العدد : ١٧٥٦٢ - الخميس ٢٣ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٦٢ - الخميس ٢٣ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

الطلاق العاطفي في العصر الرقمي.. بين ضغوط الحياة وتحديات الظروف الراهنة

بقلم: سناء عبدالجليل {

الخميس ٢٣ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

‮«‬أحدهما‭ ‬يتصفح‭ ‬الأخبار،‭ ‬والآخر‭ ‬يقضي‭ ‬وقتا‭ ‬في‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬اصدقائه،‭ ‬وفي‭ ‬أوقات‭ ‬أخرى‭ ‬يبحثان‭ ‬عما‭ ‬يخفف‭ ‬ضغوط‭ ‬الحياة‭ ‬أو‭ ‬يشغل‭ ‬وقت‭ ‬الفراغ‮»‬‭... ‬مشهد‭ ‬يتكرر‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأسر‭: ‬زوجان‭ ‬يعيشان‭ ‬تحت‭ ‬سقف‭ ‬واحد،‭ ‬لكن‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬في‭ ‬عالمه‭ ‬الخاص‭ ‬منشغل‭ ‬بجهازه‭ ‬الصغير‭. ‬هنا‭ ‬نطرح‭ ‬تساؤلاً‭ ‬هل‭ ‬حّلت‭ ‬الشاشة‭ ‬والرموز‭ ‬التعبيرية‭ ‬التواصل‭ ‬واللمسة‭ ‬الفعلية،‭ ‬ومع‭ ‬مرور‭ ‬الأيام‭ ‬اتسعت‭ ‬المسافة،‭ ‬ووصلت‭ ‬العلاقة‭ ‬الزوجية‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬تسمى‭ ‬بـ‮«‬الطلاق‭ ‬العاطفي‮»‬‭. ‬

يُقصد‭ ‬بالطلاق‭ ‬العاطفي‭ ‬‮«‬حالة‭ ‬الانفصال‭ ‬الوجداني‭ ‬الناشئة‭ ‬بين‭ ‬الزوجين‭ ‬والقطيعة‭ ‬النفسية‭ ‬الواقعة‭ ‬بينهما،‭ ‬وما‭ ‬ينشأ‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬عن‭ ‬الآخر‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬أمور‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية،‭ ‬وغياب‭ ‬روح‭ ‬التوافق‭ ‬والقواسم‭ ‬المشتركة‭ ‬بينهما‮»‬،‭ ‬ونرى‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬الطلاق‭ ‬العاطفي‭ ‬لا‭ ‬يحدث‭ ‬فجأة‭ ‬بل‭ ‬يتسلل‭ ‬بهدوء‭ ‬إلى‭ ‬العلاقة‭ ‬الزوجية‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬فتور‭ ‬في‭ ‬المشاعر‭ ‬وتراجع‭ ‬تدريجي‭ ‬في‭ ‬الاهتمام،‭ ‬حتى‭ ‬تتحول‭ ‬العلاقة‭ ‬من‭ ‬شراكة‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬المشاركة‭ ‬والدعم‭ ‬إلى‭ ‬علاقة‭ ‬شكلية‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الالتزامات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والأسرية‭.‬

يرتبط‭ ‬الطلاق‭ ‬العاطفي‭ ‬بدرجة‭ ‬استخدام‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬‮«‬حيث‭ ‬كلما‭ ‬كان‭ ‬استخدام‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬مرتفعاً،‭ ‬كان‭ ‬مستوى‭ ‬الطلاق‭ ‬العاطفي‭ ‬مرتفعا‮»‬‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬أعدته‭ ‬دراسة‭ ‬المومني‭ ‬2022،‭ ‬حول‭ ‬‮«‬الطلاق‭ ‬العاطفي‭ ‬وعلاقته‭ ‬باستخدام‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لدى‭ ‬المتزوجين‮»‬،‭ ‬والتي‭ ‬أجريت‭ ‬على‭ ‬عينة‭ ‬‮«‬360‮»‬‭ ‬متزوجاً،‭ ‬كشفت‭ ‬أن‭ ‬الاستخدام‭ ‬الزائد‭ ‬للعالم‭ ‬الافتراضي‭ ‬يؤثر‭ ‬على‭ ‬العلاقة‭ ‬الزوجية‭ ‬بكل‭ ‬أبعادها‭ ‬العاطفية‭ ‬والنفسية‭ ‬والحميمية،‭ ‬خاصة‭ ‬عندما‭ ‬تصبح‭ ‬الأجهزة‭ ‬الالكترونية‭ ‬عالما‭ ‬يقضي‭ ‬فيه‭ ‬الأزواج‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬الوقت،‭ ‬للتخفيف‭ ‬من‭ ‬الضغوط‭ ‬أو‭ ‬لمتابعة‭ ‬الأخبار‭ ‬ومستجدات‭ ‬الظروف‭ ‬الراهنة،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬التواصل‭ ‬ومشاركة‭ ‬المشاعر‭ ‬مع‭ ‬الشريك‭.‬

يظهر‭ ‬الطلاق‭ ‬العاطفي‭ ‬في‭ ‬تصرفات‭ ‬يومية‭ ‬يفعلها‭ ‬الزوجان‭ ‬وتبدو‭ ‬عادية،‭ ‬لكنها‭ ‬علامة‭ ‬على‭ ‬برود‭ ‬المشاعر‭ ‬بينهما،‭ ‬ومن‭ ‬أبرزها‭.. ‬انخفاض‭ ‬الحوار‭ ‬الزوجي‭ ‬الذي‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬الضروريات‭ ‬مثل‭ (‬مصاريف‭ ‬البيت،‭ ‬مواعيد‭ ‬الأطفال‭...)‬،‭ ‬غياب‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالسؤال‭ ‬عن‭ ‬الشريك‭ ‬وتفاصيل‭ ‬يومه،‭ ‬قلة‭ ‬المشاعر‭ ‬الإيجابية‭ ‬مثل‭ ‬التقدير‭ ‬والشكر‭ ‬أثناء‭ ‬التعامل‭ ‬اليومي،‭ ‬يفضل‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬قضاء‭ ‬وقت‭ ‬فراغه‭ ‬في‭ ‬متابعة‭ ‬الأخبار‭ ‬أو‭ ‬مشاهدة‭ ‬الفيديوهات‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الحديث‭ ‬مع‭ ‬شريكه،‭ ‬وهكذا‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭ ‬يتحول‭ ‬الصمت‭ ‬والحوار‭ ‬السطحي‭ ‬إلى‭ ‬لغة‭ ‬سائدة‭ ‬داخل‭ ‬البيت‭ ‬فيشعر‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬بالوحدة‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬وجودهما‭ ‬معاً‭ ‬تحت‭ ‬سقف‭ ‬واحد،‭ ‬فتصبح‭ ‬العلاقة‭ ‬مجرد‭ ‬تعايش‭ ‬تفرضه‭ ‬المسؤوليات‭ ‬والضغوط‭.‬

تُعد‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الرقمية‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬أسباب‭ ‬‮«‬الفجوة‭ ‬الزوجية‮»‬‭ ‬المعاصرة،‭ ‬إذ‭ ‬تستنزف‭ ‬الوقت‭ ‬المخصص‭ ‬للتواصل‭ ‬العاطفي‭ ‬وتستبدله‭ ‬بانشغال‭ ‬دائم‭ ‬بمواقع‭ ‬التواصل‭. ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬حول‭ ‬العلاقة‭ ‬من‭ ‬شراكة‭ ‬وجدانية‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬تعايش‭ ‬يفرضه‭ ‬الواجب،‭ ‬وزاد‭ ‬من‭ ‬حدة‭ ‬الفجوة‭ ‬عبر‭ ‬دفع‭ ‬الزوجين‭ ‬الى‭ ‬مقارنة‭ ‬حياتهما‭ ‬بصورة‭ ‬مثالية‭ ‬زائفة‭ ‬مع‭ ‬الآخرين‭.‬

كما‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬تأثير‭ ‬الطلاق‭ ‬العاطفي‭ ‬على‭ ‬العلاقة‭ ‬الزوجية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬على‭ ‬الأبناء‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يُعلن‭ ‬ذلك‭ ‬بشكل‭ ‬صريح،‭ ‬حيث‭ ‬يشعر‭ ‬الأبناء‭ ‬ببرود‭ ‬الأجواء‭ ‬داخل‭ ‬البيت،‭ ‬فينعكس‭ ‬على‭ ‬شعورهم‭ ‬بالأمان‭ ‬والاستقرار‭ ‬النفسي،‭ ‬ويزيد‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات‭ ‬والضغوط‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬المجتمع‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الراهن‭.‬

أخيراً‭.. ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬دفء‭ ‬العلاقة‭ ‬الزوجية‭ ‬مسؤولية‭ ‬مشتركة،‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬وعي‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬الموازنة‭ ‬بين‭ ‬الحياة‭ ‬الحقيقية‭ ‬والعالم‭ ‬الرقمي،‭ ‬وبداية‭ ‬الوقاية‭ ‬تكون‭ ‬بحرص‭ ‬الزوجين‭ ‬على‭ ‬الوجود‭ ‬الفعلي‭ ‬مع‭ ‬بعضهما،‭ ‬وجعل‭ ‬التواصل‭ ‬أولوية‭ ‬بينهما‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تخصيص‭ ‬وقت‭ ‬للحوار‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الأجهزة‭ ‬الالكترونية‭. ‬وتحديداً‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات‭ ‬والظروف‭ ‬الصعبة‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬فيه‭ ‬الأسرة‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬وتقارب‭ ‬أكثر‭.‬

 

{‭ ‬باحثة‭ ‬اجتماعية‭ ‬بمركز‭ ‬

عائشة‭ ‬يتيم‭ ‬للإرشاد‭ ‬الأسري‭. ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا