هذه ليست بالسياسة الخارجية الأمريكية المعتادة. فقد نحاول جاهدين فرض تفسير منطقي على سلوك دونالد ترامب وأسلوبه، وذلك من خلال ربطه بعقيدة ما، أو باستراتيجية أو حتى بإيديولوجية. لكن هذا الجهد لن يجدي نفعا في نهاية المطاف. فلا يوجد إطار متماسك يفسر ما يحدث.
إن ما يقوم به الرئيس دونالد ترامب لا ينسجم مع السياسة الإمبريالية الأمريكية التقليدية. تلك السياسة القائمة على - العنيف، الاستغلالي، المهيمن - لطالما كانت مدفوعًة بمصالح واضحة تتلخص في: السيطرة على الأسواق، والممرات المائية، والفضاء الجيوسياسي. إنها سياسة جائرة ولكنها عقلانية ويمكن توقعها.
إن سلوك دونالد ترامب مختلف. فهو متقلب، ومنفصل بشكل متزايد حتى عن أبسط منطق للسلطة. هذه السياسة التي يمارسها الرئيس دونالد ترامب ليس احتواءً أيضاً. فالاحتواء يتطلب تحالفات، وتخطيطاً طويل الأمد، وسعياً محسوباً نحو الاستقرار. أما ما نشهده بدلاً من ذلك - من إيران إلى أوروبا إلى أمريكا اللاتينية - فهو تفكيك التحالفات وتآكل الاستقرار نفسه.
وحتى الرأسمالية، في أشد صورها عدوانية وجشعا، تعتمد على القدرة على التنبؤ. فهي تستخدم الحرب والتدخل كأدوات، ولكن دائمًا بهدف التوسع والربح والسيطرة. في المقابل، تعمل سياسات الرئيس دونالد ترامب على زعزعة استقرار الأسواق على المديين القصير والطويل، وفرض حصار على الممرات المائية دون استراتيجية، وجر الحلفاء إلى صراعات بلا نتائج محددة.
هذه ليست استراتيجية. إنها توجهات تؤدي إلى اضطراب وفوضى بلا هدف.
إنّ الميل إلى البحث عن دوافع خفية، سواء أكانت تتمثل في فضائح أم تتعلق بعملية تشتيت سياسي، إنما يُغفل جوهر المسألة. فالرئيس دونالد ترامب لم ينطلق قط فيما يقوم به من أساس أخلاقي أو استراتيجي متماسك. إن اختزال الأزمة الحالية إلى تفسير واحد يحول دون فهم حجمها. إن ما اختلف الآن هو مستوى المخاطر.
وجه مدير وكالة المخابرات المركزية السابق، جون برينان، بوضوح انتقادات لاذعة إلى الرئيس دونالد ترامب. لم يكن ما عبر عنه من تحذير مجرد كلام عابر، بل إنه ذهب أبعد من ذلك، مستشهداً بالتعديل الخامس والعشرين للدستور الأمريكي، ومؤكداً أن سلوك ترامب «يستحق عزله من منصبه». لقد كان تركيزه على صلاحيات الرئيس هو الأمر الأكثر إثارة للقلق.
وقال برينان: «إن قدرته (الرئيس دونالد ترامب) على الاستمرار في منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة والتحكم في القدرات الهائلة للجيش الأمريكي، بما في ذلك قدراتنا النووية، يضعنا حقاً في أوقات عصيبة للغاية». لم تكن انتقادات سياسية عادية، بل هي صادرة عن شخصية متغلغلة بعمق في جهاز الاستخبارات الأمريكي، وهو جهاز نادرًا ما يتحدث بهذه الصراحة.
لم يكد يمر يوم واحد حتى راح الرئيس دونالد ترامب يصعد من حدة انتقاداته، وهذه المرة استهدف البابا ليو الرابع عشر. ففي بيان مطوّل، وصف ترامب البابا بأنه «متساهل مع الجريمة» و«سيئ للغاية في السياسة الخارجية»، متهمًا إياه بالانحياز إلى «اليسار الراديكالي»، بل وألمح إلى أن بأبويته كانت تدبيرًا سياسيًا ردًا على ترامب نفسه. وصرح قائلًا: «لو لم أكن في البيت الأبيض، لما كان ليو في الفاتيكان». لم يكن هذا مجرد تصرفٍ متسرع، بل كان خروجا عن المألوف. إذ يوجد أكثر من مليار كاثوليكي حول العالم، من بينهم عشرات الملايين في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها. أما البابا فهو ليس مجرد شخصية دينية، بل هو مرجع أخلاقي عالمي ذو نفوذ سياسي عابر للقارات.
لذلك فإن مهاجمته علناً بهذه المصطلحات من شأنه أن يثير شرخاً ثقافياً وسياسياً يتجاوز بكثير حدود السياسة الداخلية. وعند مقارنة ذلك بخطاب ترامب المتكرر الذي يستهدف العرب والمسلمين، يصبح النمط أكثر وضوحاً. هذا ليس سلوكاً معزولاً، بل هو تصعيد واسع النطاق عبر جبهات حضارية وثقافية وسياسية متعددة.
إن هذا الخطاب المثير للجدل الذي يردده ويكرره الرئيس دونالد ترامب إنما يستدعي في أقصى صوره صدى كتاب صموئيل هنتنجتون «صدام الحضارات»، ولكن من دون الإطار التحليلي، وما يتبقى هو محاولة غير متسقة لمواجهة عوالم متعددة في آن واحد.
لا يُدير الرئيس دونالد ترامب الصراع، بل يُؤجّجه. فحتى الصور المصاحبة لرسائله تعكس هذا التحوّل. فالصورة التي يُقدّمها لا تُوحي بالدبلوماسية أو ضبط النفس، بل بهوية قومية متشددة مُغلّفة برموز دينية، وهو قلبٌ للتقاليد التي يحاول الدفاع عنها.
وفي الوقت نفسه، تغيب المقاومة السياسية الفعّالة داخل الولايات المتحدة الأمريكية إلى حد كبير. فما هو موجود بدلاً من ذلك هو رد فعل مجزأ وغير فعال. فقد انحازت القيادة الجمهورية، باستثناءات قليلة، بشكل كامل إلى جانب الرئيس دونالد ترامب أو فضّلت الصمت على المواجهة. وفي هذا المعسكر، لا يُعدّ الاختلاف في الرأي نادراً فحسب، بل هو مكلف سياسياً.
من جانبها، فقد فشلت المؤسسة الديمقراطية في تقديم تحدٍّ متماسك. فبينما تنتقد سلوك الرئيس دونالد ترامب وخطابه، إلا أنها لا تعارض جوهرياً مسار التصعيد الأوسع. وفي القضايا الرئيسية، ولا سيما إيران، غالباً ما يكون الخلاف تكتيكياً لا مبدئياً، والنتيجة هي شكل من أشكال المعارضة يُظهر الاستياء دون ممارسة ضبط النفس الحقيقي.
وباستثناء عدد قليل من الأصوات المعارضة، لا توجد جهود مؤسسية مستدامة للحد من سلطة الرئيس. ولم يتحرك الكونجرس بأي شكل فعّال. أما الآليات الموجودة خصيصاً لمواجهة الأزمات -كالرقابة والضغط التشريعي وحتى الأحكام الدستورية– فإنها ما زالت معطلة إلى حد كبير.
عملياً، هذا يعني أن الرئيس دونالد ترامب يعمل بأقل قدر من المقاومة الداخلية. ليس لأن المعارضة مستحيلة، بل لأنها لم تتبلور بشكل مؤثر سياسياً. إن غياب أي ضبط حقيقي ليس مصادفة، بل هو الشرط الأساسي الذي يسمح للمسار الحالي بالاستمرار دون رادع.
أما خارج واشنطن، فالعواقب باتت واضحة للعيان. يستغل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومته هذه اللحظة، وهم يواصلون التقدم وسط الفوضى. فبالنسبة إليهم، لا يمثل عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات الرئيس دونالد ترامب عائقاً، بل فرصة.
لكن من غير المرجح أن يُفضي هذا التوافق إلى النتائج المرجوة. فالحروب التي تُشنّ دون استراتيجية لا تُعيد تشكيل المناطق بطرق يُمكن التنبؤ بها أو توقعها، بل تُنشئ جهات فاعلة جديدة، وديناميات جديدة، وعواقب غير مقصودة. وقد لا يتوافق الشرق الأوسط الذي سينبثق من هذا التصعيد مع أي أجندة قائمة، سواءً كانت إسرائيلية أو أمريكية أو غيرها.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك