بعيدا عما يمكن أن تنتهي إليه الحرب الراهنة في المنطقة فإن كل الحقائق والمؤشرات الموضوعية تؤكد أن إيران قد خسرت هذه الحرب جملة وتفصيلا فقد تكبدت على عدة أصعدة خسائر كبيرة من الصعب تجاوز آثارها خلال المستقبل المنظور سواء أكانت ذات طابع مادي أو عسكري أو سياسي أو ذات طابع دبلوماسي واقتصادي ومنها يمكن أن نرصد 3 جوانب أساسية تتعلق بالخسائر المنظورة والتي ليس عليها أو حولها أي خلاف.
الأول: تكبدت إيران خسائر فادحة في هذه الحرب شملت دمارا واستستطيع إيرانالتحتية العسكرية والاقتصادية قدرتها إيران نفسها بتجاوز 27 مليار دولار وربما أكثر إضافة إلى الشلل الكبير في القدرات الدفاعية الجوية والبحرية حيث تم تدمير منهجي لآلاف الأهداف العسكرية والتي قدرتها الولايات المتحدة الأمريكية بنحو 15 ألف هدف خلال أقل من 40 يوما وربما أكثر وهذا يعني بالمعيار العسكري دمارا شاملا لن تستطيع إيران تعويضه خلال فترة تمتد من 10 إلى 20 سنة على الأقل حتى وإن بقي لديها عدة آلاف من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة فإنها تصلح فقط للمناوشات ولكنها لا تشكل قوة رادعة في الحروب.
الثاني: خسرت ايران في سردياتها ومبرراتها الأيديولوجية والسياسية التي ذهبت في مهب الريح منها سردية شعار «الموت لأمريكا والموت لإسرائيل» ومنها تصدير الثورة ومنها إسناد محور المقاومة فقد شكلت هذه الحرب معطيات تضرب كل هذه المقومات الأيديولوجية بعد اغتيال القيادات الأساسية ذات الطابع الأيديولوجي السياسي أو العسكري حيث قدمت هذه الشعارات الأيديولوجية مبررات لكل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية لمهاجمة إيران وهذا ما تحدث عنه ترامب في البيان الأول للحرب بقوله إن نظام الملالي أعلن عداءه لأمريكا منذ اليوم الأول لوصوله إلى الحكم.
وقد أدت هذه الحرب إلى بوادر ظهور أزمة داخلية عميقة بين أركان الحكم في إيران «الرئيس والحكومة والحرس الثوري ورجال الدين» وهذا ما يفسر التصريحات والتصريحات المضادة ونتذكر في هذا السياق اعتذار الرئيس الإيراني من دول الخليج ووعده التوقف عن الاعتداء عليها، ولكن مباشرة بعد هذا الإعلان قام الحرس الثوري بتكثيف الضربات الصاروخية واعتداءات الطائرات المسيرة على جميع دول الخليج العربية.
الثالث: الخسائر الاقتصادية الهائلة والتي يصعب حصرها الآن إلى أن يستفيق الشعب الإيراني بعد انتهاء هذه الحرب على فاجعة الخسائر حيث تم تدمير وضرب أغلب المؤسسات الصناعية وجزء مهم من مؤسسات الطاقة ووسائل النقل وكما هو معلوم قبل هذه الحرب بأن أكثر من 30 مليون إيراني يعيشون تحت خط الفقر فإن هذا الرقم مرشح للزيادة بعد هذه الحرب مما سوف يؤدي في المستقبل على الأرجح إلى اندلاع احتجاجات حيث أصبحت إيران في وضع أسوأ مما كانت عليه قبل الحرب الأولى والثانية مما يضطرها إلى تقديم التنازلات.
لقد عجزت إيران عن مواجهة الحصار الأمريكي لموانئها كما عجزت عن التصدي للضربات الأمريكية الساحقة هذا دون الحديث عن الخسائر السياسية الاستراتيجية الكبيرة لإيران ممثلة في خسارتها الكبيرة للعلاقات مع دول الخليج العربية فبعد أن كانت هذه الدول بمثابة الرئة التي تتنفس من خلالها إيران اقتصاديا وتجاريا ولوجستيا وحتى بشريا حيث يوجد في دول الخليج العربية أكثر من 800 ألف إيراني يعملون في مختلف المجالات ويعيشون في هذه الدول معززين مكرمين.
كما أن السوق الخليجية تستورد قسما كبيرا من المنتجات الإيرانية إضافة إلى الموجودات الإيرانية في البنوك الخليجية بالعملات الأجنبية، وهذا كله عرضته إيران إلى ضرر يصعب إصلاحه على المدى القريب حيث قام النظام الإيراني بتكثيف الاعتداءات على دول الخليج مجتمعة بحيث تجاوزت هذه الاعتداءات ما نسبته 85% من مجموع الصواريخ والمسيرات التي أطلقتها إيران وكان لدول الخليج النصيب الأوفر من هذه الاعتداءات.
لذلك نستطيع القول بأن الخسائر الكبرى التي يصعب تداركها هي خسارة إيران مع جيرانها الأقربين الذين شكلوا عبر السنين أحد أهم المجالات الحيوية بالنسبة إلى اقتصادها والتعاون معها.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك