تفتح مواقف الحكومة الإسبانية ومبادرات رئيس وزرائها بيدور سانشيز الباب لوقف الانحياز الأوروبي التاريخي لإسرائيل، ووضع نهاية لإهمال حقوق الشعب الفلسطيني، فهل ستنتصر أوروبا لقيم العدالة ومبادئ الحرية والعدالة والحقوق السياسية والإنسانية للشعوب؟ بعد منح سياستها تجاه الحق الفلسطيني (القضية الفلسطينية) زخما نوعيا خلال العقود الثلاثة الماضية، وتحديدا إثر دخول الاتحاد الأوروبي راعيا لعملية السلام التي أثمرت «اتفاق أوسلو» وبعد مرحلة مهمة من تطور المنحى الإيجابي لمواقف دولها، رغم تفاوت درجاته.
فنحن نعتقد أن لقرارات برلماناتها، وقراءات حكوماتها المستجدة الدقيقة لسياسة الحكومة الصهيونية الدينية المتطرفة في إسرائيل التي يرأسها بنيامين نتنياهو، وصدى أصوات جماهيرها المنادية بالحرية لفلسطين ستمنحها قوة دافعة للسير قدما بعملية مزج المعنى السائد للسياسة المعروف بلغة المصالح بنسبة أعلى من المواقف التي لمسناها أثناء خطابات قادتها وبيانات الاعتراف بدولة فلسطين، وتحديدا في خطابي رئيس الجمهورية الفرنسية إيمانويل ماكرون، ورئيس الحكومة البريطانية السير كير ستارمر على منبر المؤتمر الدولي لتطبيق حل الدولتين في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك السنة الماضية، وأثناء انعقاده قبلا في (الرياض) عاصمة المملكة العربية السعودية التي تتشارك رئاسة المؤتمر مع فرنسا.
ولعلنا في هذا المقام نوضح معنى المواقف الأخلاقية الممزوجة بالمواقف السياسية التي ننشدها، ارتكازا على مكانة فلسطين كقضية حق يجب أن تحظى بالعدالة، وهذا ما يدفعنا إلى الاعتقاد أن دول أوروبا ماضية باتجاه تجسيدها بإجراءات عملية فاعلة انسجاما مع مبادئها وقيمها، فعندما تقرر الأغلبية العظمى من الشعوب الأوروبية حكم الانتصار لشعب فلسطين المظلوم، فهذا حكم عدالة شعبي تاريخي يجب تطبيقه، ودعوة ملزمة لحكوماتها للارتقاء بقراراتها المحمولة على إرادة شعبية إلى حيز الفعل المؤثر والملموس لصالح السلام والمستقبل المزدهر.
هناك يتسارع تبلور وعي سياسي إنساني بالمسؤولية التاريخية والأخلاقية عما حصل للشعب الفلسطيني منذ وثيقة كامبل سنة 1905 مرورا باتفاقية (سايكس بيكو) سنة 1916 ثم (وعد بلفور) سنة 1917 وقرار التقسيم سنة 1947، ثم النكبة سنة 1948 حيث تخلخلت ركائز الاستقرار والأمن في الشرق الأوسط، وباتت الحروب والصراعات السمة التي طمست فكرة تحرر الشعوب وتقدمها ونموها وازدهارها، فإسرائيل مصنفة «دولة قائمة بالاحتلال» وفق تعريف محكمة العدل الدولية، وتنفذ جرائم حرب ضد الإنسانية بحق الشعب الفلسطيني والماثلة ذروتها بالإبادة الدموية المدمرة في قطاع غزة، وحكومتها تمارس الإرهاب علنا، ليس على الشعب الفلسطيني وحسب، بل على النظام العالمي وتحديدا على الدول التي تطالبها بتطبيق القوانين والمواثيق الأممية، وقرارات الشرعية الدولية، وتستخدم مصطلح «معاداة السامية» كسلاح إرهاب ضد كل صوت في أوروبا، يطالب بإيقاف جموح حكومة نتنياهو الذاهبة نحو إشعال الشرق الأوسط وحوض البحر الأبيض المتوسط بحروب وصراعات دينية، باتت الشعوب والحكومات الأوروبية على قناعة بوصول شرارها إلى بلادهم!
إن تسليح حكومة نتنياهو لتنظيمات وجماعات المستعمرين في الضفة الفلسطينية ومحيط القدس لتمارس الإرهاب والقتل والتهجير القسري إلا البداية المتوازية مع فيض الكنيست (برلمان إسرائيل) بقوانين عنصرية، جعلت من ادعائها دولة ديمقراطية إهانة لأوروبا (أم الديمقراطية) فالشعوب الأوروبية الغنية بالمعرفة على يقين أن سياسة حكومة الصهيونية الدينية في إسرائيل جعلت منها الدولة الفريدة في العالم التي يقر برلمانها القوانين العنصرية ويدلق رؤساء أحزاب ائتلاف حكومتها الشمبانيا احتفالا، أما الإرهاب بكل أشكاله المادية الجسدية والتدميرية والمعنوية فإن صور تطبيقه عمليا محل فخر لهم باعتبارهم ورثة منهج واستراتيجية الاحتلال والاستعمار الاستيطاني والتهويد والسيطرة بالقوة على أراضي وثروات الشعب الفلسطيني العامة، وقرصنة أموال خزينة الدولة الفلسطينية وإعدام الآمال بحلول السلام.
لقد قررت شعوب أوروبا وضع حد لخداع نتنياهو بمقولته الزائفة: «إن إسرائيل تمثل الحضارة الغربية» واعتبرتها إهانة لا يمكن السكوت عنها، ويجب وضع حد لسياسات حكومته المدمرة للعلاقات التاريخية، والإرث الحضاري المشترك بين شعوب ودول شرق وغرب وشمال وجنوب البحر الأبيض المتوسط.
ونستشهد هنا بموقف رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز الرافض لتهديد إسرائيل بسبب صوت السياسة الأخلاقي والضمير الإنساني الحر الطابع لسياسة بلاده تجاه الحق الفلسطيني وضد الإبادة في غزة، فقد قال: «سنواصل الوقوف في الجانب الصحيح من التاريخ.. فإسرائيل الدولة الوحيدة في الشرق الوسط التي تنتهك الشرعية والقانون الدولي بشكل ممنهج» كمستند وبينة لدعوة الاتحاد الأوروبي لتعليق اتفاقية الشراكة معها.. فالحضارة وقيم الحرية والإنسانية والسلام، نقيض العنصرية والإرهاب والإبادة.
{ كاتب من فلسطين

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك