تتجاوز تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، منذ اندلاعها في 28 فبراير 2026، مروراً بإعلان وقف إطلاق النار فجر يوم 8 أبريل الجاري، حدودها العسكرية المباشرة، لتفرض تأثيرات ممتدة في التفاعلات السياسية والاقتصادية عالمياً، خاصة في سياق الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة في عدد من الدول. فقد أدت هذه الحرب إلى تصاعد حدة الضغوط الاقتصادية وتزايد المخاوف الأمنية واحتدام الاستقطاب السياسي داخل عديد من المجتمعات؛ مما ينعكس بدوره على اتجاهات الناخبين وأنماط التصويت.
وفي ظل تداخل الأزمات العالمية، من اضطرابات أسواق الطاقة إلى تصاعد التوترات الجيوسياسية؛ تبدو الانتخابات المقبلة في عدد من الدول خلال عام 2026 محكومة بعوامل تتجاوز القضايا الداخلية إلى تأثيرات البيئة الدولية.
تأثير في الناخبين:
تحولت الحرب في الشرق الأوسط إلى عامل مؤثر في السلوك الانتخابي بعد أن أنتجت آثاراً مست الحياة اليومية للمواطنين في أنحاء العالم. فالتأثيرات المعيشية تُشكل أحد أهم محددات التوجه السياسي للمواطنين، وبالتالي تسببت الحرب في إعادة تشكيل الأجندات الانتخابية في الدول التي تترقب استحقاقات انتخابية في عام 2026، وصارت مجريات الحرب في صلب اهتمام الساسة وهم يخاطبون قواعدهم ويُجرون التحديثات على خططهم للفوز في بيئة تتأثر لحظياً بتطورات الأحداث وتعيد ترتيب أولويات الجميع بدرجة أو بأخرى.
وتتعدد أنماط التأثير ما بين اقتصادي وسياسي وأمني، مع الأخذ في الاعتبار اختلاف هذه الأنماط ما بين دولة وأخرى. فمع حضور الأبعاد الاقتصادية في كل الحالات، إلا أن وجود الولايات المتحدة كطرف أصيل في هذه الحرب يحمل تداعيات هائلة تتعلق بحسابات أمنية وسياسية معقدة تتجاوز أهمية التأثيرات الاقتصادية المؤقتة في عدد من المناطق.
وقد أدى غلق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس الإمدادات العالمية للنفط والغاز المسال، إلى إرسال موجات صدمة في جميع أنحاء العالم؛ إذ مثّل تهديداً مباشراً للأوضاع الاقتصادية؛ مما يضغط على شعبية بعض الحكومات نتيجة ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف الشحن والتضخم. فتعطل سلاسل الإمداد يرفع أسعار الطاقة؛ مما يؤثر في كلفة المعيشة للمواطنين؛ وهو ما قد يدفع الناخبين في بعض الدول إلى تقييم أداء حكوماتهم بشكل سلبي؛ ومن ثم قد يخدم هذا الوضع الأحزاب المعارضة.
انتخابات الكونجرس الأمريكي:
من المقرر أن يتم إجراء انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي في نوفمبر المقبل، والتي ستحدد ما إذا كان الرئيس الجمهوري، دونالد ترامب، سيواجه أغلبية ديمقراطية في الكونجرس أم يحتفظ حزبه بالغالبية التي يتمتع بها في مجلسي النواب والشيوخ. فخلال انتخابات التجديد النصفي، يُعاد انتخاب كل أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 435 عضواً، بالإضافة إلى نحو ثلث مجلس الشيوخ؛ أي نحو 35 عضواً من إجمالي 100.
تاريخياً، كان للحروب الخارجية تأثير واضح في نتائج الانتخابات النصفية، وفي حال خسارة الجمهوريين سيفقدون السيطرة على الكونجرس؛ ما قد يغل يد إدارة ترامب عن تمرير تشريعات رئيسية خلال العامين المتبقيين من ولايته.
وبينما يعمل الجمهوريون على احتواء تداعيات حرب إيران؛ يستعد الديمقراطيون لاستثمارها سياسياً. فهذه الحرب تكشف عن خريطة انقسام داخل المجتمع الأمريكي وداخل الحزبين الكبيرين، فالحزب الديمقراطي يبدو أكثر تماسكاً في رفضه للحرب وانتقاد كلفتها الباهظة، فيما يبرز الانقسام الأكثر أهمية داخل الحزب الجمهوري الذي يخوض معركة للحفاظ على تماسك قاعدته الصلبة، ويجاهد بصعوبة للاحتفاظ بفئات أسهمت في صعوده الأخير تحت راية «أمريكا أولاً»، بوصفها وعداً بتقليص الالتزامات الخارجية لا توسيعها. فقطاع من الشباب الذين انضموا إلى الحزب الجمهوري حديثاً يشعرون بشيء من خيبة الأمل تجاه مواقف الرئيس ترامب، خاصة فيما يتعلق بحربه على إيران، ويتأثرون بشدة بشخصيات إعلامية مثل تاكر كارلسون وغيره من المؤثرين في الحزب الجمهوري.
أما بالنسبة إلى الديمقراطيين، فالحرب في الشرق الأوسط قد تمنحهم فرصاً لبناء خطاب انتخابي يربط بين التأثيرات الاقتصادية الناجمة عن الحرب والخلل في أولويات الإدارة الجمهورية، كما تتماشى تصريحات العديد من الديمقراطيين مع اتجاه شعبي يرى أن هذه الحرب جاءت بدفع من إسرائيل وليس من منطلق المصالح الأمريكية.
ويبدو أن الجمهوريين سيكونون أكبر ضحايا هذه الحرب في الداخل الأمريكي؛ إذ يستعد الديمقراطيون لاستعادة السيطرة على مجلس النواب.
ويخشى الجمهوريون من أن تؤدي التداعيات الاقتصادية للحرب إلى خسارتهم للدوائر المتأرجحة التي غالباً ما تُحسم بفوارق ضئيلة، ولا سيّما أن الأوضاع الحالية تتطلب، إلى حد ما، عكس الرسائل الانتخابية التي صاغها الحزب الجمهوري خلال الأشهر الماضية قبل اندلاع الحرب، والتي ركزت أساساً على تحسن الاقتصاد وتراجع التضخم، وتدرك قيادات الحزب أن أي صدمة اقتصادية تنعكس نتائجها في بطاقات الاقتراع.
الانتخابات الإسرائيلية:
من المقرر إجراء الانتخابات التشريعية في إسرائيل في أواخر أكتوبر 2026، وقد أظهر استطلاع رأي أُجري في 19 مارس الماضي أن حزب الليكود الذي يتزعمه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، سيواجه صعوبة في تشكيل ائتلاف حاكم.
ويبدو نتنياهو في أمسّ الحاجة إلى البقاء في السلطة وإلا سيواجه احتمال استئناف محاكماته بتهم الفساد، ويراهن خلال الصراع مع إيران على ثلاثة رهانات في آنٍ واحد؛ هي أن تُفضي الحرب إلى تغيير النظام الإيراني، وأن يستمر الطرف الأمريكي في الحرب فترة طويلة حتى تحقيق كل الأهداف، وأن تبقى الخسائر البشرية الإسرائيلية في حدودها الدنيا. غير أن هذا الرهان محفوف بالمخاطر؛ إذ يعتمد بدرجة كبيرة على موقف ترامب من الحرب.
غير أن آمال حزب الليكود تظل مرهونة بمسار حرب إيران؛ فلو حققت الحرب، بعد انتهائها تماماً، أهداف نتنياهو، قد يدفعه ذلك إلى المسارعة بإعلان انتخابات مبكرة استباقاً لتغير المزاج الشعبي، وكذلك قبل حلول ذكرى السابع من أكتوبر
وتقدم حرب الـ12 يوماً في يونيو 2025 درساً لافتاً في هذا الصدد؛ فلم تُفضِ الحرب آنذاك إلى أي انعكاس إيجابي حقيقي على أرقام الائتلاف الحاكم في إسرائيل؛ ما يعني أن التأييد الشعبي للحرب لا يُترجم بالضرورة إلى مكاسب انتخابية، وأن الناخب الإسرائيلي يفصل بوضوح لافت بين تأييده للعمليات العسكرية وثقته بالقيادة السياسية.
الانتخابات الأوروبية:
يواجه الناخبون في عدد من دول العالم، ولا سيّما في القارة الأوروبية، خيارات مصيرية في صناديق الاقتراع خلال العام الحالي. وفي ظل التداعيات الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط، يتأثر المشهد الانتخابي في الدول الأوروبية بهذه التطورات، وهو ما يتضح فيما يلي:
1- المجر: سجل رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، أطول فترة حكم متواصلة في الاتحاد الأوروبي، ولكنه سقط في الانتخابات الأخيرة، وشهدت الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 12 أبريل الجاري منافسة قوية من زعيم المعارضة، بيتر ماجيار، الذي يقود حزب تيسا، ولا يختلف توجهه كثيراً عن حزب أوربان، فيدس، في القضايا المجتمعية مثل الهجرة؛ لكن ماغيار يدافع بقوة عن تحسين القدرة الشرائية للمجريين التي تُعد من أدنى المستويات في أوروبا، وعن تحسين العلاقات مع الاتحاد الأوروبي. وأظهرت النتائج الرسمية فوز حزب تيسا بقيادة ماغيار على حزب فيدس، واضعاً بذلك حداً لمسيرة سياسية لأوربان استمرت 16 عاماً في السلطة.
2- إسبانيا: عانى حزب العمال الاشتراكي الإسباني، الذي يتزعمه رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، من تراجع ملحوظ في الانتخابات الإقليمية السابقة، ويتطلع إلى تحقيق تقدم في الانتخابات الإقليمية المقررة في 17 مايو المقبل في الأندلس، في مواجهة حزب الشعب المعارض المنتمي ليمين الوسط.
ورفض سانشيز مشاركة مدريد في حرب إيران، وأغلق المجال الجوي الإسباني أمام الطائرات الأمريكية المشاركة في الضربات ومنعها من استخدام القواعد العسكرية المشتركة في جنوب إسبانيا، ويسعى الآن إلى تعزيز شرعيته بعد سلسلة من الأزمات التي أضرت بالفرص الانتخابية لحزبه. ومع تماهي موقفه مع غالبية الشعب الإسباني، اكتسب سانشيز شهرة كواحد من أكثر منتقدي الهجمات الأمريكية والإسرائيلية صراحة في أوروبا، وبرزت هذه القضية في التجمعات الانتخابية لمختلف الأحزاب.
3- ألمانيا: تشهد ألمانيا انتخابات إقليمية حاسمة في العام الحالي، وسط مخاوف من تصاعد اليمين. فمن المقرر إجراء انتخابات في سبتمبر المقبل بولايتي ساكسونيا أنهالت ومكلنبورغ فوربومرن في شرقي ألمانيا، ويتصدر الاستطلاعات حالياً في كلتا الولايتين حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف الذي يدعو إلى إنهاء العقوبات على النفط الروسي، ويستغل أزمة الطاقة الحالية الناجمة عن حرب إيران لتعزيز حجته في حملته الانتخابية. ويريد المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، إبقاء العقوبات على موسكو من أجل دعم موقف أوكرانيا، بينما تنتظر غالبية الألمان من الحكومة الاتحادية قبل كل شيء أن تفعل شيئاً حيال ارتفاع أسعار الطاقة.
إعادة ترتيب الأولويات: يتضح أن تداعيات الحرب في الشرق الأوسط أسهمت في إعادة ترتيب أولويات الناخبين في عديد من الدول، مع تصدّر قضايا الأمن والطاقة وتكاليف المعيشة للنقاش العام؛ مما ينعكس بدرجات متفاوتة على فرص الحكومات في الاستحقاقات الانتخابية خلال الفترة الحالية.
{ باحث متخصص في العلاقات الدولية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك