تعد البيئة الإطار الحاضن والركيزة الأساسية، باعتبارها المصدر الرئيسي للهواء والمياه والغذاء اللازم لاستمرار حياتنا فهي ليست مجرد محيط نعيش فيه، وأن أي خلل قد يصيبها فإنه ينعكس مباشرة على صحتنا واستقرار حاضرنا وسلامة مستقبل أجيالنا؛ لذا لا بد أن نتأمل واقعنا اليوم، حيُث تتعالى الحروب ويتزايد الصراع، وهنا تبرز البيئة الضحية الصامتة التي تتحمل عبء الدمار الحاصل دون رؤية معاناتها بشكل مباشر نتيجة لما تخلفه الحروب والصراع من دمار يترك أثرَا يطول البشر في كافة مجالات حياتهم، بدأ من الأرض التي نعيش عليها، والهواء الذي نتنفسه، والماء الذي نشربه، وانطلاقًا من ذلك تعددت الأدلة التي تؤكد أن البيئة تدفع ثمن الصراع البشري، لما تسببه من تدمير الأنظمة البيئية وتلويث مواردها الطبيعية على يد البشر، ومن الطبيعي أن هذه الآثار سوف تمتد سنوات طويلة، وسيصعب تداركها، وهذا الأمر سيكون بالغ الخطورة على الأرض ومقدراتها.
وانطلاقَا من ذلك فقد أصبح النظام الطبيعي خاصة في العقود الأخيرة أكثر عرضة لتدهور متسارع بفعل الصراع البشري، وهذا بدوره جعل من البيئة طرفًا خاسرًا في هذه المعادلات. وهنا تبرز أهمية تسليط الضوء على هذه التفاصيل حتى إن كانت تبدو بسيطة لكنها في الواقع لها تأثيرات بالغة جدًا، والتي تؤكد أن البيئة هي التي تدفع الثمن دائمًا؛ لذا عندما تتعرض الأنظمة البيئية للخطر، وحين تندلع الحروب والصراع، يتسلل إلينا شعور نفسي عميق بالقلق، ولا يقتصر على الخسائر البشرية والمادية فحسب، بل يتسع ليشمل خوفًا أعمق وأكثر صمتًا، وهو خوفنا على بيئتنا التي تحتضن حياتنا وحياة أجيالنا، ولما سوف يخلفه هذا الصراع من ندوبٌ لا تشفى في التربة والمياه والهواء محولة هذه الأنظمة البيئية الى مساحات ملوثة قد تستمر فترات طويلة نتيجة المخلفات السامة، كالمواد الكيماوية والمعادن الثقيلة أو بقايا غير متفجرة، الأمر الذي قد يؤخر من تعافي النظم البيئة وقدرتها على استعادة توازنها الطبيعي مستقبًلا، وهذا الخوف على سلامة بيئتنا نابع من إدراكنا بأن البيئة ليست مجرد مسرح للأحداث، إنما هي أساس لاستمرار الحياة نفسها.
ومن منظور ديني، يضعنا القرآن الكريم أمام مسؤولية واضحة تجاه كوكب الأرض، حيثً جاءت العديد من النصوص القرآنية لتؤكد أن الإفساد في الأرض مرفوض شرعًا، إذ يقول الله تعالى في محكم كتابه الحكيم: «وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا»، ومن هنا فقد جاء التوجيه الإلهي ليؤكد هذا المعنى بشكل صريح داعيًا البشر على هذه الأرض الى وقف الفساد والحفاظ على توازنها من كل أشكال التدمير، مبررًا ذلك بأن التوازن البيئي له قيمه الدينية والإنسانية، ويعزز كذلك هذا المعنى قوله عز وجل: «ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ». وهنا تم الربط بين التدهور البيئي الذي هو نتاج أفعال بشرية، والتقصير في صيانة حماية الأرض وعمارتها من قبل البشرية، وهذا ما ينطبق على الآثار الناتجة عن الصراعات البشرية المستمرة.
وفي الوقت الذي ينظر فيه العالم إلى الحروب بوصفها صراعًا بشريًا ينتهي بتوقف إطلاق النار، تكشف لنا تقارير أممية حديثة أن هناك طرفًا يدفع الثمن بصمت، أنها بيئتنا، فالأرض والهواء والماء في قلب دائرة الصراع، وما تتعرض له هذه النظم الطبيعية قد يستمر أثره عقودا طويلة، وفق ما تؤكده تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) والمعطيات العلمية إلى أن «الأثر البيئي للنزاعات المسلحة ليس بسيطًا أو مؤقتًا، بل يمتد ليشمل تلوث المياه والتربة والهواء، وتدهور النظم البيئية، وإضعاف سبل العيش، وفرض أعباء صحية طويلة الأمد على السكان حتى بعد توقف القتال»، كما تم الإشارة في تقارير أخرى إلى «أن الصراعات المسلحة تسببت في إزالة الغابات، وتدمير الأراضي، وفقدان التنوع الحيوي، مما يخلّ بالتوازن الطبيعي للبيئة ويجعل عملية التعافي البيئي بطيئة ومعقدة للغاية».
ان هذه الصراعات لا تبدأ آثارها على البيئة عند اندلاعها، بل تسبقها بمرحلة الاستعداد والتجهيزات العسكرية، التي لو ألقينا نظرة عليها لوجدنا أنها تستهلك الكثير من الموارد الطبيعية. إذ تتطلب كميات كبيرة من المعادن والمياه في صناعتها، إلى جانب اعتمادها على مصادر مستهلكة للطاقة ، فضّلا عن التجارب التي تقوم بها للتأكد من جاهزيتها، مما يتسبب في آثارَ كبيرة تمتد للمياه والتربة وفقدان التنوع البيولوجي نتيجة تدمير مواطنها الطبيعية، وبالمقابل تحدث موجات نزوح سوف تستنزف موارد مناطق اللجوء، وهذه الآثار لا تقتصر على جانب واحد فقط، بل جميع جوانب الحياة، أولها انهيار الأنظمة البيئية وتلويث التربة وإضعاف إنتاجيتها وتغير تركيبها الطبيعي، وكذلك فإن مصادر المياه تتأثر بشكل كبير عن طريق تسرب الملوثات للمياه الجوفية، وتدمير البنية التحتية الحيوية، وهو ما ينعكس في النهاية سلبًا على استدامة صحة المجتمع المحلي.
وواقعًا فإنه لا يمكننا أن نفصل قضايا البيئة عن السلام والبيئة، حيث إن الحروب أصبحت تخلّف أضرارَا عميقة تمس الإنسان ونظامه البيئي معّا، ما يستوجب تعاونًا دوليا ومجتمعيا لإيجاد حلول مستدامة تعيد التوازن الى الطبيعة، وتحقيق التعافي البيئي للكوكب الذي يعُد جزءَا لا يتجزأ من السلام والأمن العالمي من أجل بناء مستقبل يقوم على العدالة والاستدامة؛ لذا فقد تعددت الجهود الدولية من التداعيات البيئية، وعلى رأسها منظمة الأمم المتحدة التي تعمل على دمج البعد البيئي في استراتيجيات منع النزاعات وبناء السلام وفق تقاريرها الصادرة، وهذا ما اكدته جمعية الأمم المتحدة في عام 2016م، حول أهمية النظم البيئية السليمة في تقليل أخطار الصراع وربطها بأهداف التنمية المستدامة 2023، لدعم إدارة الموارد الطبيعية وإطلاق برامج بحثية دولية لتطوير ممارسات إدارة البيئة بعد النزاعات. ورغم ذلك لا تزال هذه التحديات البيئية قائمة في ظل استمرار الصراعات البشرية.
ختامّا وفي ضوء المعطيات، يتضح لنا أن البيئة تعيش بالفعل تحت وطأة الصراع البشري غير العقلاني، بل هي ضحية مباشرة وطرف متضرر يدفع ثمنًا باهظا، لما تعرضت له من ضغوط مستمرة أثرت على توازنها واستدامتها.
وهنا لا بد لنا كمجتمعات البدء بشكل حقيقي وفعلي في العمل على تعزيز الوعي البيئي المناسب، وتطبيق القوانين البيئية المحلية والدولية لحماية مواردنا الطبيعية من التدهور، وهنا لسنا مخيرين لحماية البيئة، بل أصبحت ضرورة لضمان بقائنا على هذا الكوكب، وأن حمايته في السلم والحرب هي مسؤولية أخلاقية وإنسانية مشتركة، وهذا يعني أن أي تهديد هو تهديد لمستقبل الإنسان نفسه، وحرمان الأجيال القادمة من حقها في العيش السليم ضمن بيئة أمنة ومتوازنة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك