العدد : ١٧٥٦١ - الأربعاء ٢٢ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٦١ - الأربعاء ٢٢ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

دور الخدمات اللوجستية في كيفية التعامل مع الأزمات

الأربعاء ٢٢ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

لم‭ ‬تعد‭ ‬الخدمات‭ ‬اللوجستية‭ ‬أو‭ ‬اللوجستيات‭ ‬في‭ ‬عصرنا‭ ‬الراهن‭ ‬مجرد‭ ‬نشاط‭ ‬تشغيلي‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬نقل‭ ‬البضائع‭ ‬من‭ ‬نقطة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬فكرية‭ ‬واستراتيجية‭ ‬متكاملة‭ ‬تشكل‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬لاستقرار‭ ‬الاقتصادات‭ ‬واستمرارية‭ ‬المؤسسات‭ ‬والحكومات‭. ‬ومع‭ ‬تصاعد‭ ‬التحديات‭ ‬العالمية،‭ ‬واضطراب‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد،‭ ‬وتسارع‭ ‬التغيرات‭ ‬التقنية‭ ‬والجيوسياسية،‭ ‬باتت‭ ‬الخدمات‭ ‬اللوجستية‭ ‬الذكية‭ ‬عنصراً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬الدول‭ ‬والشركات‭ ‬على‭ ‬الصمود،‭ ‬والتكيف،‭ ‬والنمو‭.‬

ومن‭ ‬منطلق‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬مستويات‭ ‬خدمة‭ ‬تتماشى‭ ‬مع‭ ‬مؤشرات‭ ‬الأداء‭ ‬الموضوعة،‭ ‬أصبح‭ ‬التخطيط‭ ‬اللوجستي‭ ‬الحديث‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬أساسي‭ ‬مفاده‭ ‬أن‭ ‬المستقبل‭ ‬لا‭ ‬ينتظر،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬الاستعداد‭ ‬له‭ ‬بنفس‭ ‬مستويات‭ ‬الاستعدادات‭ ‬العسكرية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الصرامة‭ ‬والحزم‭. ‬فالمنظمات‭ ‬الناجحة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تفكر‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬تلبية‭ ‬احتياجات‭ ‬اليوم،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬حالات‭ ‬الغد،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬طوارئ‭ ‬مفاجئة،‭ ‬أو‭ ‬زيادة‭ ‬غير‭ ‬متوقعة‭ ‬في‭ ‬الطلب،‭ ‬أو‭ ‬تغيرات‭ ‬استراتيجية‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬أصبح‭ ‬التخطيط‭ ‬لجميع‭ ‬الاحتمالات‭(‬Scenario‭ ‬Planning‭) ‬مبدأ‭ ‬يدرس‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الجامعات‭ ‬العريقة‭ ‬هدفه‭ ‬بناء‭ ‬نماذج‭ ‬تشغيلية‭ ‬مرنة‭ ‬تتماشى‭ ‬مع‭ ‬مستوى‭ ‬التغيرات‭ ‬السريع،‭ ‬وتحليل‭ ‬نقاط‭ ‬الضعف‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬الإمداد،‭ ‬والاستعداد‭ ‬لانقطاعات‭ ‬الموردين‭ ‬أو‭ ‬تعطل‭ ‬المنافذ‭ ‬أو‭ ‬تغير‭ ‬التشريعات‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬كثير‭ ‬الحدوث‭ ‬مؤخراً‭ ‬خصوصا‭ ‬في‭ ‬مناطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬التي‭ ‬تعد‭ ‬على‭ ‬صفيح‭ ‬ساخن‭ ‬من‭ ‬التوترات‭ ‬الجيوساسية‭. ‬وتكمن‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التخطيط‭ ‬في‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬رد‭ ‬الفعل‭ ‬إلى‭ ‬الفعل‭ ‬الاستباقي‭ ‬ومفاجأة‭ ‬المنافسين‭ ‬بحلول‭ ‬مبتكرة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬بالحسبان‭.‬

ففي‭ ‬الأزمات،‭ ‬تفقد‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المفاهيم‭ ‬التقليدية‭ ‬معناها،‭ ‬ويصبح‭ ‬عامل‭ ‬الزمن‭ ‬هو‭ ‬العملة‭ ‬الأكثر‭ ‬قيمة‭. ‬فالأحداث‭ ‬الطارئة،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬كوارث‭ ‬طبيعية‭ ‬أو‭ ‬أزمات‭ ‬صحية‭ ‬أو‭ ‬توترات‭ ‬سياسية،‭ ‬تكشف‭ ‬مدى‭ ‬جاهزية‭ ‬الأنظمة‭ ‬اللوجستية‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬الاستجابة‭ ‬السريعة‭ ‬دون‭ ‬انهيار‭. ‬وهنا‭ ‬يأتي‭ ‬دور‭ ‬الإدارة‭ ‬الفعالة‭ ‬للطوارئ‭ ‬اللوجستية‭ ‬التي‭ ‬تتطلب‭ ‬وجود‭ ‬خطط‭ ‬واضحة،‭ ‬ومخزون‭ ‬استراتيجي‭ ‬مدروس،‭ ‬وتعدد‭ ‬مصادر‭ ‬التوريد،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬جاهزية‭ ‬وسائل‭ ‬النقل‭ ‬والمسارات‭ ‬البديلة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬التدريب‭ ‬المسبق‭ ‬للكوادر،‭ ‬وتفويض‭ ‬الصلاحيات،‭ ‬وتبسيط‭ ‬إجراءات‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار،‭ ‬كلها‭ ‬عوامل‭ ‬تلعب‭ ‬دوراً‭ ‬محورياً‭ ‬في‭ ‬تقليل‭ ‬الخسائر‭ ‬واستمرار‭ ‬العمليات‭ ‬الحيوية‭.‬

وجميعنا‭ ‬تابعنا‭ ‬كيف‭ ‬كان‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬الكمامات‭ ‬الطبية‭ ‬وقت‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا‭ ‬يتزايد‭ ‬يوما‭ ‬بعد‭ ‬يوم‭ ‬مع‭ ‬ازدياد‭ ‬حدة‭ ‬الجائحة‭ ‬بنسب‭ ‬لم‭ ‬نعهدها‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أو‭ ‬زيادة‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬العملات‭ ‬الرقمية‭ ‬عندما‭ ‬ازدادت‭ ‬القيمة‭ ‬السوقية‭ ‬لعملة‭ ‬البيتكوين‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بنسب‭ ‬تفوق‭ ‬صاحب‭ ‬التفكير‭ ‬البسيط‭ ‬أو‭ ‬السطحي‭. ‬

ولهذا‭ ‬السبب،‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬أصعب‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬مديري‭ ‬اللوجستيات‭ ‬هو‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الزيادات‭ ‬المفاجئة‭ ‬أو‭ ‬الموسمية‭ ‬في‭ ‬الطلب‭. ‬ففي‭ ‬غياب‭ ‬التخطيط،‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬هذه‭ ‬الزيادات‭ ‬إلى‭ ‬اختناقات‭ ‬تشغيلية،‭ ‬وتأخير‭ ‬في‭ ‬التسليم،‭ ‬وارتفاع‭ ‬في‭ ‬التكاليف،‭ ‬وخسارة‭ ‬ثقة‭ ‬العملاء‭ ‬مع‭ ‬خسائر‭ ‬مادية‭ ‬جسيمة‭.‬

ويعد‭ ‬المنهج‭ ‬الاحترافي‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الطلب‭ ‬المتغير‭ ‬مع‭ ‬التنبؤ‭ ‬المبني‭ ‬على‭ ‬البيانات،‭ ‬ودراسة‭ ‬الأنماط‭ ‬التاريخية،‭ ‬وربط‭ ‬ذلك‭ ‬بقدرة‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬على‭ ‬التوسع‭ ‬أو‭ ‬الانكماش‭ ‬بسرعة‭ ‬أمور‭ ‬جوهرية‭ ‬في‭ ‬نجاح‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الأزمات‭. ‬كما‭ ‬يعد‭ ‬الزمن‭ ‬في‭ ‬اللوجستيات‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬عنصر‭ ‬مساعد،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬أصل‭ ‬استراتيجي‭ ‬يجب‭ ‬استثماره‭ ‬بكفاءة‭. ‬فالتخطيط‭ ‬الزمني‭ ‬لا‭ ‬يشمل‭ ‬توفير‭ ‬الكميات‭ ‬المناسبة‭ ‬فقط‭ ‬التي‭ ‬تتماشى‭ ‬مع‭ ‬المتغيرات‭ ‬في‭ ‬الأسواق،‭ ‬بل‭ ‬يشمل‭ ‬إدارة‭ ‬أوقات‭ ‬النقل،‭ ‬وجدولة‭ ‬عمليات‭ ‬الشحن‭ ‬والتفريغ،‭ ‬وتحديد‭ ‬نوافذ‭ ‬التسليم‭.‬

أما‭ ‬عن‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬الأرخص‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الأوفر‮»‬‭ ‬في‭ ‬اللوجستيات‭. ‬فالطريق‭ ‬الأقل‭ ‬تكلفة‭ ‬مالياً‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬الأعلى‭ ‬مخاطرة،‭ ‬أو‭ ‬الأكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للتأخير‭. ‬لذلك،‭ ‬أصبح‭ ‬اختيار‭ ‬طرق‭ ‬النقل‭ ‬قراراً‭ ‬استراتيجياً‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬مزيج‭ ‬من‭ ‬الكلفة،‭ ‬والموثوقية‭. ‬ولذلك،‭ ‬من‭ ‬المنطلق‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬فإن‭ ‬التنويع‭ ‬في‭ ‬المسارات‭ ‬ووسائل‭ ‬النقل‭ ‬ضرورة‭ ‬لتقليل‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬خيار‭ ‬واحد،‭ ‬وزيادة‭ ‬قدرة‭ ‬المؤسسة‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬الأزمات‭.‬

وهناك‭ ‬عديد‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬التي‭ ‬تحرص‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬وجود‭ ‬الخطط‭ ‬البديلة‭ ‬Plan‭ ‬B‭ ‬Plan‭ ‬C‭ ‬وتعتبرها‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬أعمدة‭ ‬النضج‭ ‬اللوجستي‭. ‬فوجود‭ ‬خطة‭ ‬بديلة‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬توقع‭ ‬الفشل،‭ ‬بل‭ ‬يعني‭ ‬الاعتراف‭ ‬بأن‭ ‬العالم‭ ‬غير‭ ‬قابل‭ ‬للتنبؤ‭ ‬بالكامل‭. ‬وهنا‭ ‬فان‭ ‬توفير‭ ‬مورد‭ ‬بديل،‭ ‬أو‭ ‬مسار‭ ‬احتياطي،‭ ‬أو‭ ‬مركز‭ ‬توزيع‭ ‬ثانوي،‭ ‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬عبئاً‭ ‬في‭ ‬الأوقات‭ ‬المستقرة،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الأزمات‭ ‬يختصر‭ ‬خسائر‭ ‬كبيرة،‭ ‬ويحمي‭ ‬سمعة‭ ‬المؤسسة،‭ ‬ويضمن‭ ‬استمرارية‭ ‬الخدمة‭. ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬البدائل‭ ‬قابلة‭ ‬للتفعيل‭ ‬الفوري،‭ ‬ومختبرة‭ ‬مسبقاً،‭ ‬وليست‭ ‬مجرد‭ ‬وثائق‭ ‬نظرية‭ ‬لتفادي‭ ‬المدققين‭ ‬الخارجين‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬التدقيق‭.‬

‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬فإن‭ ‬اعتبار‭ ‬الخدمات‭ ‬اللوجستية‭ ‬وظيفة‭ ‬داعمة‭ ‬تعمل‭ ‬في‭ ‬الخلفية‭ ‬وليس‭ ‬قسما‭ ‬أساسيا‭ ‬في‭ ‬الواجهة‭ ‬الأمامية‭ ‬للمؤسسة‭ ‬يضعف‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬ويخلخل‭ ‬التوازنات‭ ‬للمؤسسات‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬المواد‭. ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬شريكاً‭ ‬رئيسياً‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬الكبرى‭ ‬وقرارات‭ ‬التوسع،‭ ‬أو‭ ‬دخول‭ ‬أسواق‭ ‬جديدة،‭ ‬أو‭ ‬تبنّي‭ ‬نماذج‭ ‬أعمال‭ ‬مبتكرة،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تنجح‭ ‬دون‭ ‬بنية‭ ‬لوجستية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬دعمها‭.‬

أما‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬اللوجستيات‭ ‬فقد‭ ‬أصبح‭ ‬أمرا‭ ‬جوهرياً‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬التفكير‭ ‬والإدارة‭ ‬واتخاذ‭ ‬القرار‭. ‬فالاستثمار‭ ‬في‭ ‬التقنيات‭ ‬الرقمية‭ ‬اليوم‭ ‬يعني‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬بيئات‭ ‬تشغيل‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬ردّ‭ ‬الفعل‭ ‬والتقدير‭ ‬البشري،‭ ‬إلى‭ ‬منظومات‭ ‬ذكية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الرصد‭ ‬اللحظي،‭ ‬والتنبؤ،‭ ‬والتكيّف‭ ‬مع‭ ‬المتغيرات‭ ‬وتبني‭ ‬أنظمة‭ ‬رقمية‭ ‬متكاملة‭ ‬لإدارة‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬لتوفير‭ ‬رؤية‭ ‬شاملة‭ ‬ومترابطة‭ ‬لكل‭ ‬مراحل‭ ‬السلسلة،‭ ‬من‭ ‬المورد‭ ‬إلى‭ ‬المستفيد،‭ ‬ويمنح‭ ‬متخذي‭ ‬القرار‭ ‬قدرة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬على‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬التدفقات‭ ‬وتقليل‭ ‬الهدر‭ ‬والاستجابة‭ ‬السريعة‭ ‬للأزمات‭.‬

كذلك‭ ‬نؤكد‭ ‬أن‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬استثمار‭ ‬البيانات‭ ‬الضخمة‭ ‬وتحليلها‭ ‬بصورة‭ ‬منهجية،‭ ‬بما‭ ‬يحوّل‭ ‬البيانات‭ ‬من‭ ‬عبء‭ ‬تشغيلي‭ ‬إلى‭ ‬أصل‭ ‬استراتيجي‭ ‬يُستخدم‭ ‬لفهم‭ ‬الطلب،‭ ‬وقياس‭ ‬الأداء،‭ ‬واكتشاف‭ ‬المخاطر‭ ‬قبل‭ ‬تفاقمها‭.‬

وفي‭ ‬الختام،‭ ‬يبقى‭ ‬أن‭ ‬التدبير‭ ‬الرشيد‭ ‬والاستعداد‭ ‬المسبق‭ ‬سنّة‭ ‬كونية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكونا‭ ‬ممارسة‭ ‬إدارية‭ ‬حديثة،‭ ‬وقد‭ ‬أشار‭ ‬إليهما‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬قصة‭ ‬نبي‭ ‬الله‭ ‬يوسف‭ ‬عليه‭ ‬السلام،‭ ‬حين‭ ‬وضع‭ ‬نموذجاً‭ ‬متكاملاً‭ ‬للتخطيط‭ ‬الاستباقي‭ ‬وإدارة‭ ‬الموارد‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الأزمات،‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭:‬

‭(‬قَالَ‭ ‬تَزْرَعُونَ‭ ‬سَبْعَ‭ ‬سِنِينَ‭ ‬دَأَبًا‭ ‬فَمَا‭ ‬حَصَدْتُّمْ‭ ‬فَذَرُوهُ‭ ‬فِي‭ ‬سُنْبُلِهِ‭ ‬إِلَّا‭ ‬قَلِيلًا‭ ‬مِمَّا‭ ‬تَأْكُلُونَ‭ * ‬ثُمَّ‭ ‬يَأْتِي‭ ‬مِن‭ ‬بَعْدِ‭ ‬ذَلِكَ‭ ‬سَبْعٌ‭ ‬شِدَادٌ‭ ‬يَأْكُلْنَ‭ ‬مَا‭ ‬قَدَّمْتُمْ‭ ‬لَهُنَّ‭ ‬إِلَّا‭ ‬قَلِيلًا‭ ‬مِّمَّا‭ ‬تُحْصِنُونَ‭).‬

فهذه‭ ‬الآيات‭ ‬ترسّخ‭ ‬مبدأ‭ ‬التخطيط‭ ‬بعيد‭ ‬المدى،‭ ‬وإدارة‭ ‬الفائض،‭ ‬والاستعداد‭ ‬لسنوات‭ ‬الشدة‭ ‬قبل‭ ‬وقوعها،‭ ‬وهي‭ ‬ذات‭ ‬المبادئ‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬عليها‭ ‬الخدمات‭ ‬اللوجستية‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬أرقى‭ ‬صورها‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬نجاح‭ ‬المؤسسات‭ ‬والدول‭ ‬لا‭ ‬يُقاس‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الرخاء‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بمدى‭ ‬جاهزيتها‭ ‬للمستقبل،‭ ‬وحكمتها‭ ‬في‭ ‬التدبير،‭ ‬ووعيها‭ ‬بأن‭ ‬الاستعداد‭ ‬الجيد‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬الضمان‭ ‬الحقيقي‭ ‬لاستقرار‭ ‬الغد‭.‬

 

{‭ ‬مختص‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الطاقة‭ ‬والتخطيط‭ ‬الاستراتيجي

a‭.‬s‭.‬civil‭.‬88@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا