مع عدم وضوح الوضع النهائي للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، لا تزال المحصلة النهائية لهذا الصراع غامضة. فبين تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب الأولية، التي زعم فيها عدم نيّته تغيير النظام الإيراني، وتصريحاته الأخيرة التي تماهى فيها مع الموقف الإسرائيلي الداعم لتقويض النظام، بل تغييره، لا يبدو أن لدى الإدارة الأمريكية استراتيجية واضحة، ليس فقط لإنهاء الحرب، بل أيضًا لإرساء السلام في المنطقة. ويبدو أن هذا التخبّط يتّجه نحو مزيد من العنف وعدم الاستقرار في المرحلة المقبلة.
يعلّمنا التاريخ ما الذي يمكن أن يحدث في ظلّ غياب استراتيجية مدروسة، أو إدراك واضح للخطوات التي ينبغي اتخاذها أو تجنّبها إذا كان الهدف إرساء قواعد راسخة للاستقرار والازدهار في المنطقة، لكنّ قلّةً نادرة من الدول تتّعظ بدروس الماضي.
لنأخذ عام 1991 مثالًا صارخًا على ذلك، ففي ذلك العام، وبعد أن بنت الولايات المتحدة تحالفًا دوليًا أخرج العراق من احتلاله للكويت، أدرك الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب آنذاك أن وجود قوات أمريكية وغربية في المنطقة تحارب دولة عربية، سيقابل باعتراض واسع من الشعوب العربية، لذلك أتبع حرب الخليج الأولى بجهدٍ سياسي كبير هدفه احتواء هذه المشاعر، ومحاولة إنهاء التوتّر الناجم عن الصراع العربي الإسرائيلي.
وبناءً على ذلك، قادت الولايات المتحدة ما أصبح يُعرف بعملية مدريد للسلام، إذ ضغطت على إسرائيل والجانب الفلسطيني، إضافةً إلى الأردن وسورية ولبنان، للجلوس حول طاولة المفاوضات، ومحاولة التوصّل إلى حل شامل للقضية الفلسطينية.
وبغضّ النظر عن إخفاقات هذه العملية لاحقًا، فقد أعطت، ولو فترة قصيرة، أملًا بإمكانية التوصّل إلى حل سياسي للصراع. في غضون ذلك، قرّرت الإدارة الأمريكية عدم التوجه إلى بغداد لتغيير النظام العراقي، ودعت الشعب العراقي إلى تغيير نظامه بنفسه، تمامًا كما يدعو ترامب اليوم الشعب الإيراني إلى انتفاضة ضد نظام الملالي. ولكن عندما اندلعت الانتفاضة في جنوب العراق، لم يجد الثائرون من يساندهم، فتمّت تصفية أعدادٍ كبيرة منهم على يد نظام الرئيس الراحل صدام حسين.
لقد بقي صدام حسين في الحكم اثني عشر عامًا بعد ذلك، إلى أن شنّت الولايات المتحدة حربًا جوية وبرية ضد العراق في عام 2003، وتمّت إطاحة النظام العراقي بحجة امتلاكه أسلحة دمار شامل، وهي حجة ثبُت لاحقًا عدم صحتها. وقد نتج من حل الجيش العراقي وحزب البعث فراغٌ سياسي وأمني كبير، لا يزال العراق يعاني منه حتى اليوم.
بمعنى آخر، فإن إضعاف الأنظمة، أو تغييرها من دون وضع خطة واضحة لما سيأتي بعدها يؤدّي في كثيرٍ من الأحيان إلى الفوضى بدلاً من الحرية.
نعيش اليوم لحظةً تشبه ما حصل في العراق في عام 1991، لا لحظة مدريد 1991، إن أردنا استخلاص دروسٍ من ذلك العام. فبينما يريد الرئيس الأمريكي وضع شخصية موالية للولايات المتحدة والغرب على رأس النظام الإيراني، وبينما تدعم إسرائيل عودة نجل شاه إيران السابق إلى الحكم، يبدو هذا السيناريو أقرب إلى التمنيات منه إلى الواقع. فإيران ليست فنزويلا، وهي نجحت في بناء نظام يقوم على الحرس الثوري والمؤسسة الدينية، وهو نظام متجذر في الداخل الإيراني، ولن يتغير بمجرّد استهداف رأسه. وعلى الرغم من إقدام الولايات المتحدة وإسرائيل على قتل عددٍ من القيادات الإيرانية، لا يزال النظام باقيا حتى الآن. وكما رأينا في عام 1991، فإن السيناريو الأرجح قد يكون بقاء النظام مع صعود شخصية من داخله لقيادة إيران، ضعيفة ومعزولة.
لقد ارتكبت إيران خطأً فادحًا عندما قامت باعتداءات ليس فقط على منشآت عسكرية في دول الخليج العربي، بل منشآت مدنية أيضًا، وهو ما سيقضي على أي فرصٍ لتعايش خليجي إيراني في المستقبل القريب، وسيزيد من عزلة إيران الإقليمية والدولية.
وبالطبع، لا يُعدّ هذا دفاعًا عن النظام الإيراني، الذي بالغ في التدخل في شؤون المنطقة وقمع معارضيه في الداخل، بقدر ما هو دعوة إلى التعلم من دروس الماضي. فتغيير الأنظمة في ظلّ غياب خطة واضحة لما بعدها يؤدّي غالبًا إلى الفوضى والاضطراب. وهذه أيضًا ليست لحظة مدريد 1991. فليس لدى الرئيس الأمريكي ترامب أي خطة جدية لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، ولا يبدو أنه يملك رغبةً في إطلاق مشروع سياسي حقيقي لتحقيق ذلك.
في المقابل، تمتلك إسرائيل خطة واضحة تقوم على إبقاء المنطقة منقسمة، والعمل على تحقيق أهدافها التوراتية بضمّ الضفة الغربية، والقضاء على أي فرصة لحل سياسي للقضية الفلسطينية. بعبارة أخرى، فإن الواضح من أهداف هذه الحرب، ولو على المدى القصير، هو محاولة فرض أجندة وأهداف إسرائيل، التي تتمتّع بقدرات عسكرية كبيرة في المنطقة، لكنها تفتقر إلى مشروع سياسي يضمن قبولها بشكلٍ مستدام في محيطها، خصوصًا في ظلّ معضلتها الديموغرافية المتمثلة بوجود أغلبية فلسطينية داخل الأراضي التي تسيطر عليها.
وإذا كان الرئيس الأمريكي ترامب يلمح إلى معركة مقبلة في كوبا، فإن إسرائيل تسعى إلى نقل معركتها المقبلة إلى الضفة الغربية، بهدف ضمّ الأرض الفلسطينية، من دون سكانها، ومحاولة التخلّص من أكبر عددٍ ممكن منهم. ومع غياب رادع أمريكي أو عربي، قد تمضي إسرائيل في هذا المخطّط بمنهجية وعنجهية.
وهنا نطرح السؤال: أين المشروع العربي؟ أو على الأقل أين التحرك العربي لمواجهة كل ذلك؟ فالمنطقة لا تمر بمرحلة عابرة من التوتر، بل بلحظة تاريخية تجري فيها إعادة رسم موازين القوى وحدود النفوذ.
إن إسرائيل تتحرك وفق رؤية واضحة لتكريس تفوّقها العسكري وتحويله إلى مكاسب سياسية وجغرافية دائمة، فيما يكتفي العالم العربي بالجمود وإطلاق ردود فعل باهتة.
إن التاريخ يعلّمنا أن الفراغ السياسي لا يبقى فراغًا طويلًا، إذ تملؤه القوى الأكثر تنظيمًا والأكثر تصميمًا على فرض رؤيتها. وإذا استمر الغياب العربي على هذا النحو، فلن يكون السؤال في المستقبل من يحكم إيران بعد الحرب، بل من يحدّد شكل المنطقة بأسرها.
{ وزير الخارجية الأردني الأسبق

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك