تتأرجح المفاوضات الأمريكية الإيرانية ما بين الحرب وعقدة ثيوسيديدس الأمنية والوصول إلى خيار الصفقة الكبرى كنتيجة للحرب. وهنا نستحضر ما خلص له ثيوسيديدس المؤرخ اليوناني في قراءته للحرب بين إسبرطة وأثينا قبل 2500 من الميلاد وهو من أسس لنظرية القوة في العلاقات الدولية وقوله بحتمية الحرب في العلاقات الدولية، وإن العلاقات الدولية تقوم على ركنين أساسيين العداوة والأمن وهما ما يفسران لنا السلوك السياسي للدول وخصوصا دول القوة التي تتنافس وتتصارع على مناطق النفوذ كما في حالة الحرب الجارية الآن. فلا عداوة دائمة ولا صداقة دائمة وعدو اليوم قد يكون صديق الغد، وصديق اليوم قد يكون عدو الغد.
هذه القاعدة تنطبق على العلاقات بين أمريكا وإيران والتي شهدت كل أشكال العلاقات من التحالف والصداقة إلى العداء والحرب والتفاوض. فالعلاقات تعود تاريخيا إلى القرن الثامن عشر، والعلاقات الدبلوماسية عام 1944 وأخذت في البداية طابع التفاهم التجاري والدبلوماسي. ولعل من أبرز محطات هذه العلاقات العداء الرسمي بين إيران وبريطانيا بقيادة محمد مصدق وهو الحليف للولايات المتحدة ثم الإطاحة بحكم مصدق بمساعدة الاستخبارات الأمريكية 1953 وعودة حكم الشاه.
واستمرت العلاقات طوال فترة حكم الشاه في إطار التحالف ولعبت إيران دور أحد العمودين المتساندين في المنطقة، ومن مفارقات العلاقات مساهمة أمريكا بتزويد إيران بمفاعل طهران للأبحاث وهو مفاعل نووي ويعمل باليورانيوم المخصب بنسبة 93 في المائة ويعمل للأغراض العسكرية. واستمرت العلاقات لتدخل منعطفا تراجعيا وصولا إلى حالة الحرب والتفاوض بالحرب اليوم.
حدث ذلك مع الثورة الإيرانية عام 1979 وسقوط حكم الشاه وبداية حكم الملالي ورفع شعار تصدير الثورة و«العدو الأكبر أمريكا» لتسود حالة من العداء والتوتر في العلاقات أبرزها أزمة رهائن السفارة الأمريكية واحتجاز العاملين فيها وعددهم 444 وذلك في عهد إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر والتي كانت تميل نحو الاحتواء وبعدها تم قطع العلاقات الدبلوماسية عام 1980 ثم تم الإفراج عن الرهائن في عهد إدارة الرئيس رونالد ريجان 1981.
ومن المراحل المهمة إعلان إدارة الرئيس جورج بوش الابن 2002 إيران وكوريا الشمالية كمحور الشر، لنأتي إلى عهد إدارة الرئيس أوباما وتوقيع الاتفاق النووي عام 2015 وأول اتصال هاتفي بعد ثلاثين عاما مع الرئيس حسن روحاني. لتدخل العلاقات إلى حالة من الهدوء والاستقرار. لنصل إلى المرحلة الحالية مع إدارة ترامب الأولى والانسحاب من الاتفاق النووي وفرض عقوبات وحصار، لتدخل العلاقات مرحلة الحرب مع الولاية الثانية بحرب الـ12 يوما 2025 والتي أعلنت فيها أمريكيا ضرب المفاعلات النووية، ثم حرب فبراير 2026 بمشاركة مباشرة من الولايات المتحدة وإسرائيل ووصلت ذروتها باغتيال المرشد خامنئي وعدد من القادة لتتطور الحرب بعدوان إيراني سافر على الدول العربية الخليجية ولتلوح في الأفق مظاهر الحرب الإقليمية والكونية الاقتصادية.
وهذا التطور الخطير دفع إلى بذل جهود دولية لوقف الحرب و فرض هدنه للتفاوض في إسلام آباد لتنتهي في الجولة الأولى دون إعلان وصول خيار الصفقة الكبرى، وليتم تمديدها والاستمرار في المفاوضات تجنبا لخيار الحرب الشاملة والبحث عن استراتيجية حفظ ماء الوجه للطرفين، وسعي كل طرف ليحقق الصفقة الكبرى التي يخرج منها كل طرف بإعلان الانتصار في هذه الحرب.
إن خيار الصفقة الكبرى تجسده المقترحات الأمريكية بنقاطها الـ15 وأبرزها تجريد إيران من قدراتها النووية والصاروخية والتخلي عن وكلائها في المنطقة كحزب الله ودمج إيران اقتصاديا وتحولها إلى دولة سلام وعدم اعتداء.
وترتكز هذه الصفقة الأمريكية على عناصر أولها تأكيد المصالح الأمريكية الثابتة في المنطقة وعدم تهديد إيران لهذه الثوابت والمصالح. وبالمقابل تقدمت إيران بورقتها ورؤيتها التفاوضية ذات النقاط العشر والتي تلخص عناصر الصفقة الكبرى كما تراها وتريدها ومن أبرزها الحفاظ على نظامها السياسي وضمانات عدم تجدد الحرب لتضمن إعادة الإعمار والاحتفاظ ببرنامج نووي للأغراض السلمية.
هذه العناصر تشكل في أدبيات التفاوض الحد الأقصى الذي يدخل فيه كل طرف مفاوض عملية التفاوض. لتبدأ عملية التنازل للحد الأدنى وهذا انعكاس للحرب ونتائجها ومدى اتجاه الولايات المتحدة لاستئناف الحرب من جديد.
وهناك عوامل أخرى تسهم في تشكيل وبلورة عناصر الصفقة الكبرى وتأثيرها على البعد الإقليمي والدولي. وهنا نشير إلى أن دول الخليج العربي رفضت الانزلاق في حرب ليست طرفا فيها لكنها مطالبة بأن تكون طرفا فاعلا وأحد عناصر الصفقة الكبرى. وأضف إلى ذلك الموقف الصيني والروسي ولعل ما يسهم في بلورة مقاربة الصفقة الكبرى أمريكيا وإيرانيا أن الحرب ليست خيارا مستداما رغم حصار أمريكا وفرض العقوبات وقدرتها على ضرب قدرات إيران الداخلية.
وهنا وكما يقول المفكر السياسي هوبز إن الجو العاصف لا يعني أن تسقط الأمطار. لكل هذه الأسباب والمتغيرات يظل الطرفان أقرب إلى مقاربة تحقيق الصفقة الكبرى والتي تحفظ ماء وجه كل منهما وتضمن له أن يخرج منتصرا، والمهم كيف نتحرك لتفادي أن تكون تلك الصفقة الكبرى المتوقعة على حساب المصالح الخليجية والعربية الكبرى.
{ أكاديمي فلسطيني مختص
في العلوم السياسية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك