على مدار تاريخ أمريكا الممتد 250 عامًا، غلّف التوتر والاضطراب العلاقة بين رؤساء أمريكا وقادة الكرسي الرسولي في الفاتيكان، إلا أنها لم تكن أبدًا صريحة أو شخصية بالصورة التي يشهدها العالم حاليًا بين الرئيس دونالد ترامب وبابا الفاتيكان ليو الرابع عشر.
ورغم تفاؤل الكثيرين بوصول رجل دين أمريكي إلى الكرسي الرسولي لقيادة الكنيسة الكاثوليكية للمرة الأولى في التاريخ، أصبح من الواضح أن الرجلين لا يطيق أحدهما الآخر، ويجمع بينهما الكثير من المتناقضات التي تعود إلى جذورهما الاجتماعية والأخلاقية المتناقضة.
ولم يكن من بين 47 رئيسًا وصلوا إلى سدة الحكم في البيت الأبيض إلا رئيسان كاثوليكيان، هما جون كينيدي وجو بايدن. ويرجع ذلك إلى طغيان البروتستانت على الحياة السياسية الأمريكية، ورغم تأسيس أمريكا كدولة علمانية، فإن هويتها الدينية كانت بوضوح بروتستانتية. ولا تزيد اليوم نسبة الكاثوليك بين الأمريكيين على 20%، أو ما يقرب من 70 مليون شخص. ومع ذلك، احتفى كثير من الأمريكيين بوصول أول أمريكي إلى منصب بابا الفاتيكان، إذ لم يسبق وصول أي أمريكي إلى هذا المنصب الروحي المهم.
وعندما انتُخب البابا ليو للبابوية في فبراير 2025 وصف ترامب ذلك بأنه «شرف كبير لبلدنا»، في حين قالت المتحدثة باسمه كارولين ليفيت، وهي كاثوليكية متدينة، إن الرئيس ترامب «فخور جدًا بوجود بابا أمريكي، وأن ذلك أمر عظيم للولايات المتحدة والعالم».
جدير بالذكر أنه في انتخابات 2024 حصل ترامب على أصوات ما يقرب من 55% من الناخبين الكاثوليك، وذلك بسبب السياسات الاجتماعية المحافظة للجمهوريين، وخاصة ما يتعلق بقضيتي الإجهاض ومعضلة الهويات الجنسية، وهو ما يناسب الكاثوليك المتدينين.
عُرف عن البابا ليو انتقاد سياسات ترامب المتشددة المتعلقة بالمهاجرين، إذ كتب عام 2018 قبل وصوله إلى المنصب: «لا يوجد شيء مسيحي، أو أمريكي، أو منطقي، أو أخلاقي، في سياسة تأخذ الأطفال بعيدًا عن آبائهم وتخزنهم في أقفاص». ويعتبر أنصار ترامب أن البابا الجديد ليبرالي يقف إلى جانب القضايا اليسارية.
إلا أن بداية خروج الخلاف إلى العلن جاءت في صيف 2025، عندما شنت واشنطن وتل أبيب ضربات عسكرية ضد إيران تحت ذريعة تدمير برنامجها النووي. أدان البابا ليو الضربات بقوة، ودعا إلى وقف إطلاق النار وإلى الحوار، وحذّر مما وصفه بـ«وهم القدرة المطلقة». ولم يذكر البابا ترامب بالاسم، إلا أن انتقاداته كانت مفهومة على نطاق واسع على أنها موجهة مباشرة إلى الرئيس ترامب.
وأصبحت المواجهة علنية بالكامل هذا الشهر، عندما هاجم الرئيس ترامب البابا ليو في تغريدة على موقع «تروث سوشال»، واصفًا البابا بأنه «ضعيف ضد الجريمة، وسيئ جدًا للسياسة الخارجية»، وأضاف: «لا أريد بابا يعتقد أنه من المقبول أن تمتلك إيران سلاحًا نوويًا، لا أريد بابا يعتقد أن هجوم أمريكا على فنزويلا كان أمرًا فظيعًا».
وأنهى ترامب تغريدته بالقول: «يجب أن يكون البابا ليو ممتنًا لأنه، كما يعلم الجميع، لم يكن على أي قائمة ليكون بابا، ووضعته الكنيسة فقط لأنه أمريكي، واعتقدوا أن هذه ستكون أفضل طريقة للتعامل مع الرئيس دونالد ترامب. لو لم أكن في البيت الأبيض لما كان ليو في الفاتيكان». ثم نشر ترامب صورة لنفسه يشفي رجلًا مريضًا مثل المسيح، وكان ذلك القشة التي قصمت ظهر البعير.
جاء رد البابا ليو حادًا، وقال للصحفيين: «لا أخاف من إدارة ترامب، ولا من التحدث بصوت عالٍ عن رسالة الإنجيل، وهو ما أعتقد أنني هنا من أجله»، وأضاف: «نحن لسنا سياسيين، ولا نتعامل مع السياسة الخارجية بنفس المنظور الذي قد يفهمه هو، لكنني أؤمن برسالة الإنجيل كصانع سلام».
إذا كان ترامب نفسه غير مبالٍ بتفاصيل التعليم الكاثوليكي فإن الكثيرين في إدارته يهتمون بها، أو على الأقل يحرصون على أن يُنظر إليهم كمدافعين عن الإيمان المسيحي الكاثوليكي. ومع رد الأساقفة الأمريكيين الكاثوليك على تهكم ترامب بالإدانة والاستياء تعقّد موقف أهم مسؤولين في إدارة ترامب، نائبه جي دي فانس، ووزير خارجيته ماركو روبيو، وكلاهما كاثوليكيان، ولهما طموحات رئاسية لا يخفونها.
وعكس نزاع البيت الأبيض والفاتيكان خلافات حقيقية وعميقة فيما يتعلق بالحروب وبالهجرة. وينتقد الفاتيكان دومًا اندلاع الحروب، ويقف مطالبًا بالسلام، ومهاجمًا من يشن الحروب على أسس دينية، وهذا ما قام به البابا ليو. في حين يدعم الفاتيكان الهجرة والمهاجرين، ويتعارض ذلك بصفة عامة مع التشدد في سياسات الهجرة التي يتبناها الرئيس ترامب.
من هنا يؤكد البابا ليو أن «الاعتقاد الكاثوليكي بأن كل مسيحي سيُحاكم في النهاية سيكون بناءً على كيفية استقباله للغرباء (المهاجرين)».
من سخرية التاريخ وضع رئيس وبابا أَمْرِيكِيَّيْنِ في مواجهة مباشرة تعكس التناقض بين التعاليم الدينية الداعية إلى الترحيب بالمهاجرين والغرباء وصنع السلام من جانب، وما تراه السلطة السياسية من ضرورات لمطالب المصلحة الوطنية والسلطة السيادية للدول.
وفي الوقت الذي يمثل فيه بابا الفاتيكان سلطة دينية روحية لأكثر من مليار ونصف المليار كاثوليكي حول العالم، يجسد الرئيس ترامب كل ما هو مادي في العالم. ويرى بعض المراقبين أن توجهات بابا الفاتيكان أصبحت تقترب من سياسات مناهضة الرأسمالية ودعم الاستقلال الوطني لدول الجنوب العالمي بسبب إقامته الطويلة في دولها، في حين تتضمن رؤية ترامب استعادة هيمنة واشنطن على نصف الكرة الغربي.
وتعد أمريكا اللاتينية القارة التي تضم أكبر عدد من السكان الكاثوليك، بينما يأتي الجزء الأكبر من تمويل الكنيسة من دول أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية.
ويتخطى نزاع ترامب وليو شخصنة الخلافات، إذ يمثل كل منهما مدرسة وفكرًا وخلفية مناقضة للآخر.
وُلد البابا ليو عام 1955 لعائلة فقيرة في الجانب الجنوبي من مدينة شيكاغو، وهي منطقة تحتضن الكثير من الأقليات غير البيضاء، في حين وُلد ترامب عام 1946 في نيويورك لعائلة من أصحاب المليارات. وفي الوقت الذي عاش فيه ليو في بيرو بأمريكا الجنوبية بين فقرائها وكنائسها قسًا روحيًا، كان ترامب يشق طريقه في حياة مانهاتن الصاخبة بقلب نيويورك، بعدما فتحت ملايين عائلته أمامه أبواب الشهرة والنجاح والسلطة على مصراعيها.
{ كاتب صحفي مقيم في واشنطن.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك