العدد : ١٧٥٦٥ - الأحد ٢٦ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٦٥ - الأحد ٢٦ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

أزمة الليبرالية في المجتمعات الغربية

بقلم: د. عصام عبدالفتاح

السبت ٢٥ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

أثارت‭ ‬المفارقة‭ ‬الشاسعة‭ ‬بين‭ ‬المبادئ‭ ‬العليا‭ ‬التي‭ ‬تدعو‭ ‬إليها‭ ‬الدول‭ ‬العظمى،‭ ‬وتحتج‭ ‬عند‭ ‬انتهاك‭ ‬الغير‭ ‬لها،‭ ‬مثل‭ ‬الديمقراطية‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬وطريقتها‭ ‬الفعلية‭ ‬في‭ ‬تطبيق‭ ‬هذه‭ ‬المبادئ‭ ‬وفي‭ ‬تسيير‭ ‬أنظمتها‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬حيرة‭ ‬الكثيرين؛‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المتوقع‭ ‬مثلًا‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الليبرالية‭ ‬التي‭ ‬تتباهى‭ ‬بها‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬تتويجًا‭ ‬لمفهوم‭ ‬الديمقراطية‭ ‬لو‭ ‬اعتبرنا‭ ‬أن‭ ‬الليبرالية‭ ‬تمثل‭ ‬المرحلة‭ ‬الرابعة‭ ‬والأخيرة‭ ‬في‭ ‬رباعية‭ ‬مراحل‭ ‬الديمقراطية‭ ‬بعد‭ ‬العلمانية‭ ‬والعقد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والتنوير‭.‬

لكن‭ ‬الواقع‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬مسافة‭ ‬كبيرة‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬المبادئ‭ ‬السامية‭ ‬التي‭ ‬تتشدق‭ ‬بها‭ ‬هذه‭ ‬الدول،‭ ‬والسياسات‭ ‬التي‭ ‬تنتهجها‭ ‬باسمها‭. ‬فالملاحظ‭ ‬مثلًا‭ ‬أن‭ ‬الليبرالية‭ ‬الراديكالية‭ ‬قد‭ ‬أفضت‭ ‬إلى‭ ‬تغليب‭ ‬التوسع‭ ‬اللامحدود‭ ‬في‭ ‬مفهوم‭ ‬الحقوق‭ ‬الفردية‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬سيادة‭ ‬المجموع‭ ‬كما‭ ‬أسهمت‭ ‬بصورة‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬قهر‭ ‬الضعفاء‭ ‬واتساع‭ ‬هوة‭ ‬الفارق‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بين‭ ‬الأغنياء‭ ‬والفقراء،‭ ‬وفي‭ ‬توحش‭ ‬اليمين‭ ‬العنصري‭ ‬المتطرف،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬برزت‭ ‬المفارقة‭ ‬المحيرة‭.‬

يضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬كما‭ ‬يرى‭ ‬البعض،‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬النزعة‭ ‬الليبرالية‭ ‬الراديكالية‭ ‬قد‭ ‬أضعفت‭ ‬لدى‭ ‬مواطني‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬إحساسهم‭ ‬بالانتماء‭ ‬الجماعي‭. ‬ولما‭ ‬سُئل‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الفرنسي‭ ‬المعاصر‭ ‬مارسيل‭ ‬جوشيه‭ ‬عن‭ ‬أسباب‭ ‬هذه‭ ‬المفارقة،‭ ‬نفى‭ ‬تمامًا‭ ‬وجود‭ ‬أي‭ ‬مفارقة‭ ‬في‭ ‬الظاهرة،‭ ‬لأن‭ ‬ثمة‭ ‬فارقًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬ينادى‭ ‬به‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬مبادئ‭ ‬كالديمقراطية‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬وسيادة‭ ‬الشعب،‭ ‬والطريقة‭ ‬التي‭ ‬يلجأ‭ ‬إليها‭ ‬لتطبيق‭ ‬هذه‭ ‬المبادئ‭ ‬فعليًا،‭ ‬مبررًا‭ ‬ذلك‭ ‬بأن‭ ‬المبادئ‭ ‬بطبيعتها‭ ‬لا‭ ‬تتضمن‭ ‬وصفًا‭ ‬محددًا‭ ‬للطريقة‭ ‬التي‭ ‬تطبق‭ ‬بها‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬لنا‭ ‬الاختلاف‭ ‬الكبير‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬تقضي‭ ‬به‭ ‬مبادئ‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬والديمقراطية‭ ‬والمساواة‭ ‬وطريقة‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬فهمها‭ ‬وأسلوبها‭ ‬في‭ ‬تطبيقها‭.‬

حقًا،‭ ‬لقد‭ ‬شهد‭ ‬العالم‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬صراعًا‭ ‬مريرًا‭ ‬بين‭ ‬الرأسمالية‭ ‬والاشتراكية‭ ‬والماركسية،‭ ‬وخرج‭ ‬النظام‭ ‬الرأسمالي‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬منتصرًا،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬اليسير‭ ‬أن‭ ‬يقطع‭ ‬المرء‭ ‬بإجابة‭ ‬حاسمة‭ ‬عن‭ ‬السؤال‭: ‬هل‭ ‬يرجع‭ ‬سبب‭ ‬هذا‭ ‬النصر‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬النظام‭ ‬الرأسمالي‭ ‬أم‭ ‬إلى‭ ‬ضعف‭ ‬غريميه؟‭ ‬لئن‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬الرأسمالي‭ ‬يتمتع‭ ‬بنفوذ‭ ‬واسع‭ ‬وهيمنة‭ ‬شبه‭ ‬كاملة‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬مر‭ ‬به‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬يمر‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬أزمات‭ ‬دورية‭ ‬معقدة،‭ ‬فهو‭ ‬نظام‭ ‬يعول‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬ذاته‭ ‬وإحكام‭ ‬سيطرته‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يتعرض‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬أزمات؛‭ ‬لأن‭ ‬الأزمة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليه‭ ‬بمثابة‭ ‬أداة‭ ‬يستعين‭ ‬بها‭ ‬لتطوير‭ ‬ذاته،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬سر‭ ‬صموده‭ ‬واستمراره‭ ‬مهما‭ ‬تناوبت‭ ‬عليه‭ ‬الأزمات‭.‬

ومع‭ ‬ذلك‭ ‬ثمة‭ ‬حقيقتان‭ ‬يصعب‭ ‬إنكارهما؛‭ ‬تتعلق‭ ‬أولاهما‭ ‬بالدول‭ ‬الكبرى‭ ‬ذاتها،‭ ‬وثانيتهما‭ ‬بالدول‭ ‬النامية‭. ‬فبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬لا‭ ‬يماري‭ ‬أحد‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الليبرالية‭ ‬الراديكالية‭ ‬قد‭ ‬أحدثت‭ ‬ارتباكا‭ ‬وتصدعا‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬داخل‭ ‬هذه‭ ‬الدول،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬مع‭ ‬اقترانها‭ ‬بالعولمة‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬وجهها‭ ‬الآخر‭ ‬زرعت‭ ‬في‭ ‬مجتمعاتها‭ ‬حالة‭ ‬متنامية‭ ‬من‭ ‬الإحباط‭ ‬وخيبة‭ ‬الأمل‭ ‬وغياب‭ ‬المساواة،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الفرنسي‭ ‬جوشيه‭ ‬ما‭ ‬يسميه‭ (‬الطابع‭ ‬‮«‬الشبحي‮»‬‭ ‬لديمقراطية‭ ‬الغرب‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬مثالية‭ ‬على‭ ‬الورق،‭ ‬لكنها‭ ‬غير‭ ‬فعالة‭ ‬في‭ ‬الواقع‭). ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬الأوروبيين‭ ‬ينبغي‭ ‬عليهم‭ ‬إعادة‭ ‬تعلم‭ ‬الديمقراطية‭ ‬من‭ ‬جذورها؛‭ ‬لأن‭ ‬المبادئ‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬أيضًا‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬الإطار‭ ‬الذي‭ ‬يسمح‭ ‬بتطبيقها‭ ‬بشكل‭ ‬فعال‭ ‬مفيد‭ ‬للجميع‭.‬

أما‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬فإن‭ ‬أزمة‭ ‬النظام‭ ‬الرأسمالي‭ ‬الحقيقية‭ ‬عندها‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬مختلف‭ ‬ومعقد‭ ‬تمامًا؛‭ ‬لأنها‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬كما‭ ‬توهم‭ ‬البعض‭ ‬في‭ ‬صعوبة‭ ‬خروج‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬من‭ ‬النظام‭ ‬الرأسمالي‭ ‬العالمي‭ ‬وأزماته،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬إمكانية‭ ‬دلوفها‭ ‬داخله؛‭ ‬لأن‭ ‬بلدان‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭ ‬ستظل‭ ‬قابعة‭ ‬في‭ ‬هامش‭ ‬النظام‭ ‬الرأسمالي‭ ‬وفي‭ ‬تخومه‭.‬

وتفسير‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬تُحكم‭ ‬سيطرتها‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬ولن‭ ‬تسمح‭ ‬أبدًا‭ ‬للدول‭ ‬النامية‭ ‬بالدخول‭ ‬إلى‭ ‬مركزه‭ ‬لأن‭ ‬من‭ ‬مصلحتها‭ ‬الكبرى‭ ‬أن‭ ‬تبقيها‭ ‬على‭ ‬أطرافه‭ ‬وتسد‭ ‬عليها‭ ‬سبل‭ ‬الدخول‭ ‬إليه‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬تظل‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬تبعية‭ ‬أبدية‭ ‬لها‭ ‬ومعتمدة‭ ‬كليًا‭ ‬عليها‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬أزمة‭ ‬النظام‭ ‬الرأسمالي‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭ ‬تتلخص‭ ‬في‭ ‬عجزها‭ ‬عن‭ ‬إشباع‭ ‬طموحها‭ ‬في‭ ‬الانخراط‭ ‬داخل‭ ‬النظام‭ ‬الرأسمالي‭ ‬والتمتع‭ ‬بمزاياه‭.‬

‭ ‬وقد‭ ‬صدق‭ ‬من‭ ‬علّق‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬قائلًا‭: ‬إن‭ ‬النظام‭ ‬الرأسمالي‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬قدرته‭ ‬الواسعة‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬ذاته‭ ‬عبر‭ ‬ما‭ ‬يمر‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬أزمات‭ ‬متلاحقة،‭ ‬فهو‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬طياته‭ ‬لعنة‭ ‬تشطير‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬مراكز‭ ‬وأطراف،‭ ‬إلى‭ ‬شمال‭ ‬وجنوب،‭ ‬إلى‭ ‬بلدان‭ ‬متقدمة‭ ‬وبلدان‭ ‬متأخرة‭.‬

وعندما‭ ‬بدت‭ ‬إمكانية‭ ‬الخروج‭ ‬الحضاري‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬متعذرة‭ ‬لحظة‭ ‬سقوط‭ ‬الماركسية‭ ‬فإن‭ ‬الباب‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬ظل‭ ‬مفتوحًا‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬تمثل‭ ‬لدى‭ ‬الجماعات‭ ‬المتطرفة‭ ‬في‭ ‬الخروج‭ ‬والتمرد‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬الرأسمالي،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يعتبره‭ ‬البعض‭ ‬سر‭ ‬الرواج‭ ‬الذي‭ ‬تعرفه‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬الدينية‭ ‬في‭ ‬محيط‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬وهوامشه‭.‬

 

{ أستاذ‭ ‬فلسفة‭ ‬اللغة‭ ‬والأدب‭ ‬الفرنسي

بكلية‭ ‬الآداب‭ - ‬جامعة‭ ‬حلوان‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا