«أحدهما يتصفح الأخبار، والآخر يقضي وقتا في التواصل مع اصدقائه، وفي أوقات أخرى يبحثان عما يخفف ضغوط الحياة أو يشغل وقت الفراغ»... مشهد يتكرر في كثير من الأسر: زوجان يعيشان تحت سقف واحد، لكن كل منهما في عالمه الخاص منشغل بجهازه الصغير. هنا نطرح تساؤلاً هل حّلت الشاشة والرموز التعبيرية التواصل واللمسة الفعلية، ومع مرور الأيام اتسعت المسافة، ووصلت العلاقة الزوجية إلى مرحلة تسمى بـ«الطلاق العاطفي».
يُقصد بالطلاق العاطفي «حالة الانفصال الوجداني الناشئة بين الزوجين والقطيعة النفسية الواقعة بينهما، وما ينشأ عن ذلك من بعد كل منهما عن الآخر في أغلب أمور الحياة اليومية، وغياب روح التوافق والقواسم المشتركة بينهما»، ونرى هنا أن الطلاق العاطفي لا يحدث فجأة بل يتسلل بهدوء إلى العلاقة الزوجية على شكل فتور في المشاعر وتراجع تدريجي في الاهتمام، حتى تتحول العلاقة من شراكة قائمة على المشاركة والدعم إلى علاقة شكلية تقتصر على الالتزامات الاجتماعية والأسرية.
يرتبط الطلاق العاطفي بدرجة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي «حيث كلما كان استخدام مواقع التواصل الاجتماعي مرتفعاً، كان مستوى الطلاق العاطفي مرتفعا» هذا ما أعدته دراسة المومني 2022، حول «الطلاق العاطفي وعلاقته باستخدام مواقع التواصل الاجتماعي لدى المتزوجين»، والتي أجريت على عينة «360» متزوجاً، كشفت أن الاستخدام الزائد للعالم الافتراضي يؤثر على العلاقة الزوجية بكل أبعادها العاطفية والنفسية والحميمية، خاصة عندما تصبح الأجهزة الالكترونية عالما يقضي فيه الأزواج كثيراً من الوقت، للتخفيف من الضغوط أو لمتابعة الأخبار ومستجدات الظروف الراهنة، بدلاً من التواصل ومشاركة المشاعر مع الشريك.
يظهر الطلاق العاطفي في تصرفات يومية يفعلها الزوجان وتبدو عادية، لكنها علامة على برود المشاعر بينهما، ومن أبرزها.. انخفاض الحوار الزوجي الذي يقتصر على الضروريات مثل (مصاريف البيت، مواعيد الأطفال...)، غياب الاهتمام بالسؤال عن الشريك وتفاصيل يومه، قلة المشاعر الإيجابية مثل التقدير والشكر أثناء التعامل اليومي، يفضل كل طرف قضاء وقت فراغه في متابعة الأخبار أو مشاهدة الفيديوهات بدلاً من الحديث مع شريكه، وهكذا مع مرور الوقت يتحول الصمت والحوار السطحي إلى لغة سائدة داخل البيت فيشعر كل طرف بالوحدة على الرغم من وجودهما معاً تحت سقف واحد، فتصبح العلاقة مجرد تعايش تفرضه المسؤوليات والضغوط.
تُعد التكنولوجيا الرقمية أحد أبرز أسباب «الفجوة الزوجية» المعاصرة، إذ تستنزف الوقت المخصص للتواصل العاطفي وتستبدله بانشغال دائم بمواقع التواصل. هذا الواقع حول العلاقة من شراكة وجدانية إلى مجرد تعايش يفرضه الواجب، وزاد من حدة الفجوة عبر دفع الزوجين الى مقارنة حياتهما بصورة مثالية زائفة مع الآخرين.
كما لا يقتصر تأثير الطلاق العاطفي على العلاقة الزوجية فحسب، بل حتى على الأبناء وإن لم يُعلن ذلك بشكل صريح، حيث يشعر الأبناء ببرود الأجواء داخل البيت، فينعكس على شعورهم بالأمان والاستقرار النفسي، ويزيد من ذلك أوقات الأزمات والضغوط التي يعيشها المجتمع في الوقت الراهن.
أخيراً.. الحفاظ على دفء العلاقة الزوجية مسؤولية مشتركة، تحتاج إلى وعي وقدرة على الموازنة بين الحياة الحقيقية والعالم الرقمي، وبداية الوقاية تكون بحرص الزوجين على الوجود الفعلي مع بعضهما، وجعل التواصل أولوية بينهما من خلال تخصيص وقت للحوار بعيدا عن الأجهزة الالكترونية. وتحديداً في أوقات الأزمات والظروف الصعبة التي تحتاج فيه الأسرة إلى دعم وتقارب أكثر.
{ باحثة اجتماعية بمركز
عائشة يتيم للإرشاد الأسري.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك