العدد : ١٧٥٧٤ - الثلاثاء ٠٥ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٧٤ - الثلاثاء ٠٥ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

المفاوضات الأمريكية الإيرانية وخيارات الصفقة الكبرى

بقلم: د. ناجي صادق شراب

الجمعة ٢٤ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

تتأرجح‭ ‬المفاوضات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإيرانية‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الحرب‭ ‬وعقدة‭ ‬ثيوسيديدس‭ ‬الأمنية‭ ‬والوصول‭ ‬إلى‭ ‬خيار‭ ‬الصفقة‭ ‬الكبرى‭ ‬كنتيجة‭ ‬للحرب‭. ‬وهنا‭ ‬نستحضر‭ ‬ما‭ ‬خلص‭ ‬له‭ ‬ثيوسيديدس‭ ‬المؤرخ‭ ‬اليوناني‭ ‬في‭ ‬قراءته‭ ‬للحرب‭ ‬بين‭ ‬إسبرطة‭ ‬وأثينا‭ ‬قبل‭ ‬2500‭ ‬من‭ ‬الميلاد‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬أسس‭ ‬لنظرية‭ ‬القوة‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬وقوله‭ ‬بحتمية‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية،‭ ‬وإن‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬ركنين‭ ‬أساسيين‭ ‬العداوة‭ ‬والأمن‭ ‬وهما‭ ‬ما‭ ‬يفسران‭ ‬لنا‭ ‬السلوك‭ ‬السياسي‭ ‬للدول‭ ‬وخصوصا‭ ‬دول‭ ‬القوة‭ ‬التي‭ ‬تتنافس‭ ‬وتتصارع‭ ‬على‭ ‬مناطق‭ ‬النفوذ‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الحرب‭ ‬الجارية‭ ‬الآن‭. ‬فلا‭ ‬عداوة‭ ‬دائمة‭ ‬ولا‭ ‬صداقة‭ ‬دائمة‭ ‬وعدو‭ ‬اليوم‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬صديق‭ ‬الغد،‭ ‬وصديق‭ ‬اليوم‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬عدو‭ ‬الغد‭.‬

هذه‭ ‬القاعدة‭ ‬تنطبق‭ ‬على‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬أمريكا‭ ‬وإيران‭ ‬والتي‭ ‬شهدت‭ ‬كل‭ ‬أشكال‭ ‬العلاقات‭ ‬من‭ ‬التحالف‭ ‬والصداقة‭ ‬إلى‭ ‬العداء‭ ‬والحرب‭ ‬والتفاوض‭. ‬فالعلاقات‭ ‬تعود‭ ‬تاريخيا‭ ‬إلى‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر،‭ ‬والعلاقات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬عام‭ ‬1944‭ ‬وأخذت‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬طابع‭ ‬التفاهم‭ ‬التجاري‭ ‬والدبلوماسي‭. ‬ولعل‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬محطات‭ ‬هذه‭ ‬العلاقات‭ ‬العداء‭ ‬الرسمي‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬وبريطانيا‭ ‬بقيادة‭ ‬محمد‭ ‬مصدق‭ ‬وهو‭ ‬الحليف‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ثم‭ ‬الإطاحة‭ ‬بحكم‭ ‬مصدق‭ ‬بمساعدة‭ ‬الاستخبارات‭ ‬الأمريكية‭ ‬1953‭ ‬وعودة‭ ‬حكم‭ ‬الشاه‭.‬

‭ ‬واستمرت‭ ‬العلاقات‭ ‬طوال‭ ‬فترة‭ ‬حكم‭ ‬الشاه‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬التحالف‭ ‬ولعبت‭ ‬إيران‭ ‬دور‭ ‬أحد‭ ‬العمودين‭ ‬المتساندين‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬ومن‭ ‬مفارقات‭ ‬العلاقات‭ ‬مساهمة‭ ‬أمريكا‭ ‬بتزويد‭ ‬إيران‭ ‬بمفاعل‭ ‬طهران‭ ‬للأبحاث‭ ‬وهو‭ ‬مفاعل‭ ‬نووي‭ ‬ويعمل‭ ‬باليورانيوم‭ ‬المخصب‭ ‬بنسبة‭ ‬93‭ ‬في‭ ‬المائة‭ ‬ويعمل‭ ‬للأغراض‭ ‬العسكرية‭. ‬واستمرت‭ ‬العلاقات‭ ‬لتدخل‭ ‬منعطفا‭ ‬تراجعيا‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬الحرب‭ ‬والتفاوض‭ ‬بالحرب‭ ‬اليوم‭.‬

حدث‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬الثورة‭ ‬الإيرانية‭ ‬عام‭ ‬1979‭ ‬وسقوط‭ ‬حكم‭ ‬الشاه‭ ‬وبداية‭ ‬حكم‭ ‬الملالي‭ ‬ورفع‭ ‬شعار‭ ‬تصدير‭ ‬الثورة‭ ‬و«العدو‭ ‬الأكبر‭ ‬أمريكا‮»‬‭ ‬لتسود‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬العداء‭ ‬والتوتر‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬أبرزها‭ ‬أزمة‭ ‬رهائن‭ ‬السفارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬واحتجاز‭ ‬العاملين‭ ‬فيها‭ ‬وعددهم‭ ‬444‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬الأسبق‭ ‬جيمي‭ ‬كارتر‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬تميل‭ ‬نحو‭ ‬الاحتواء‭ ‬وبعدها‭ ‬تم‭ ‬قطع‭ ‬العلاقات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬عام‭ ‬1980‭ ‬ثم‭ ‬تم‭ ‬الإفراج‭ ‬عن‭ ‬الرهائن‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬رونالد‭ ‬ريجان‭ ‬1981‭.‬

ومن‭ ‬المراحل‭ ‬المهمة‭ ‬إعلان‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬جورج‭ ‬بوش‭ ‬الابن‭ ‬2002‭ ‬إيران‭ ‬وكوريا‭ ‬الشمالية‭ ‬كمحور‭ ‬الشر،‭ ‬لنأتي‭ ‬إلى‭ ‬عهد‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬أوباما‭ ‬وتوقيع‭ ‬الاتفاق‭ ‬النووي‭ ‬عام‭ ‬2015‭ ‬وأول‭ ‬اتصال‭ ‬هاتفي‭ ‬بعد‭ ‬ثلاثين‭ ‬عاما‭ ‬مع‭ ‬الرئيس‭ ‬حسن‭ ‬روحاني‭. ‬لتدخل‭ ‬العلاقات‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الهدوء‭ ‬والاستقرار‭. ‬لنصل‭ ‬إلى‭ ‬المرحلة‭ ‬الحالية‭ ‬مع‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬الأولى‭ ‬والانسحاب‭ ‬من‭ ‬الاتفاق‭ ‬النووي‭ ‬وفرض‭ ‬عقوبات‭ ‬وحصار،‭ ‬لتدخل‭ ‬العلاقات‭ ‬مرحلة‭ ‬الحرب‭ ‬مع‭ ‬الولاية‭ ‬الثانية‭ ‬بحرب‭ ‬الـ12‭ ‬يوما‭ ‬2025‭ ‬والتي‭ ‬أعلنت‭ ‬فيها‭ ‬أمريكيا‭ ‬ضرب‭ ‬المفاعلات‭ ‬النووية،‭ ‬ثم‭ ‬حرب‭ ‬فبراير‭ ‬2026‭ ‬بمشاركة‭ ‬مباشرة‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل‭ ‬ووصلت‭ ‬ذروتها‭ ‬باغتيال‭ ‬المرشد‭ ‬خامنئي‭ ‬وعدد‭ ‬من‭ ‬القادة‭ ‬لتتطور‭ ‬الحرب‭ ‬بعدوان‭ ‬إيراني‭ ‬سافر‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬الخليجية‭ ‬ولتلوح‭ ‬في‭ ‬الأفق‭ ‬مظاهر‭ ‬الحرب‭ ‬الإقليمية‭ ‬والكونية‭ ‬الاقتصادية‭.‬

‭ ‬وهذا‭ ‬التطور‭ ‬الخطير‭ ‬دفع‭ ‬إلى‭ ‬بذل‭ ‬جهود‭ ‬دولية‭ ‬لوقف‭ ‬الحرب‭ ‬و‭ ‬فرض‭ ‬هدنه‭ ‬للتفاوض‭ ‬في‭ ‬إسلام‭ ‬آباد‭ ‬لتنتهي‭ ‬في‭ ‬الجولة‭ ‬الأولى‭ ‬دون‭ ‬إعلان‭ ‬وصول‭ ‬خيار‭ ‬الصفقة‭ ‬الكبرى،‭ ‬وليتم‭ ‬تمديدها‭ ‬والاستمرار‭ ‬في‭ ‬المفاوضات‭ ‬تجنبا‭ ‬لخيار‭ ‬الحرب‭ ‬الشاملة‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬استراتيجية‭ ‬حفظ‭ ‬ماء‭ ‬الوجه‭ ‬للطرفين،‭ ‬وسعي‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬ليحقق‭ ‬الصفقة‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬يخرج‭ ‬منها‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬بإعلان‭ ‬الانتصار‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭.‬

إن‭ ‬خيار‭ ‬الصفقة‭ ‬الكبرى‭ ‬تجسده‭ ‬المقترحات‭ ‬الأمريكية‭ ‬بنقاطها‭ ‬الـ15‭ ‬وأبرزها‭ ‬تجريد‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬قدراتها‭ ‬النووية‭ ‬والصاروخية‭ ‬والتخلي‭ ‬عن‭ ‬وكلائها‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬كحزب‭ ‬الله‭ ‬ودمج‭ ‬إيران‭ ‬اقتصاديا‭ ‬وتحولها‭ ‬إلى‭ ‬دولة‭ ‬سلام‭ ‬وعدم‭ ‬اعتداء‭.‬

وترتكز‭ ‬هذه‭ ‬الصفقة‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬عناصر‭ ‬أولها‭ ‬تأكيد‭ ‬المصالح‭ ‬الأمريكية‭ ‬الثابتة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬وعدم‭ ‬تهديد‭ ‬إيران‭ ‬لهذه‭ ‬الثوابت‭ ‬والمصالح‭. ‬وبالمقابل‭ ‬تقدمت‭ ‬إيران‭ ‬بورقتها‭ ‬ورؤيتها‭ ‬التفاوضية‭ ‬ذات‭ ‬النقاط‭ ‬العشر‭ ‬والتي‭ ‬تلخص‭ ‬عناصر‭ ‬الصفقة‭ ‬الكبرى‭ ‬كما‭ ‬تراها‭ ‬وتريدها‭ ‬ومن‭ ‬أبرزها‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬نظامها‭ ‬السياسي‭ ‬وضمانات‭ ‬عدم‭ ‬تجدد‭ ‬الحرب‭ ‬لتضمن‭ ‬إعادة‭ ‬الإعمار‭ ‬والاحتفاظ‭ ‬ببرنامج‭ ‬نووي‭ ‬للأغراض‭ ‬السلمية‭.‬

هذه‭ ‬العناصر‭ ‬تشكل‭ ‬في‭ ‬أدبيات‭ ‬التفاوض‭ ‬الحد‭ ‬الأقصى‭ ‬الذي‭ ‬يدخل‭ ‬فيه‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬مفاوض‭ ‬عملية‭ ‬التفاوض‭. ‬لتبدأ‭ ‬عملية‭ ‬التنازل‭ ‬للحد‭ ‬الأدنى‭ ‬وهذا‭ ‬انعكاس‭ ‬للحرب‭ ‬ونتائجها‭ ‬ومدى‭ ‬اتجاه‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لاستئناف‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬جديد‭.‬

وهناك‭ ‬عوامل‭ ‬أخرى‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬وبلورة‭ ‬عناصر‭ ‬الصفقة‭ ‬الكبرى‭ ‬وتأثيرها‭ ‬على‭ ‬البعد‭ ‬الإقليمي‭ ‬والدولي‭. ‬وهنا‭ ‬نشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬رفضت‭ ‬الانزلاق‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬ليست‭ ‬طرفا‭ ‬فيها‭ ‬لكنها‭ ‬مطالبة‭ ‬بأن‭ ‬تكون‭ ‬طرفا‭ ‬فاعلا‭ ‬وأحد‭ ‬عناصر‭ ‬الصفقة‭ ‬الكبرى‭. ‬وأضف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬الموقف‭ ‬الصيني‭ ‬والروسي‭ ‬ولعل‭ ‬ما‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬بلورة‭ ‬مقاربة‭ ‬الصفقة‭ ‬الكبرى‭ ‬أمريكيا‭ ‬وإيرانيا‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬ليست‭ ‬خيارا‭ ‬مستداما‭ ‬رغم‭ ‬حصار‭ ‬أمريكا‭ ‬وفرض‭ ‬العقوبات‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬ضرب‭ ‬قدرات‭ ‬إيران‭ ‬الداخلية‭.‬

‭ ‬وهنا‭ ‬وكما‭ ‬يقول‭ ‬المفكر‭ ‬السياسي‭ ‬هوبز‭ ‬إن‭ ‬الجو‭ ‬العاصف‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬تسقط‭ ‬الأمطار‭. ‬لكل‭ ‬هذه‭ ‬الأسباب‭ ‬والمتغيرات‭ ‬يظل‭ ‬الطرفان‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬مقاربة‭ ‬تحقيق‭ ‬الصفقة‭ ‬الكبرى‭ ‬والتي‭ ‬تحفظ‭ ‬ماء‭ ‬وجه‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬وتضمن‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يخرج‭ ‬منتصرا،‭ ‬والمهم‭ ‬كيف‭ ‬نتحرك‭ ‬لتفادي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬تلك‭ ‬الصفقة‭ ‬الكبرى‭ ‬المتوقعة‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬المصالح‭ ‬الخليجية‭ ‬والعربية‭ ‬الكبرى‭.‬

 

{ أكاديمي‭ ‬فلسطيني‭ ‬مختص

‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا