أثارت المفارقة الشاسعة بين المبادئ العليا التي تدعو إليها الدول العظمى، وتحتج عند انتهاك الغير لها، مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان، وطريقتها الفعلية في تطبيق هذه المبادئ وفي تسيير أنظمتها الديمقراطية، حيرة الكثيرين؛ إذ كان من المتوقع مثلًا أن تكون الليبرالية التي تتباهى بها هذه الدول تتويجًا لمفهوم الديمقراطية لو اعتبرنا أن الليبرالية تمثل المرحلة الرابعة والأخيرة في رباعية مراحل الديمقراطية بعد العلمانية والعقد الاجتماعي والتنوير.
لكن الواقع يؤكد أن ثمة مسافة كبيرة بين هذه المبادئ السامية التي تتشدق بها هذه الدول، والسياسات التي تنتهجها باسمها. فالملاحظ مثلًا أن الليبرالية الراديكالية قد أفضت إلى تغليب التوسع اللامحدود في مفهوم الحقوق الفردية على حساب سيادة المجموع كما أسهمت بصورة كبيرة في قهر الضعفاء واتساع هوة الفارق الاجتماعي بين الأغنياء والفقراء، وفي توحش اليمين العنصري المتطرف، ومن ثم برزت المفارقة المحيرة.
يضاف إلى ذلك، كما يرى البعض، أن هذه النزعة الليبرالية الراديكالية قد أضعفت لدى مواطني هذه الدول إحساسهم بالانتماء الجماعي. ولما سُئل ذات يوم الفيلسوف الفرنسي المعاصر مارسيل جوشيه عن أسباب هذه المفارقة، نفى تمامًا وجود أي مفارقة في الظاهرة، لأن ثمة فارقًا كبيرًا بين ما ينادى به الإنسان من مبادئ كالديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة الشعب، والطريقة التي يلجأ إليها لتطبيق هذه المبادئ فعليًا، مبررًا ذلك بأن المبادئ بطبيعتها لا تتضمن وصفًا محددًا للطريقة التي تطبق بها. وهذا ما يفسر لنا الاختلاف الكبير بين ما تقضي به مبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية والمساواة وطريقة الدول في فهمها وأسلوبها في تطبيقها.
حقًا، لقد شهد العالم خلال القرن العشرين صراعًا مريرًا بين الرأسمالية والاشتراكية والماركسية، وخرج النظام الرأسمالي من هذا الصراع منتصرًا، ومع ذلك ليس من اليسير أن يقطع المرء بإجابة حاسمة عن السؤال: هل يرجع سبب هذا النصر إلى قوة النظام الرأسمالي أم إلى ضعف غريميه؟ لئن كان من المؤكد أن النظام الرأسمالي يتمتع بنفوذ واسع وهيمنة شبه كاملة على دول العالم رغم ما مر به ولا يزال يمر به من أزمات دورية معقدة، فهو نظام يعول في تطوير ذاته وإحكام سيطرته على ما يتعرض له من أزمات؛ لأن الأزمة بالنسبة إليه بمثابة أداة يستعين بها لتطوير ذاته، وهذا هو سر صموده واستمراره مهما تناوبت عليه الأزمات.
ومع ذلك ثمة حقيقتان يصعب إنكارهما؛ تتعلق أولاهما بالدول الكبرى ذاتها، وثانيتهما بالدول النامية. فبالنسبة إلى الدول الكبرى لا يماري أحد في أن الليبرالية الراديكالية قد أحدثت ارتباكا وتصدعا في الحياة الاجتماعية داخل هذه الدول، كما أنها مع اقترانها بالعولمة وهي في الواقع وجهها الآخر زرعت في مجتمعاتها حالة متنامية من الإحباط وخيبة الأمل وغياب المساواة، وهذا ما يفسر في نظر الفيلسوف الفرنسي جوشيه ما يسميه (الطابع «الشبحي» لديمقراطية الغرب التي تبدو مثالية على الورق، لكنها غير فعالة في الواقع). ومن ثم يرى أن الأوروبيين ينبغي عليهم إعادة تعلم الديمقراطية من جذورها؛ لأن المبادئ لا تكفي وحدها، بل يجب أيضًا التحكم في الإطار الذي يسمح بتطبيقها بشكل فعال مفيد للجميع.
أما بالنسبة إلى الدول النامية فإن أزمة النظام الرأسمالي الحقيقية عندها ذات طابع مختلف ومعقد تمامًا؛ لأنها لا تكمن كما توهم البعض في صعوبة خروج هذه الدول من النظام الرأسمالي العالمي وأزماته، وإنما في إمكانية دلوفها داخله؛ لأن بلدان العالم الثالث ستظل قابعة في هامش النظام الرأسمالي وفي تخومه.
وتفسير ذلك أن الدول الكبرى تُحكم سيطرتها على هذا النظام ولن تسمح أبدًا للدول النامية بالدخول إلى مركزه لأن من مصلحتها الكبرى أن تبقيها على أطرافه وتسد عليها سبل الدخول إليه كي لا تظل في حالة تبعية أبدية لها ومعتمدة كليًا عليها. ومن ثم فإن أزمة النظام الرأسمالي بالنسبة إلى دول العالم الثالث تتلخص في عجزها عن إشباع طموحها في الانخراط داخل النظام الرأسمالي والتمتع بمزاياه.
وقد صدق من علّق على هذه الأزمة قائلًا: إن النظام الرأسمالي على الرغم من قدرته الواسعة على تطوير ذاته عبر ما يمر به من أزمات متلاحقة، فهو يحمل في طياته لعنة تشطير العالم إلى مراكز وأطراف، إلى شمال وجنوب، إلى بلدان متقدمة وبلدان متأخرة.
وعندما بدت إمكانية الخروج الحضاري على النظام متعذرة لحظة سقوط الماركسية فإن الباب الوحيد الذي ظل مفتوحًا من الناحية الأيديولوجية على الأقل تمثل لدى الجماعات المتطرفة في الخروج والتمرد على النظام الرأسمالي، وهذا ما يعتبره البعض سر الرواج الذي تعرفه الأيديولوجية الدينية في محيط هذا النظام وهوامشه.
{ أستاذ فلسفة اللغة والأدب الفرنسي
بكلية الآداب - جامعة حلوان.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك