسؤولية‭ ‬لاتخاذ‭ ‬القرارات‭ ‬التي‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬المسار‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭ ‬للمؤسسة‭.‬

ولكننا‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬نعتقد‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فصل‭ ‬التفكير‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬عن‭ ‬القيادة‭ ‬الاستراتيجية؛‭ ‬فهما‭ ‬يمثلان‭ ‬وجهين‭ ‬لعملة‭ ‬واحدة‭. ‬فالتفكير‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬هو‭ ‬الأساس‭ ‬الذي‭ ‬تبنى‭ ‬عليه‭ ‬القيادة‭ ‬الاستراتيجية‭. ‬فالقائد‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الفعال‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مفكرًا‭ ‬استراتيجيًا‭ ‬أولاً،‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬استشراف‭ ‬المستقبل‭ ‬وتوليد‭ ‬الرؤى،‭ ‬ثم‭ ‬يأتي‭ ‬دور‭ ‬القيادة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬لتحويل‭ ‬هذه‭ ‬الرؤى‭ ‬والأفكار‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬ملموس‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التخطيط‭ ‬والتنفيذ‭ ‬وتوجيه‭ ‬الأفراد‭.‬

فالتفكير‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬هو‭ (‬العقل‭) ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬ويحلل‭ ‬وينشئ،‭ ‬بينما‭ ‬القيادة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬هي‭ (‬الذراع‭) ‬الذي‭ ‬ينفذ‭ ‬ويوجه‭ ‬ويحقق‭. ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬ببساطة‭ ‬أن‭ ‬كلاهما‭ ‬ضروري‭ ‬لنجاح‭ ‬المؤسسة‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬أهدافها‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬والبقاء‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬دائم‭ ‬التغير‭. ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬على‭ ‬المؤسسات‭ ‬أن‭ ‬تعمل‭ ‬لتعزيز‭ ‬وجودهما‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬المستويات‭ ‬لضمان‭ ‬المرونة‭ ‬والابتكار‭ ‬والنمو‭ ‬المستدام‭.‬

Zkhunji@hotmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا