العدد : ١٧٥٦٥ - الأحد ٢٦ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٦٥ - الأحد ٢٦ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

هل تغيرت نظرة الرأي العام الأمريكي حقا تجاه قضايا الشرق الأوسط؟

بقلم: د. رمزي بارود

الأحد ٢٦ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

لطالما‭ ‬اتسمت‭ ‬النظرة‭ ‬إلى‭ ‬الأمريكيين‭ ‬العاديين‭ ‬بنمط‭ ‬مألوف‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بمنطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬–فهم‭ ‬يصورون‭ ‬على‭ ‬أنهم‭ ‬منعزلون،‭ ‬وغير‭ ‬مطلعين،‭ ‬ومنغلقون‭ ‬على‭ ‬أنفسهم،‭ ‬وسطحيون‭ ‬سياسياً‭- ‬وأنهم‭ ‬مجتمع‭ ‬‮«‬مستهلك‭ ‬للوقود‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يدركون‭ ‬الحقائق‭ ‬العالمية‭ ‬خارج‭ ‬نطاق‭ ‬جغرافيتهم‭ ‬المباشرة‭.‬

لم‭ ‬ينشأ‭ ‬هذا‭ ‬التصور‭ ‬من‭ ‬فراغ،‭ ‬بل‭ ‬تم‭ ‬ترسيخه،‭ ‬بل‭ ‬وتعزيزه،‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المؤسسات‭ ‬السياسية‭ ‬والإعلامية‭ ‬الأمريكية‭. ‬فقد‭ ‬ادعى‭ ‬السياسيون‭ ‬أنهم‭ ‬يتحدثون‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬الشعب‭ ‬الأمريكي‮»‬،‭ ‬بينما‭ ‬شكلت‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الرئيسية‭ ‬ما‭ ‬يعرفه‭ ‬هؤلاء‭ ‬الناس،‭ ‬والأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬ما‭ ‬يجهلونه‭.‬

ومنذ‭ ‬عقود‭ ‬طويلة،‭ ‬انحاز‭ ‬الأمريكيون‭ ‬بأغلبية‭ ‬ساحقة‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إسرائيل‭ ‬وتجندوا‭ ‬للدفاع‭ ‬عنها‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬مجرد‭ ‬موقف‭ ‬أيديولوجي،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬نتاج‭ ‬عملية‭ ‬توجيه‭. ‬فقد‭ ‬قيل‭ ‬للجمهور‭ ‬مراراً‭ ‬وتكراراً‭ ‬إن‭ ‬إسرائيل‭ ‬تعكس‭ ‬ما‭ ‬يُسمى‭ ‬بالقيم‭ ‬الأمريكية،‭ ‬كالديمقراطية‭ ‬والتحضر‭ ‬والحداثة‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬صُوِّر‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬والعرب‭ ‬على‭ ‬أنهم‭ ‬خصوم‭ ‬دائمون،‭ ‬ودعاة‭ ‬عنف،‭ ‬وأنهم‭ ‬عقبة‭ ‬أمام‭ ‬السلام‭.‬

تبنى‭ ‬بعض‭ ‬الأمريكيين‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬لأسباب‭ ‬دينية‭ ‬أو‭ ‬أيديولوجية،‭ ‬لكن‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الأغلبية،‭ ‬أصبح‭ ‬الموقف‭ ‬المؤيد‭ ‬لإسرائيل‭ ‬هو‭ ‬الخيار‭ ‬التلقائي‭ - ‬استنتاج‭ ‬متوارث‭ ‬نابع‭ ‬من‭ ‬محدودية‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬معلومات‭ ‬بديلة‭. ‬كانت‭ ‬إسرائيل‭ ‬‮«‬جيدة‮»‬،‭ ‬والعرب‭ ‬‮«‬سيئين‮»‬‭. ‬كانت‭ ‬الرواية‭ ‬بسيطة،‭ ‬ثنائية،‭ ‬ونادراً‭ ‬ما‭ ‬تُناقش‭.‬

ومع‭ ‬اعتماد‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الرئيسية‭ ‬كمصدر‭ ‬أساسي‭ ‬للمعلومات،‭ ‬ترسخ‭ ‬هذا‭ ‬التصور‭ ‬بمرور‭ ‬الوقت،‭ ‬وظل‭ ‬الدعم‭ ‬لفلسطين،‭ ‬وللقضايا‭ ‬العربية‭ ‬الأوسع‭ ‬نطاقاً،‭ ‬محصوراً‭ ‬في‭ ‬الأوساط‭ ‬الأكاديمية‭ ‬ودوائر‭ ‬النشطاء‭ - ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬أطر‭ ‬مناهضة‭ ‬للاستعمار‭ ‬والإمبريالية،‭ ‬ولكنه‭ ‬كان‭ ‬هامشياً‭ ‬عددياً‭ ‬ومحدوداً‭ ‬سياسياً‭.‬

ظل‭ ‬هذا‭ ‬التيار‭ ‬السائد‭ ‬حبيساً‭ ‬في‭ ‬مكانه‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬القيد‭ ‬قد‭ ‬بدأ‭ ‬ينكسر‭.‬

لم‭ ‬يحدث‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬بين‭ ‬عشية‭ ‬وضحاها‭. ‬فبين‭ ‬صفوف‭ ‬الديمقراطيين،‭ ‬بدأت‭ ‬تظهر‭ ‬بوادر‭ ‬انقسام‭ ‬منذ‭ ‬منتصف‭ ‬العقد‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬الألفية‭ ‬الثانية‭. ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬2016،‭ ‬أظهرت‭ ‬بيانات‭ ‬مؤسسة‭ ‬غالوب‭ ‬أن‭ ‬الديمقراطيين‭ ‬ما‭ ‬زالوا‭ ‬يتعاطفون‭ ‬مع‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يتعاطفون‭ ‬مع‭ ‬الفلسطينيين‭.‬

وبحلول‭ ‬عام‭ ‬2018،‭ ‬تقلصت‭ ‬تلك‭ ‬الفجوة‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ،‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬سنة‭ ‬2021،‭ ‬حين‭ ‬اقتربت‭ ‬المساواة‭ ‬من‭ ‬التحقق‭. ‬وبحلول‭ ‬عامي‭ ‬2024‭-‬2025،‭ ‬أعربت‭ ‬أغلبية‭ ‬الديمقراطيين‭ -‬وخاصة‭ ‬الناخبين‭ ‬الشباب‭- ‬عن‭ ‬تعاطفهم‭ ‬مع‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬حيث‭ ‬أظهرت‭ ‬بعض‭ ‬استطلاعات‭ ‬الرأي‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬التأييد‭ ‬تجاوزت‭ ‬50‭%‬‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬هم‭ ‬دون‭ ‬سن‭ ‬35‭ ‬عامًا‭.‬

كان‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬مدفوعاً‭ ‬جزئياً‭ ‬بالنشاط‭ ‬الشعبي،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬داخل‭ ‬الأوساط‭ ‬التقدمية،‭ ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬فلسطين‭ ‬قضية‭ ‬أخلاقية‭ ‬وسياسية‭ ‬مركزية،‭ ‬ولكنه‭ ‬كان‭ ‬مدفوعاً‭ ‬أيضاً‭ ‬بشيء‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭ ‬بكثير‭: ‬انهيار‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬السردية‭ ‬التاريخية‭ ‬للصراع‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭. ‬

أدت‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬إلى‭ ‬تسريع‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬بشكل‭ ‬كبير،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بسبب‭ ‬حجم‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬المحاصر،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬حقائق‭ ‬الحرب،‭ ‬ولأول‭ ‬مرة،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تُنقل‭ ‬عبر‭ ‬قنوات‭ ‬الإعلام‭ ‬التقليدية‭ ‬فقط‭. ‬فقد‭ ‬زعزعت‭ ‬الصحافة‭ ‬المستقلة‭ ‬ووسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والأدلة‭ ‬المرئية‭ ‬المباشرة‭ ‬عقودًا‭ ‬من‭ ‬الروايات‭ ‬المُنمّقة،‭ ‬وبدأ‭ ‬التوازن‭ ‬المعلوماتي‭ -‬الذي‭ ‬كان‭ ‬مختلًا‭ ‬فترة‭ ‬طويلة‭- ‬بالاختلال‭.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬وصل‭ ‬مستوى‭ ‬ثقة‭ ‬الأمريكيين‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الرئيسية‭ ‬إلى‭ ‬أدنى‭ ‬مستوياته‭ ‬تاريخياً‭. ‬فبحسب‭ ‬استطلاع‭ ‬رأي‭ ‬أجرته‭ ‬مؤسسة‭ ‬غالوب‭ ‬عام‭ ‬2025،‭ ‬أعرب‭ ‬نحو‭ ‬31‭%‬‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬الأمريكيين‭ ‬عن‭ ‬ثقتهم‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬على‭ ‬نقل‭ ‬الأخبار‭ ‬‮«‬بشكل‭ ‬كامل‭ ‬ودقيق‭ ‬وعادل‮»‬،‭ ‬وكانت‭ ‬نسبة‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬الشباب‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬ذلك‭.‬

وحتى‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬التحول‭ ‬ظل‭ ‬محصوراً‭ ‬سياسياً‭: ‬الديمقراطيون‭ ‬يتجهون‭ ‬نحو‭ ‬فلسطين،‭ ‬بينما‭ ‬ظل‭ ‬الجمهوريون‭ ‬متحالفين‭ ‬بقوة‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل،‭ ‬ولكن‭ ‬حدث‭ ‬انقسام‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭.‬

في‭ ‬يوم‭ ‬27‭ ‬فبراير2026،‭ ‬نشرت‭ ‬مؤسسة‭ ‬غالوب‭ ‬استطلاعًا‭ ‬للرأي‭ ‬أظهر‭ ‬أنه‭ ‬ولأول‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬استطلاعات‭ ‬الرأي‭ ‬الحديثة،‭ ‬تعاطف‭ ‬عدد‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الأمريكيين‭ ‬مع‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬مقارنة‭ ‬بالإسرائيليين‭ - ‬بنسبة‭ ‬41‭%‬‭ ‬مقابل‭ ‬36‭%‬‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ذلك‭ ‬مجرد‭ ‬تقلب‭ ‬طفيف،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬تحولًا‭ ‬جذريًّا‭.‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬حدثاً‭ ‬جللاً‭ ‬بالغ‭ ‬الأهمية،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تُعامل‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو‭. ‬فقد‭ ‬تجاهلت‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الرئيسية‭ ‬القصة‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭. ‬وفي‭ ‬غضون‭ ‬أيام،‭ ‬تحول‭ ‬النقاش‭ ‬السياسي‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬جديدة‭: ‬الحرب‭ ‬مع‭ ‬إيران‭.‬

وخلال‭ ‬الأسابيع‭ ‬اللاحقة،‭ ‬تحوّل‭ ‬اهتمام‭ ‬استطلاعات‭ ‬الرأي‭ ‬سريعاً‭ ‬إلى‭ ‬مواقف‭ ‬الأمريكيين‭ ‬تجاه‭ ‬التصعيد‭ ‬العسكري‭. ‬ففي‭ ‬استطلاعات‭ ‬متعددة،‭ ‬كانت‭ ‬النتيجة‭ ‬متسقة‭ ‬حيث‭ ‬عبر‭ ‬الأمريكيون‭ ‬عن‭ ‬رفضهم‭ ‬للحرب،‭ ‬بل‭ ‬ورفض‭ ‬عدد‭ ‬أكبر‭ ‬منهم‭ ‬فكرة‭ ‬التورط‭ ‬العسكري‭ ‬المطوّل‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬رفضت‭ ‬التعليقات‭ ‬السائدة‭ ‬عمومًا‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الأحداث‭. ‬فقد‭ ‬عُوملت‭ ‬فلسطين‭ ‬كقضية،‭ ‬وإيران‭ ‬كقضية‭ ‬أخرى‭. ‬أما‭ ‬فنزويلا‭ ‬والتدخلات‭ ‬العسكرية‭ ‬والعسكرة‭ ‬العالمية،‭ ‬فقد‭ ‬عُوملت‭ ‬كظواهر‭ ‬منفصلة‭ ‬وغير‭ ‬مترابطة‭. ‬وتم‭ ‬تحليل‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬سياقها‭ ‬السياسي‭ ‬والأخلاقي‭ ‬الأوسع‭.‬

وبدلاً‭ ‬من‭ ‬إدراك‭ ‬وجود‭ ‬نمط‭ ‬معين،‭ ‬قام‭ ‬المعلقون‭ ‬بتجزئة‭ ‬الأدلة،‭ ‬وتم‭ ‬تصوير‭ ‬معارضة‭ ‬الصراع‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬تنم‭ ‬عن‭ ‬إرهاق‭ ‬من‭ ‬الحرب،‭ ‬أو‭ ‬قلق‭ ‬اقتصادي،‭ ‬أو‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬مقاومة‭ ‬حزبية‭ ‬للرئيس‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭.‬

انصبّ‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬الوقود،‭ ‬والحسابات‭ ‬الانتخابية،‭ ‬والاستقطاب‭ ‬السياسي،‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬احتمال‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الأمريكيون‭ ‬قد‭ ‬أصدروا‭ ‬أحكامًا‭ ‬أخلاقية‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬روايات‭ ‬النخب‭. ‬لكن‭ ‬النمط‭ ‬واضح،‭ ‬ولا‭ ‬لبس‭ ‬فيه‭.‬

صحيح‭ ‬أن‭ ‬الأمريكيين‭ ‬ما‭ ‬زالوا‭ ‬يتلقون‭ ‬المعلومات‭ ‬التي‭ ‬تهمهم‭ - ‬إسرائيل،‭ ‬إيران،‭ ‬أمن‭ ‬الطاقة،‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬إلخ،‭ ‬وصحيح‭ ‬أن‭ ‬ذات‭ ‬الأجندة‭ ‬المألوفة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬قائمة‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير،‭ ‬لكن‭ ‬الاستنتاجات‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تُستنتج‭ ‬تلقائيًا‭. ‬فقد‭ ‬انقطعت‭ ‬الصلة‭ ‬بين‭ ‬الادراك‭ ‬والموافقة‭.‬

هذا‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬تحول‭ ‬سياسي،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬تحول‭ ‬معرفي‭ ‬وأخلاقي‭. ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬المخاوف‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والانتماءات‭ ‬الحزبية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تشكل‭ ‬الرأي‭ ‬العام،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬الحال‭ ‬دائماً،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تحدده‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭.‬

يتزايد‭ ‬لجوء‭ ‬الأمريكيين‭ ‬إلى‭ ‬تقييم‭ ‬الأحداث‭ ‬العالمية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬منظور‭ ‬أخلاقي‭ - ‬منظور‭ ‬يعطي‭ ‬الأولوية‭ ‬لتقليل‭ ‬معاناة‭ ‬المدنيين،‭ ‬ويشكك‭ ‬في‭ ‬اختلالات‭ ‬القوى،‭ ‬ويتحدى‭ ‬شرعية‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬نهاية‭ ‬لها‭.‬

هذا‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬تكهنات،‭ ‬بل‭ ‬تؤكده‭ ‬البيانات،‭ ‬ويتضح‭ ‬ذلك‭ ‬جلياً‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬فلسطين،‭ ‬التي‭ ‬برزت‭ ‬كبوصلة‭ ‬أخلاقية‭ ‬أسست‭ ‬لتحول‭ ‬أوسع‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬العام‭ ‬الأمريكي‭.‬

إن‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬التعاطف‭ ‬مع‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬ليس‭ ‬حالة‭ ‬شاذة‭ ‬معزولة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬مؤشر‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬نظر‭ ‬أعمق‭ ‬في‭ ‬مفاهيم‭ ‬السلطة‭ ‬والعدالة‭ ‬والمقاومة،‭ ‬ومن‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬غير‭ ‬قابل‭ ‬للتراجع‭.‬

ستستمر‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الرئيسية‭ ‬بلا‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬جدول‭ ‬الأعمال‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬المنظور،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬فقدت‭ ‬شيئًا‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭ ‬بكثير،‭ ‬ألا‭ ‬وهي‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬إجماع‭ ‬واسع‭ ‬النطاق‭.‬

وربما،‭ ‬ولأول‭ ‬مرة‭ ‬منذ‭ ‬أجيال،‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬سببا‭ ‬للشعور‭ ‬بالتفاؤل‭ ‬الحذر‭ -‬ولكنه‭ ‬لا‭ ‬لبس‭ ‬فيه‭- ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬الأمريكيين‭ ‬العاديين‭ ‬لم‭ ‬يعودوا‭ ‬متلقين‭ ‬سلبيين‭ ‬للسلطة،‭ ‬بل‭ ‬مشاركين‭ ‬فاعلين‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬واقع‭ ‬سياسي‭ ‬أكثر‭ ‬وعيا‭ ‬أخلاقيا‭.‬

 

{ أكاديمي‭ ‬وكاتب‭ ‬فلسطيني

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا