نقول دائمًا إنه في بيئة الأعمال الديناميكية والمعقدة كما هو اليوم، أصبح التفكير والقيادة الاستراتيجية من المهارات والقدرات الأساسية التي لا غنى عنها للمؤسسات والأفراد على حد سواء. ولكن غالبًا ما يتم الخلط بين هذين المفهومين أو استخدامهما بالتبادل، إلا أنهما يمثلان جانبين مختلفين ولكنهما متكاملان لعملية تحقيق الأهداف طويلة الأمد، لذلك فإن فهم هذه الفروقات الدقيقة بينهما أمر بالغ الأهمية لتطوير الكفاءات اللازمة لدفع عجلة النمو والابتكار، وعلى ذلك دعونا نحاول توضيح تلك الفروقات بأكثر دقة.
أولاً: التفكير الاستراتيجي (Strategic Thinking)
يُعرف التفكير الاستراتيجي –ببساطة– بأنه عملية عقلية تحليلية وتوليفية، تهدف إلى استشراف المستقبل، وتوقع التحديات والفرص، وصياغة رؤى مبتكرة لتحقيق الأهداف طويلة الأمد. بمعنى آخر إنه يتجاوز مجرد التخطيط، حيث يركز على (ماذا يمكن أن يكون) بدلاً من (ماذا يجب أن يكون)، فالتفكير الاستراتيجي هو القدرة على رؤية الصورة الكبيرة، وربط النقاط، وتحديد الأنماط، وتخيل مسارات جديدة لم تكن موجودة من قبل، ربما بمعنى أنه يضع تصورا لصناعة المستقبل. لنتعرف على هذا النوع من التفكير.
خصائص التفكير الاستراتيجي؛ يتميز الأفراد ذوو التفكير الاستراتيجي بعدة خصائص رئيسية، منها:
{ الرؤية المستقبلية، وهي القدرة على النظر إلى ما هو أبعد من الحاضر وتوقع التغيرات والاتجاهات المستقبلية.
{ الشمولية، فهم كيفية ترابط الأجزاء المختلفة للمؤسسة والبيئة الخارجية.
{ القدرة على التوليف، جمع المعلومات المتنوعة والمعقدة وتحويلها إلى رؤى واضحة ومترابطة.
{ الإبداع والابتكار، توليد أفكار وحلول جديدة وغير تقليدية للمشكلات.
{ الاستباقية، اتخاذ إجراءات مبكرة للاستفادة من الفرص أو التخفيف من التهديدات قبل أن تتفاقم.
{ المرونة، القدرة على تكييف الأفكار والخطط استجابةً للظروف المتغيرة.
والتفكير الاستراتيجي ليس حكرًا على القيادات العليا؛ بل هو مهارة يمكن ويجب أن يمتلكها جميع الأفراد في المؤسسة على مختلف المستويات. وهذا يعني ببساطة أنه يمكن للموظفين – في أي مستوى إداري–فهم كيفية مساهمة عملهم اليومي في تحقيق الأهداف الكبرى للمؤسسة، ويشجعهم على البحث عن طرق مبتكرة لتحسين الأداء وخلق القيمة.
ثانيًا: القيادة الاستراتيجية (Strategic Leadership)
من جهة أخرى تُعرف القيادة الاستراتيجية بأنها القدرة على تحديد وتوضيح وتنفيذ اتجاه واضح للمؤسسة أو جزء كبير منها، مع تحفيز وتوجيه الأفراد نحو تحقيق هذه الرؤية، وهذا يتضمن مواءمة الموارد، وبناء القدرات، وخلق ثقافة تنظيمية تدعم تحقيق الأهداف الاستراتيجية. ببساطة فالقيادة الاستراتيجية هي تطبيق التفكير الاستراتيجي على مستوى المؤسسة بأكملها.
1. خصائص القيادة الاستراتيجية؛ يتميز القادة الاستراتيجيون بعدة خصائص أساسية، منها:
{ صياغة الرؤية، القدرة على تطوير رؤية مقنعة للمستقبل وإيصالها بوضوح للجميع.
{ بناء التوافق، إشراك أصحاب المصلحة وبناء دعم واسع للتوجه الاستراتيجي.
{ تخصيص الموارد، اتخاذ قرارات فعالة بشأن كيفية توزيع الموارد (البشرية، المالية، التكنولوجية) لدعم الأولويات الاستراتيجية.
{ إدارة التغيير، قيادة المؤسسة خلال فترات التغيير، والتغلب على المقاومة، وضمان الانتقال السلس.
{ تطوير المواهب، بناء فريق قوي من الأفراد ذوي التفكير الاستراتيجي والقدرة على التنفيذ.
{ المساءلة، وضع مقاييس واضحة للأداء ومحاسبة الأفراد والفرق على تحقيق النتائج الاستراتيجية.
وتتركز القيادة الاستراتيجية بشكل أساسي في المستويات الإدارية العليا والمتوسطة، حيث يكون القادة مسؤولين عن توجيه وحدات عمل كبيرة أو المؤسسة بأكملها. إنهم يمتلكون السلطة والمسؤولية لاتخاذ القرارات التي تؤثر في المسار طويل الأمد للمؤسسة.
ولكننا في الحقيقة نعتقد أنه لا يمكن فصل التفكير الاستراتيجي عن القيادة الاستراتيجية؛ فهما يمثلان وجهين لعملة واحدة. فالتفكير الاستراتيجي هو الأساس الذي تبنى عليه القيادة الاستراتيجية. فالقائد الاستراتيجي الفعال يجب أن يكون مفكرًا استراتيجيًا أولاً، قادرًا على استشراف المستقبل وتوليد الرؤى، ثم يأتي دور القيادة الاستراتيجية لتحويل هذه الرؤى والأفكار إلى واقع ملموس من خلال التخطيط والتنفيذ وتوجيه الأفراد.
فالتفكير الاستراتيجي هو (العقل) الذي يرى ويحلل وينشئ، بينما القيادة الاستراتيجية هي (الذراع) الذي ينفذ ويوجه ويحقق. وهذا يعني ببساطة أن كلاهما ضروري لنجاح المؤسسة في تحقيق أهدافها الاستراتيجية والبقاء قادرة على المنافسة في عالم دائم التغير. لذلك فإن على المؤسسات أن تعمل لتعزيز وجودهما على جميع المستويات لضمان المرونة والابتكار والنمو المستدام.
Zkhunji@hotmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك