العدد : ١٧٥٦٦ - الاثنين ٢٧ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٦٦ - الاثنين ٢٧ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

عندما يرحل الفنان

بقلم: نبيلة رجب

الاثنين ٢٧ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

رحيل‭ ‬الفنان‭ ‬صدمة‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬غريب‭. ‬تحزن‭ ‬على‭ ‬شخص‭ ‬لم‭ ‬تجلس‭ ‬معه‭ ‬يوماً،‭ ‬ولم‭ ‬تتبادل‭ ‬معه‭ ‬كلمة،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬تشعر‭ ‬أن‭ ‬شيئاً‭ ‬منك‭ ‬رحل‭ ‬معه‭. ‬حين‭ ‬فارقت‭ ‬الفنانة‭ ‬القديرة‭ ‬حياة‭ ‬الفهد‭ ‬عالمنا،‭ ‬فهمت‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الحزن‭ ‬ليس‭ ‬وهماً،‭ ‬إنما‭ ‬هو‭ ‬أصدق‭ ‬مما‭ ‬نتصور‭.‬

الفنان‭ ‬يدخل‭ ‬بيتك‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تدعوه‭. ‬يجلس‭ ‬معك‭ ‬على‭ ‬العشاء،‭ ‬يحضر‭ ‬سهرتك،‭ ‬يرافق‭ ‬طفولتك‭. ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬كانت‭ ‬‮«‬الساعة‭ ‬سبع‮»‬‭ ‬طقساً‭ ‬لا‭ ‬يتأخر‭ ‬عنه‭ ‬أحد،‭ ‬نجتمع‭ ‬أنا‭ ‬وإخوتي‭ ‬أمام‭ ‬الشاشة‭ ‬وعيوننا‭ ‬لا‭ ‬تغادرها‭ ‬حتى‭ ‬تنتهي‭ ‬الحلقة،‭ ‬نبكي‭ ‬معاً‭ ‬ونضحك‭ ‬معاً،‭ ‬وكانت‭ ‬والدتي‭ ‬لا‭ ‬تتحرك‭ ‬من‭ ‬مكانها‭ ‬حتى‭ ‬تنتهي‭ ‬حلقة‭ ‬مسلسل‭ ‬‮«‬الشهد‭ ‬والدموع‮»‬‭ ‬للفنان‭ ‬يوسف‭ ‬شعبان‭ ‬والفنانة‭ ‬عفاف‭ ‬شعيب‭.‬

جلسنا‭ ‬معاً‭ ‬أجيالاً‭ ‬مختلفة‭ ‬أمام‭ ‬شاشة‭ ‬واحدة،‭ ‬كل‭ ‬منا‭ ‬يرى‭ ‬فيها‭ ‬ما‭ ‬يشبهه،‭ ‬والفنان‭ ‬في‭ ‬المنتصف‭ ‬لا‭ ‬يعلم‭ ‬أنه‭ ‬يصنع‭ ‬ذاكرة‭ ‬لن‭ ‬تُمحى‭. ‬هذا‭ ‬الطقس‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬موجوداً،‭ ‬تفرّقت‭ ‬الشاشات‭ ‬وتفرّق‭ ‬معها‭ ‬الجلوس،‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬عاش‭ ‬تلك‭ ‬اللحظات‭ ‬يحمل‭ ‬دفئها‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭.‬

في‭ ‬طفولتي‭ ‬جمعنا‭ ‬مسرح‭ ‬وتلفزيون‭ ‬الكويت‭ ‬بدرب‭ ‬الزلق‭ ‬وجحا‭ ‬وخالتي‭ ‬قماشة،‭ ‬وجمعتنا‭ ‬مصر‭ ‬بمدرسة‭ ‬المشاغبين‭ ‬والعيال‭ ‬كبرت‭ ‬وشاهد‭ ‬ما‭ ‬شفش‭ ‬حاجة‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أحد‭ ‬يسأل‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬هذا‭ ‬العمل،‭ ‬لأن‭ ‬الفن‭ ‬لا‭ ‬يحمل‭ ‬جواز‭ ‬سفر‭. ‬

كنا‭ ‬نردد‭ ‬مقولات‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬في‭ ‬بيوتنا‭ ‬ومدارسنا،‭ ‬كأنها‭ ‬صارت‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬لغتنا‭ ‬اليومية‭. ‬من‭ ‬منا‭ ‬لم‭ ‬يردد‭ ‬‮«‬دا‭ ‬أنا‭ ‬غلبان‮»‬‭ ‬بنبرة‭ ‬عادل‭ ‬إمام‭ ‬ويضحك؟‭ ‬وأذكر‭ ‬حين‭ ‬حضرت‭ ‬مسرحية‭ ‬‮«‬السندباد‭ ‬البحري‮»‬‭ ‬الكويتية،‭ ‬وخرجت‭ ‬وأنا‭ ‬أردد‭: ‬‮«‬ابلادنا‭ ‬حلو‭ ‬حلو‭ ‬بس‭ ‬الوطن‭ ‬ماله‭ ‬مثيل‮»‬‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬أغنية،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬شعوراً‭ ‬بالانتماء‭ ‬زرعه‭ ‬فينا‭ ‬فنان‭ ‬لم‭ ‬يقصد‭ ‬أن‭ ‬يُلقّننا‭ ‬درساً‭. ‬لقد‭ ‬دخل‭ ‬كل‭ ‬بيت‭ ‬عربي‭ ‬بلا‭ ‬تأشيرة،‭ ‬وصنع‭ ‬بيننا‭ ‬من‭ ‬المحبة‭ ‬والذاكرة‭ ‬المشتركة‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تصنعه‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الكلام‭.‬

الفن‭ ‬يتجاوز‭ ‬الشاشة‭. ‬في‭ ‬غرفتي‭ ‬أيام‭ ‬الدراسة‭ ‬صور‭ ‬لفرقة‭ ‬أبا‭ ‬وبوني‭ ‬إم‭ ‬وديميس‭ ‬روسوس،‭ ‬أحببت‭ ‬أغانيهم‭ ‬وأحببتهم،‭ ‬وكانوا‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬يومي‭. ‬أغانيهم‭ ‬اليوم‭ ‬حين‭ ‬أسمعها‭ ‬تأخذني‭ ‬إلى‭ ‬سنوات‭ ‬المدرسة‭ ‬وشقاوتها،‭ ‬لتلك‭ ‬التحديات‭ ‬والأسئلة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تملأ‭ ‬رأسي،‭ ‬إلى‭ ‬طريقة‭ ‬تفكير‭ ‬كنت‭ ‬أظنها‭ ‬الحقيقة‭ ‬الوحيدة‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

‭ ‬رحل‭ ‬ديميس‭ ‬روسوس،‭ ‬وتوقفت‭ ‬أبا‭ ‬عن‭ ‬الغناء‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة،‭ ‬لكن‭ ‬أغانيهم‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تملأ‭ ‬المكان‭ ‬حين‭ ‬تُعزف،‭ ‬كأنهم‭ ‬لم‭ ‬يغادروا‭. ‬الفنان‭ ‬يصنع‭ ‬وعاءً‭ ‬تحفظ‭ ‬فيه‭ ‬لحظة‭ ‬من‭ ‬عمرك،‭ ‬وحين‭ ‬تفتحه‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬تجد‭ ‬نفسك‭ ‬كاملة‭ ‬بداخله‭. ‬الفنان‭ ‬يزرع‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬ذاكرتك‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يقصد،‭ ‬ويبقى‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يرحل‭.‬

المبدع‭ ‬الحقيقي‭ ‬يُرسّخ‭ ‬القيم‭ ‬فيك‭ ‬وأنت‭ ‬مشغول‭ ‬بالمتعة‭. ‬تشاهد‭ ‬شخصية‭ ‬تخطئ‭ ‬فتتألم‭ ‬معها،‭ ‬تراها‭ ‬تتسامح‭ ‬فيتسع‭ ‬صدرك،‭ ‬تراها‭ ‬تحب‭ ‬وطنها‭ ‬فتشتاق‭ ‬أنت‭ ‬إلى‭ ‬الانتماء‭.‬

‭ ‬هذا‭ ‬تعليم‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬آخر،‭ ‬يدخل‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬القلب‭ ‬ويسكنه‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬العقل‭. ‬الفنان‭ ‬يجعلك‭ ‬تعيش‭ ‬التجربة‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تسمع‭ ‬عنها،‭ ‬وما‭ ‬تعيشه‭ ‬يبقى‭. ‬ولهذا‭ ‬بالضبط‭ ‬تبقى‭ ‬بعض‭ ‬الشخصيات‭ ‬معنا‭ ‬عقوداً،‭ ‬لأنها‭ ‬علّمتنا‭ ‬شيئاً‭ ‬عن‭ ‬أنفسنا‭.‬

الشجاعة‭ ‬الفنية‭ ‬لها‭ ‬ثمن‭. ‬فحين‭ ‬قدّمت‭ ‬الفنانة‭ ‬الكبيرة‭ ‬الراحلة‭ ‬حياة‭ ‬الفهد‭ ‬مسلسل‭ ‬‮«‬أم‭ ‬هارون‮»‬‭ ‬واجهت‭ ‬موجة‭ ‬من‭ ‬النقد‭ ‬الحاد،‭ ‬وكاد‭ ‬الجدل‭ ‬يطغى‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬نفسه‭. ‬بادرت‭ ‬بمشاهدته‭ ‬سريعاً،‭ ‬أردت‭ ‬أن‭ ‬أحكم‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الضجيج‭ ‬وأن‭ ‬تكون‭ ‬عيناي‭ ‬هما‭ ‬الحكم‭ ‬لا‭ ‬أصوات‭ ‬الآخرين‭.‬

‭ ‬ولم‭ ‬أرَ‭ ‬فيه‭ ‬ما‭ ‬أثار‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬الهجوم،‭ ‬رأيت‭ ‬عملاً‭ ‬درامياً‭ ‬غير‭ ‬مألوف‭ ‬وطرحاً‭ ‬جريئاً‭ ‬يتناول‭ ‬إنسانيتنا‭ ‬المشتركة‭. ‬الناس‭ ‬تخشى‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تعرفه،‭ ‬وتنتقد‭ ‬ما‭ ‬يخرج‭ ‬عن‭ ‬المألوف‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تمنح‭ ‬نفسها‭ ‬فرصة‭ ‬الفهم‭. ‬الفنان‭ ‬الشجاع‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬الجمهور‭ ‬لا‭ ‬يصفق‭ ‬دائماً‭ ‬في‭ ‬البداية،‭ ‬ويمضي‭ ‬رغم‭ ‬ذلك‭.‬

لهذا‭ ‬حين‭ ‬يرحل‭ ‬فنان‭ ‬أحببته‭ ‬تحزن‭ ‬حزناً‭ ‬عميقاً،‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬الشخص‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬تقابله،‭ ‬تحزن‭ ‬على‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬نفسك‭ ‬عاش‭ ‬معه‭. ‬

من‭ ‬يستحق‭ ‬لقب‭ ‬الفنان‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬ولا‭ ‬يغني‭ ‬فحسب،‭ ‬يمنحك‭ ‬نسخة‭ ‬من‭ ‬ذاتك‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬لتجدها‭ ‬لولاه‭. ‬نحن‭ ‬مدينون‭ ‬لهم‭ ‬بأكثر‭ ‬مما‭ ‬ندرك،‭ ‬بضحكة‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬ثقيل،‭ ‬بدمعة‭ ‬طهّرت‭ ‬شيئاً‭ ‬بداخلنا،‭ ‬بأغنية‭ ‬حملت‭ ‬عنا‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬نستطع‭ ‬قوله‭.‬

‭ ‬وحين‭ ‬تطفأ‭ ‬شاشته‭ ‬للأبد‭ ‬لا‭ ‬يرحل‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬صوته‭ ‬يبقى‭ ‬في‭ ‬ذاكرتنا،‭ ‬وأثره‭ ‬يبقى‭ ‬في‭ ‬أرواحنا،‭ ‬وما‭ ‬زرعه‭ ‬فينا‭ ‬يبقى‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬نرحل‭ ‬نحن‭. ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الخلود،‭ ‬وهذا‭ ‬وحده‭ ‬يكفي‭.‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا