العدد : ١٧٥٦٥ - الأحد ٢٦ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٦٥ - الأحد ٢٦ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

دور الضمير الجمعي في المجتمع البحريني

بقلم: مي خالد السيوف

السبت ٢٥ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

كل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مفاجئ‭ ‬يُعد‭ ‬بطبيعته‭ ‬تحديًّا؛‭ ‬فرغم‭ ‬المؤشرات‭ ‬التي‭ ‬سبقت‭ ‬الأزمة‭ ‬الحالية،‭ ‬فإن‭ ‬وقعها‭ ‬كان‭ ‬صادمًا‭ ‬للمجتمعات‭ ‬التي‭ ‬عايشتها‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬تعيش‭ ‬تداعياتها،‭ ‬منها‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭. ‬وتشكل‭ ‬حالات‭ ‬التهديد‭ ‬المفاجئ‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬كوارث‭ ‬طبيعية‭ ‬أم‭ ‬تهديدات‭ ‬أمنية‭ -‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الراهن‭- ‬لحظات‭ ‬اختبار‭ ‬حقيقية‭ ‬لبُنى‭ ‬المجتمعات‭ ‬وطبيعة‭ ‬تفاعل‭ ‬واستجابة‭ ‬الأفراد‭ ‬داخلها؛‭ ‬ففي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأزمات‭ ‬تسود‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التوتر‭ ‬والقلق‭ ‬بين‭ ‬أفراد‭ ‬المجتمع‭ ‬قبل‭ ‬استيعاب‭ ‬الموقف‭ ‬الجديد‭ ‬والتعامل‭ ‬معه‭ ‬بثبات‭ ‬وتماسك‭. ‬

إلا‭ ‬أن‭ ‬نتيجة‭ ‬الشعور‭ ‬بالقلق‭ ‬ليست‭ ‬حتمية؛‭ ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬لهذه‭ ‬الحالة‭ -‬في‭ ‬سياقات‭ ‬معينة‭- ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬من‭ ‬عامل‭ ‬توتر‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬دافعة‭ ‬نحو‭ ‬التماسك‭ ‬الاجتماعي‭.  ‬ولتفسير‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬يبرز‭ ‬مفهوم‭ ‬الضمير‭ ‬الجمعي‭ ‬لدى‭ ‬عالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬إميل‭ ‬دوركايم،‭ ‬الذي‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬القيم‭ ‬والمعتقدات‭ ‬والتصورات‭ ‬المشتركة‭ ‬بين‭ ‬أفراد‭ ‬المجتمع‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬الإطار‭ ‬الناظم‭ ‬لسلوكهم،‭ ‬فهذا‭ ‬الضمير‭ ‬يمثل‭ ‬مخزونًا‭ ‬غير‭ ‬مكتوب‭ ‬من‭ ‬المبادئ‭ ‬التي‭ ‬يدركها‭ ‬جميع‭ ‬أفراد‭ ‬المجتمع‭ ‬ويُعد‭ ‬الخروج‭ ‬عنها‭ ‬انتهاكًا‭ ‬للنظام‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬ما‭ ‬يستدعي‭ ‬أشكالاً‭ ‬من‭ ‬الضبط‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬رسمية‭ ‬أو‭ ‬اجتماعية‭.‬

وينبثق‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الضمير‭ ‬الجمعي‭ ‬ما‭ ‬وصفه‭ ‬إيميل‭ ‬دوركايم‭ ‬بالتضامن‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬إذ‭ ‬إنه‭ ‬ترجمة‭ ‬عملية‭ ‬لالتزام‭ ‬الأفراد‭ ‬بهذه‭ ‬القيم‭ ‬المشتركة،‭ ‬ففي‭ ‬أوقات‭ ‬التهديد‭ ‬يشتد‭ ‬حضور‭ ‬هذا‭ ‬الضمير‭ ‬فتتقارب‭ ‬التصورات‭ ‬حول‭ ‬الخطر،‭ ‬ويتحول‭ ‬الوعي‭ ‬الفردي‭ ‬إلى‭ ‬وعي‭ ‬جمعي،‭ ‬ما‭ ‬يوجه‭ ‬سلوك‭ ‬الأفراد‭ ‬نحو‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭. ‬وبناءً‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬يميل‭ ‬الأفراد‭ ‬إلى‭ ‬الالتفاف‭ ‬حول‭ ‬مركز‭ ‬القوة‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬أي‭ ‬القيادة‭ ‬باعتبارها‭ ‬الضامن‭ ‬للنظام‭ ‬والاستمرارية‭.‬

وقد‭ ‬تجلى‭ ‬هذا‭ ‬التفسير‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يتجه‭ ‬المجتمع‭ ‬البحريني‭ ‬نحو‭ ‬القلق‭ ‬رغم‭ ‬حدة‭ ‬التحديات،‭ ‬بل‭ ‬برزت‭ ‬مظاهر‭ ‬واضحة‭ ‬من‭ ‬التماسك‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والتكاتف‭ ‬والالتفاف‭ ‬حول‭ ‬القيادة،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬قوة‭ ‬الضمير‭ ‬الجمعي‭ ‬الذي‭ ‬أعاد‭ ‬توجيه‭ ‬مشاعر‭ ‬القلق‭ ‬نحو‭ ‬التضامن‭ ‬والتآزر‭ ‬والتكاتف‭.‬

وتعود‭ ‬هذه‭ ‬النتيجة‭ ‬إلى‭ ‬طبيعة‭ ‬البنية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬السابقة‭ ‬للأزمة،‭ ‬إذ‭ ‬تتمتع‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬بدرجة‭ ‬ملحوظة‭ ‬من‭ ‬الاستقرار‭ ‬والعدالة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬روابط‭ ‬مجتمعية‭ ‬متينة‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬مكونات‭ ‬المجتمع،‭ ‬ما‭ ‬عزز‭ ‬مستويات‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬الأفراد‭ ‬والمؤسسات‭.‬

وقد‭ ‬تُرجم‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬مظاهر‭ ‬عملية‭ ‬من‭ ‬أبرزها‭ ‬الالتزام‭ ‬الواسع‭ ‬بالتوجيهات‭ ‬الرسمية،‭ ‬سواء‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬باتباع‭ ‬الإرشادات‭ ‬العامة‭ ‬أو‭ ‬ضبط‭ ‬تداول‭ ‬المعلومات،‭ ‬بما‭ ‬يعكس‭ ‬وعيًا‭ ‬مجتمعيًا‭ ‬عاليًا‭ ‬ومسؤولية‭ ‬جماعية‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭.‬

كما‭ ‬يعكس‭ ‬الإقبال‭ ‬الواسع‭ ‬على‭ ‬التسجيل‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬التطوعي‭ ‬عبر‭ ‬المنصة‭ ‬الوطنية‭ -‬التي‭ ‬أُطلقت‭ ‬كإجراء‭ ‬احترازي‭- ‬وجود‭ ‬إدراك‭ ‬جمعي‭ ‬بأن‭ ‬مواجهة‭ ‬الأزمات‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬مسؤولية‭ ‬مشتركة‭ ‬تتكامل‭ ‬فيها‭ ‬أدوار‭ ‬المجتمع‭ ‬مع‭ ‬مؤسساته‭. ‬وبذلك‭ ‬تُظهر‭ ‬هذه‭ ‬السلوكيات‭ ‬أن‭ ‬التماسك‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬خطاب‭ ‬بل‭ ‬ممارسة‭ ‬فعلية‭ ‬نابعة‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬قيم‭ ‬راسخة‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يبرز‭ ‬الدور‭ ‬المحوري‭ ‬للقيادة‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬هذا‭ ‬التماسك‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬حيث‭ ‬شكلت‭ ‬توجيهات‭ ‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ملك‭ ‬البلاد‭ ‬المعظم‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬خطاب‭ ‬الوحدة‭ ‬والاستقرار‭.‬

كما‭ ‬تعزز‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬بالجهود‭ ‬التي‭ ‬يبذلها‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأمير‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬حفظه‭ ‬الله،‭ ‬في‭ ‬إرساء‭ ‬دعائم‭ ‬المنظومة‭ ‬القانونية‭ ‬والإدارية‭. ‬وجاءت‭ ‬مضامين‭ ‬كلمة‭ ‬صاحبة‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأميرة‭ ‬سبيكة‭ ‬بنت‭ ‬إبراهيم‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬قرينة‭ ‬جلالة‭ ‬ملك‭ ‬البلاد‭ ‬المعظم‭ ‬رئيسة‭ ‬المجلس‭ ‬الأعلى‭ ‬للمرأة‭ ‬حفظها‭ ‬الله،‭ ‬لتؤكد‭ ‬أهمية‭ ‬التكاتف‭ ‬المجتمعي،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬تأكيد‭ ‬دور‭ ‬المرأة‭ ‬البحرينية‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬قيم‭ ‬التضامن‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات‭. ‬وتشكل‭ ‬هذه‭ ‬الجهود‭ ‬مجتمعة‭ ‬دليلاً‭ ‬على‭ ‬الدور‭ ‬المحوري‭ ‬الذي‭ ‬تضطلع‭ ‬به‭ ‬القيادة‭ ‬البحرينية‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬التماسك‭ ‬الاجتماعي‭.‬

وفي‭ ‬المحصلة،‭ ‬تكشف‭ ‬الأزمات‭ -‬مهما‭ ‬بلغت‭ ‬حدتها‭- ‬عن‭ ‬الطبيعة‭ ‬العميقة‭ ‬للمجتمعات؛‭ ‬ففي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬يقود‭ ‬الشعور‭ ‬بالقلق‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الارتباك‭ ‬او‭ ‬التوتر‭ ‬تُظهر‭ ‬بعض‭ ‬المجتمعات‭ ‬قدرة‭ ‬لافتة‭ ‬على‭ ‬تحويله‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬دافعة‭ ‬نحو‭ ‬التماسك‭ ‬والتضامن،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬اعتبار‭ ‬ما‭ ‬شهدته‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬استجابة‭ ‬ظرفية‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬امتداد‭ ‬لبنية‭ ‬اجتماعية‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬التماسك‭ ‬والثقة،‭ ‬حيث‭ ‬تُقاس‭ ‬قوة‭ ‬المجتمعات‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬فرصة‭ ‬تزيد‭ ‬من‭ ‬حدتها‭.‬

 

{ باحثة‭ ‬في‭ ‬دراسات‭ ‬المرأة‭.‬

mayalsyoof@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا