كل ما هو مفاجئ يُعد بطبيعته تحديًّا؛ فرغم المؤشرات التي سبقت الأزمة الحالية، فإن وقعها كان صادمًا للمجتمعات التي عايشتها ولا تزال تعيش تداعياتها، منها مملكة البحرين. وتشكل حالات التهديد المفاجئ سواء كانت كوارث طبيعية أم تهديدات أمنية -كما هو الحال في الوقت الراهن- لحظات اختبار حقيقية لبُنى المجتمعات وطبيعة تفاعل واستجابة الأفراد داخلها؛ ففي مثل هذه الأزمات تسود في البداية حالة من التوتر والقلق بين أفراد المجتمع قبل استيعاب الموقف الجديد والتعامل معه بثبات وتماسك.
إلا أن نتيجة الشعور بالقلق ليست حتمية؛ إذ يمكن لهذه الحالة -في سياقات معينة- أن تتحول من عامل توتر إلى قوة دافعة نحو التماسك الاجتماعي. ولتفسير هذا التحول يبرز مفهوم الضمير الجمعي لدى عالم الاجتماع إميل دوركايم، الذي يشير إلى منظومة القيم والمعتقدات والتصورات المشتركة بين أفراد المجتمع التي تشكل الإطار الناظم لسلوكهم، فهذا الضمير يمثل مخزونًا غير مكتوب من المبادئ التي يدركها جميع أفراد المجتمع ويُعد الخروج عنها انتهاكًا للنظام الاجتماعي، ما يستدعي أشكالاً من الضبط سواء كانت رسمية أو اجتماعية.
وينبثق عن هذا الضمير الجمعي ما وصفه إيميل دوركايم بالتضامن الاجتماعي، إذ إنه ترجمة عملية لالتزام الأفراد بهذه القيم المشتركة، ففي أوقات التهديد يشتد حضور هذا الضمير فتتقارب التصورات حول الخطر، ويتحول الوعي الفردي إلى وعي جمعي، ما يوجه سلوك الأفراد نحو الحفاظ على الاستقرار. وبناءً على ذلك، يميل الأفراد إلى الالتفاف حول مركز القوة في المجتمع، أي القيادة باعتبارها الضامن للنظام والاستمرارية.
وقد تجلى هذا التفسير بوضوح في مملكة البحرين خلال الفترة الأخيرة، حيث لم يتجه المجتمع البحريني نحو القلق رغم حدة التحديات، بل برزت مظاهر واضحة من التماسك الاجتماعي والتكاتف والالتفاف حول القيادة، ما يعكس قوة الضمير الجمعي الذي أعاد توجيه مشاعر القلق نحو التضامن والتآزر والتكاتف.
وتعود هذه النتيجة إلى طبيعة البنية الاجتماعية السابقة للأزمة، إذ تتمتع مملكة البحرين بدرجة ملحوظة من الاستقرار والعدالة الاجتماعية، إلى جانب روابط مجتمعية متينة بين مختلف مكونات المجتمع، ما عزز مستويات الثقة بين الأفراد والمؤسسات.
وقد تُرجم ذلك في عدة مظاهر عملية من أبرزها الالتزام الواسع بالتوجيهات الرسمية، سواء فيما يتعلق باتباع الإرشادات العامة أو ضبط تداول المعلومات، بما يعكس وعيًا مجتمعيًا عاليًا ومسؤولية جماعية في الحفاظ على الاستقرار.
كما يعكس الإقبال الواسع على التسجيل في العمل التطوعي عبر المنصة الوطنية -التي أُطلقت كإجراء احترازي- وجود إدراك جمعي بأن مواجهة الأزمات لا تقتصر على الدولة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تتكامل فيها أدوار المجتمع مع مؤسساته. وبذلك تُظهر هذه السلوكيات أن التماسك ليس مجرد خطاب بل ممارسة فعلية نابعة من منظومة قيم راسخة.
وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري للقيادة في تعزيز هذا التماسك الاجتماعي، حيث شكلت توجيهات حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه ركيزة أساسية في ترسيخ خطاب الوحدة والاستقرار.
كما تعزز هذا المسار بالجهود التي يبذلها صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس الوزراء حفظه الله، في إرساء دعائم المنظومة القانونية والإدارية. وجاءت مضامين كلمة صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة قرينة جلالة ملك البلاد المعظم رئيسة المجلس الأعلى للمرأة حفظها الله، لتؤكد أهمية التكاتف المجتمعي، ولا سيما في تأكيد دور المرأة البحرينية في تعزيز قيم التضامن في أوقات الأزمات. وتشكل هذه الجهود مجتمعة دليلاً على الدور المحوري الذي تضطلع به القيادة البحرينية في ترسيخ التماسك الاجتماعي.
وفي المحصلة، تكشف الأزمات -مهما بلغت حدتها- عن الطبيعة العميقة للمجتمعات؛ ففي الوقت الذي يفترض أن يقود الشعور بالقلق إلى حالة من الارتباك او التوتر تُظهر بعض المجتمعات قدرة لافتة على تحويله إلى قوة دافعة نحو التماسك والتضامن، ولا يمكن اعتبار ما شهدته مملكة البحرين استجابة ظرفية عابرة، بل هو امتداد لبنية اجتماعية قائمة على التماسك والثقة، حيث تُقاس قوة المجتمعات بقدرتها على إدارة الأزمات وتحويلها إلى فرصة تزيد من حدتها.
{ باحثة في دراسات المرأة.
mayalsyoof@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك