لطالما اتسمت النظرة إلى الأمريكيين العاديين بنمط مألوف فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط –فهم يصورون على أنهم منعزلون، وغير مطلعين، ومنغلقون على أنفسهم، وسطحيون سياسياً- وأنهم مجتمع «مستهلك للوقود» لا يدركون الحقائق العالمية خارج نطاق جغرافيتهم المباشرة.
لم ينشأ هذا التصور من فراغ، بل تم ترسيخه، بل وتعزيزه، من قبل المؤسسات السياسية والإعلامية الأمريكية. فقد ادعى السياسيون أنهم يتحدثون باسم «الشعب الأمريكي»، بينما شكلت وسائل الإعلام الرئيسية ما يعرفه هؤلاء الناس، والأهم من ذلك، ما يجهلونه.
ومنذ عقود طويلة، انحاز الأمريكيون بأغلبية ساحقة إلى جانب إسرائيل وتجندوا للدفاع عنها. لم يكن هذا مجرد موقف أيديولوجي، بل كان نتاج عملية توجيه. فقد قيل للجمهور مراراً وتكراراً إن إسرائيل تعكس ما يُسمى بالقيم الأمريكية، كالديمقراطية والتحضر والحداثة. وفي المقابل، صُوِّر الفلسطينيون والعرب على أنهم خصوم دائمون، ودعاة عنف، وأنهم عقبة أمام السلام.
تبنى بعض الأمريكيين هذا الطرح لأسباب دينية أو أيديولوجية، لكن بالنسبة إلى الأغلبية، أصبح الموقف المؤيد لإسرائيل هو الخيار التلقائي - استنتاج متوارث نابع من محدودية الوصول إلى معلومات بديلة. كانت إسرائيل «جيدة»، والعرب «سيئين». كانت الرواية بسيطة، ثنائية، ونادراً ما تُناقش.
ومع اعتماد وسائل الإعلام الرئيسية كمصدر أساسي للمعلومات، ترسخ هذا التصور بمرور الوقت، وظل الدعم لفلسطين، وللقضايا العربية الأوسع نطاقاً، محصوراً في الأوساط الأكاديمية ودوائر النشطاء - وغالباً ما كان يستند إلى أطر مناهضة للاستعمار والإمبريالية، ولكنه كان هامشياً عددياً ومحدوداً سياسياً.
ظل هذا التيار السائد حبيساً في مكانه في الولايات المتحدة الأمريكية، لكن هذا القيد قد بدأ ينكسر.
لم يحدث هذا التحول بين عشية وضحاها. فبين صفوف الديمقراطيين، بدأت تظهر بوادر انقسام منذ منتصف العقد الأول من الألفية الثانية. وفي عام 2016، أظهرت بيانات مؤسسة غالوب أن الديمقراطيين ما زالوا يتعاطفون مع الإسرائيليين أكثر مما يتعاطفون مع الفلسطينيين.
وبحلول عام 2018، تقلصت تلك الفجوة بشكل ملحوظ، وصولا إلى سنة 2021، حين اقتربت المساواة من التحقق. وبحلول عامي 2024-2025، أعربت أغلبية الديمقراطيين -وخاصة الناخبين الشباب- عن تعاطفهم مع الفلسطينيين، حيث أظهرت بعض استطلاعات الرأي أن نسبة التأييد تجاوزت 50% بين من هم دون سن 35 عامًا.
كان هذا التحول مدفوعاً جزئياً بالنشاط الشعبي، لا سيما داخل الأوساط التقدمية، حيث أصبحت فلسطين قضية أخلاقية وسياسية مركزية، ولكنه كان مدفوعاً أيضاً بشيء أكثر أهمية بكثير: انهيار السيطرة على السردية التاريخية للصراع في الشرق الأوسط.
أدت الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة إلى تسريع هذا التحول بشكل كبير، ليس فقط بسبب حجم العنف في القطاع المحاصر، بل لأن حقائق الحرب، ولأول مرة، لم تعد تُنقل عبر قنوات الإعلام التقليدية فقط. فقد زعزعت الصحافة المستقلة ووسائل التواصل الاجتماعي والأدلة المرئية المباشرة عقودًا من الروايات المُنمّقة، وبدأ التوازن المعلوماتي -الذي كان مختلًا فترة طويلة- بالاختلال.
وفي الوقت نفسه، وصل مستوى ثقة الأمريكيين في وسائل الإعلام الرئيسية إلى أدنى مستوياته تاريخياً. فبحسب استطلاع رأي أجرته مؤسسة غالوب عام 2025، أعرب نحو 31% فقط من الأمريكيين عن ثقتهم في قدرة وسائل الإعلام على نقل الأخبار «بشكل كامل ودقيق وعادل»، وكانت نسبة الثقة بين الشباب أقل من ذلك.
وحتى هذه اللحظة، كان من الممكن القول إن التحول ظل محصوراً سياسياً: الديمقراطيون يتجهون نحو فلسطين، بينما ظل الجمهوريون متحالفين بقوة مع إسرائيل، ولكن حدث انقسام بعد ذلك.
في يوم 27 فبراير2026، نشرت مؤسسة غالوب استطلاعًا للرأي أظهر أنه ولأول مرة في تاريخ استطلاعات الرأي الحديثة، تعاطف عدد أكبر من الأمريكيين مع الفلسطينيين مقارنة بالإسرائيليين - بنسبة 41% مقابل 36%. لم يكن ذلك مجرد تقلب طفيف، بل كان تحولًا جذريًّا.
لقد كان من المفترض أن تكون تلك اللحظة حدثاً جللاً بالغ الأهمية، لكنها لم تُعامل على هذا النحو. فقد تجاهلت وسائل الإعلام الرئيسية القصة إلى حد كبير. وفي غضون أيام، تحول النقاش السياسي إلى أزمة جديدة: الحرب مع إيران.
وخلال الأسابيع اللاحقة، تحوّل اهتمام استطلاعات الرأي سريعاً إلى مواقف الأمريكيين تجاه التصعيد العسكري. ففي استطلاعات متعددة، كانت النتيجة متسقة حيث عبر الأمريكيون عن رفضهم للحرب، بل ورفض عدد أكبر منهم فكرة التورط العسكري المطوّل.
ومع ذلك، رفضت التعليقات السائدة عمومًا الربط بين هذه الأحداث. فقد عُوملت فلسطين كقضية، وإيران كقضية أخرى. أما فنزويلا والتدخلات العسكرية والعسكرة العالمية، فقد عُوملت كظواهر منفصلة وغير مترابطة. وتم تحليل كل منها بمعزل عن سياقها السياسي والأخلاقي الأوسع.
وبدلاً من إدراك وجود نمط معين، قام المعلقون بتجزئة الأدلة، وتم تصوير معارضة الصراع على أنها تنم عن إرهاق من الحرب، أو قلق اقتصادي، أو تعبير عن مقاومة حزبية للرئيس دونالد ترامب.
انصبّ التركيز على أسعار الوقود، والحسابات الانتخابية، والاستقطاب السياسي، لا على احتمال أن يكون الأمريكيون قد أصدروا أحكامًا أخلاقية بمعزل عن روايات النخب. لكن النمط واضح، ولا لبس فيه.
صحيح أن الأمريكيين ما زالوا يتلقون المعلومات التي تهمهم - إسرائيل، إيران، أمن الطاقة، مضيق هرمز، إلخ، وصحيح أن ذات الأجندة المألوفة لا تزال قائمة إلى حد كبير، لكن الاستنتاجات لم تعد تُستنتج تلقائيًا. فقد انقطعت الصلة بين الادراك والموافقة.
هذا ليس مجرد تحول سياسي، بل هو تحول معرفي وأخلاقي. صحيح أن المخاوف الاقتصادية والانتماءات الحزبية لا تزال تشكل الرأي العام، كما كان الحال دائماً، لكنها لم تعد تحدده بشكل كامل.
يتزايد لجوء الأمريكيين إلى تقييم الأحداث العالمية من خلال منظور أخلاقي - منظور يعطي الأولوية لتقليل معاناة المدنيين، ويشكك في اختلالات القوى، ويتحدى شرعية الحرب التي لا نهاية لها.
هذا ليس مجرد تكهنات، بل تؤكده البيانات، ويتضح ذلك جلياً في حالة فلسطين، التي برزت كبوصلة أخلاقية أسست لتحول أوسع في الوعي العام الأمريكي.
إن التحول في التعاطف مع الفلسطينيين ليس حالة شاذة معزولة، بل هو مؤشر على إعادة نظر أعمق في مفاهيم السلطة والعدالة والمقاومة، ومن المرجح أن يكون هذا التحول غير قابل للتراجع.
ستستمر وسائل الإعلام الرئيسية بلا شك في تحديد جدول الأعمال في المستقبل المنظور، لكنها في الحقيقة فقدت شيئًا أكثر أهمية بكثير، ألا وهي قدرتها على بناء إجماع واسع النطاق.
وربما، ولأول مرة منذ أجيال، يكون هذا التحول سببا للشعور بالتفاؤل الحذر -ولكنه لا لبس فيه- وهو أن الأمريكيين العاديين لم يعودوا متلقين سلبيين للسلطة، بل مشاركين فاعلين في تشكيل واقع سياسي أكثر وعيا أخلاقيا.
{ أكاديمي وكاتب فلسطيني

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك