رحيل الفنان صدمة من نوع غريب. تحزن على شخص لم تجلس معه يوماً، ولم تتبادل معه كلمة، ومع ذلك تشعر أن شيئاً منك رحل معه. حين فارقت الفنانة القديرة حياة الفهد عالمنا، فهمت أن هذا الحزن ليس وهماً، إنما هو أصدق مما نتصور.
الفنان يدخل بيتك دون أن تدعوه. يجلس معك على العشاء، يحضر سهرتك، يرافق طفولتك. في البحرين كانت «الساعة سبع» طقساً لا يتأخر عنه أحد، نجتمع أنا وإخوتي أمام الشاشة وعيوننا لا تغادرها حتى تنتهي الحلقة، نبكي معاً ونضحك معاً، وكانت والدتي لا تتحرك من مكانها حتى تنتهي حلقة مسلسل «الشهد والدموع» للفنان يوسف شعبان والفنانة عفاف شعيب.
جلسنا معاً أجيالاً مختلفة أمام شاشة واحدة، كل منا يرى فيها ما يشبهه، والفنان في المنتصف لا يعلم أنه يصنع ذاكرة لن تُمحى. هذا الطقس لم يعد موجوداً، تفرّقت الشاشات وتفرّق معها الجلوس، لكن من عاش تلك اللحظات يحمل دفئها حتى اليوم.
في طفولتي جمعنا مسرح وتلفزيون الكويت بدرب الزلق وجحا وخالتي قماشة، وجمعتنا مصر بمدرسة المشاغبين والعيال كبرت وشاهد ما شفش حاجة. لم يكن أحد يسأل من أين هذا العمل، لأن الفن لا يحمل جواز سفر.
كنا نردد مقولات هذه الأعمال في بيوتنا ومدارسنا، كأنها صارت جزءاً من لغتنا اليومية. من منا لم يردد «دا أنا غلبان» بنبرة عادل إمام ويضحك؟ وأذكر حين حضرت مسرحية «السندباد البحري» الكويتية، وخرجت وأنا أردد: «ابلادنا حلو حلو بس الوطن ماله مثيل». لم تكن مجرد أغنية، بل كانت شعوراً بالانتماء زرعه فينا فنان لم يقصد أن يُلقّننا درساً. لقد دخل كل بيت عربي بلا تأشيرة، وصنع بيننا من المحبة والذاكرة المشتركة ما لم تصنعه سنوات من الكلام.
الفن يتجاوز الشاشة. في غرفتي أيام الدراسة صور لفرقة أبا وبوني إم وديميس روسوس، أحببت أغانيهم وأحببتهم، وكانوا جزءاً من يومي. أغانيهم اليوم حين أسمعها تأخذني إلى سنوات المدرسة وشقاوتها، لتلك التحديات والأسئلة التي كانت تملأ رأسي، إلى طريقة تفكير كنت أظنها الحقيقة الوحيدة في العالم.
رحل ديميس روسوس، وتوقفت أبا عن الغناء سنوات طويلة، لكن أغانيهم لا تزال تملأ المكان حين تُعزف، كأنهم لم يغادروا. الفنان يصنع وعاءً تحفظ فيه لحظة من عمرك، وحين تفتحه بعد سنوات تجد نفسك كاملة بداخله. الفنان يزرع نفسه في ذاكرتك دون أن يقصد، ويبقى حتى بعد أن يرحل.
المبدع الحقيقي يُرسّخ القيم فيك وأنت مشغول بالمتعة. تشاهد شخصية تخطئ فتتألم معها، تراها تتسامح فيتسع صدرك، تراها تحب وطنها فتشتاق أنت إلى الانتماء.
هذا تعليم من نوع آخر، يدخل من باب القلب ويسكنه قبل أن يصل العقل. الفنان يجعلك تعيش التجربة بدلا من أن تسمع عنها، وما تعيشه يبقى. ولهذا بالضبط تبقى بعض الشخصيات معنا عقوداً، لأنها علّمتنا شيئاً عن أنفسنا.
الشجاعة الفنية لها ثمن. فحين قدّمت الفنانة الكبيرة الراحلة حياة الفهد مسلسل «أم هارون» واجهت موجة من النقد الحاد، وكاد الجدل يطغى على العمل نفسه. بادرت بمشاهدته سريعاً، أردت أن أحكم بعيداً عن الضجيج وأن تكون عيناي هما الحكم لا أصوات الآخرين.
ولم أرَ فيه ما أثار كل ذلك الهجوم، رأيت عملاً درامياً غير مألوف وطرحاً جريئاً يتناول إنسانيتنا المشتركة. الناس تخشى ما لا تعرفه، وتنتقد ما يخرج عن المألوف قبل أن تمنح نفسها فرصة الفهم. الفنان الشجاع يعرف أن الجمهور لا يصفق دائماً في البداية، ويمضي رغم ذلك.
لهذا حين يرحل فنان أحببته تحزن حزناً عميقاً، ليس على الشخص الذي لم تقابله، تحزن على جزء من نفسك عاش معه.
من يستحق لقب الفنان لا يمثل ولا يغني فحسب، يمنحك نسخة من ذاتك لم تكن لتجدها لولاه. نحن مدينون لهم بأكثر مما ندرك، بضحكة في يوم ثقيل، بدمعة طهّرت شيئاً بداخلنا، بأغنية حملت عنا ما لم نستطع قوله.
وحين تطفأ شاشته للأبد لا يرحل كل شيء، صوته يبقى في ذاكرتنا، وأثره يبقى في أرواحنا، وما زرعه فينا يبقى حتى بعد أن نرحل نحن. هذا هو الخلود، وهذا وحده يكفي.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك