العدد : ١٧٥٦١ - الأربعاء ٢٢ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٦١ - الأربعاء ٢٢ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

بمناسبة يوم الأرض العالمي ..
استخلفكم في الأرض.. فلا تدمروها

بقلم: نبيلة رجب

الأربعاء ٢٢ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

أحرص‭ ‬دائما‭ ‬على‭ ‬شراء‭ ‬المنتج‭ ‬المحلي،‭ ‬وبخاصة‭ ‬الزراعي‭ ‬منه،‭ ‬كالخضروات‭ ‬وبعض‭ ‬أنواع‭ ‬الفواكه‭ ‬وسائر‭ ‬ما‭ ‬تجود‭ ‬به‭ ‬أرضنا‭. ‬وإذا‭ ‬سألني‭ ‬أحد‭ ‬عن‭ ‬السبب،‭ ‬أجيب‭ ‬بما‭ ‬أؤمن‭ ‬به‭ ‬حقا؛‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬أنتجته‭ ‬هذه‭ ‬التربة‭ ‬يناسب‭ ‬هذا‭ ‬الجسد‭ ‬لأنهما‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬واحد‭. ‬قناعة‭ ‬تعمّقت‭ ‬فيّ‭ ‬مع‭ ‬السنوات،‭ ‬وزادها‭ ‬رسوخاً‭ ‬ما‭ ‬قرأته‭ ‬من‭ ‬دراسات‭ ‬يؤكد‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭. ‬وفي‭ ‬إحدى‭ ‬عوداتي‭ ‬من‭ ‬فرشة‭ ‬الخضروات،‭ ‬لفت‭ ‬نظري‭ ‬سائق‭ ‬حافلة‭ ‬توقف‭ ‬بجانبي‭ ‬عند‭ ‬الإشارة،‭ ‬في‭ ‬يده‭ ‬طماطم‭ ‬حمراء‭ ‬يأكلها‭ ‬باستمتاع‭ ‬وتلذذ‭.‬

مشهد‭ ‬عادي‭ ‬ربما‭ ‬لدى‭ ‬البعض،‭ ‬لكنه‭ ‬وقع‭ ‬في‭ ‬ذهني‭. ‬ونحن‭ ‬في‭ ‬خضم‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬حولنا‭ ‬نتساءل،‭ ‬هل‭ ‬نقدِّر‭ ‬ما‭ ‬تمنحنا‭ ‬إياه‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬حقاً؟‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬يطرحه‭ ‬العالم‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬في‭ ‬الثاني‭ ‬والعشرين‭ ‬من‭ ‬أبريل‭.‬

منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خمسين‭ ‬عاماً،‭ ‬توقف‭ ‬العالم‭ ‬يوماً‭ ‬ليعلن‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬للأرض‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يُحتمل‭. ‬خرج‭ ‬الملايين‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬لأن‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬تتعرض‭ ‬له‭ ‬الأرض‭ ‬من‭ ‬تلوث‭ ‬صناعي‭ ‬وتدمير‭ ‬متسارع‭ ‬بلغ‭ ‬حداً‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهله‭. ‬ومن‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬تحوّل‭ ‬الثاني‭ ‬والعشرون‭ ‬من‭ ‬أبريل‭ ‬إلى‭ ‬يوم‭ ‬يذكّر‭ ‬الإنسان‭ ‬بما‭ ‬ينساه‭ ‬في‭ ‬ضجيج‭ ‬حياته‭. ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬شعاره‭ ‬‮«‬قوتنا‭ ‬كوكبنا‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬شعار‭ ‬يحمل‭ ‬معنى‭ ‬أعمق‭ ‬مما‭ ‬يبدو،‭ ‬لأن‭ ‬القوة‭ ‬الحقيقية‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬الأرض‭ ‬تنبع‭ ‬من‭ ‬خيارات‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬منا‭ ‬في‭ ‬يومه‭.‬

الحروب‭ ‬من‭ ‬أشد‭ ‬ما‭ ‬يدمر‭ ‬الأرض،‭ ‬وهذه‭ ‬حقيقة‭ ‬يغفل‭ ‬عنها‭ ‬كثيرون‭ ‬إذ‭ ‬يحتفلون‭ ‬بيوم‭ ‬الأرض‭. ‬المتفجرات‭ ‬تُشبع‭ ‬التربة‭ ‬بمعادن‭ ‬ثقيلة‭ ‬تجعلها‭ ‬عقيمة‭ ‬عشرات‭ ‬السنين،‭ ‬والمياه‭ ‬الجوفية‭ ‬تتلوث‭ ‬بمواد‭ ‬كيميائية‭ ‬تسري‭ ‬فيها‭ ‬ببطء،‭ ‬والهواء‭ ‬يمتلئ‭ ‬بجسيمات‭ ‬دقيقة‭ ‬تبقى‭ ‬فيه‭ ‬طويلاً‭. ‬والأراضي‭ ‬الزراعية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تطعم‭ ‬أسراً‭ ‬بأكملها‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬أرض‭ ‬جرداء‭. ‬العلماء‭ ‬يقولون‭ ‬إن‭ ‬الأثر‭ ‬البيئي‭ ‬لحرب‭ ‬واحدة‭ ‬قد‭ ‬يفوق‭ ‬ما‭ ‬تنتجه‭ ‬دول‭ ‬بأكملها‭ ‬من‭ ‬انبعاثات‭ ‬في‭ ‬سنوات‭. ‬الأرض‭ ‬تتألم‭ ‬في‭ ‬صمت،‭ ‬وجرحها‭ ‬يظل‭ ‬في‭ ‬التربة‭ ‬والماء‭ ‬والهواء‭ ‬طويلاً‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يخبو‭ ‬صوت‭ ‬المدافع‭.‬

البحرين‭ ‬كجزيرة‭ ‬صغيرة‭ ‬ما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬إرث‭ ‬وهوية‭ ‬وارتباط‭ ‬بأرضها‭ ‬وبحرها‭ ‬أكبر‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬حجمها‭. ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬محدودة‭ ‬المساحة‭ ‬أثبتت‭ ‬أنها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬العطاء‭ ‬متى‭ ‬أحسن‭ ‬الإنسان‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭. ‬خضروات‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬تربتها،‭ ‬وبحر‭ ‬يمنح‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تمنحه‭ ‬بحار‭ ‬كثيرة‭. ‬ولعل‭ ‬أجمل‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نفعله‭ ‬تجاه‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬كهذا‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬نعمّق‭ ‬ثقافة‭ ‬المنتج‭ ‬المحلي،‭ ‬أن‭ ‬نختاره‭ ‬واعين‭ ‬لا‭ ‬عادةً،‭ ‬وأن‭ ‬نفهم‭ ‬أن‭ ‬شراءه‭ ‬دعم‭ ‬لأرضنا‭ ‬وصون‭ ‬لما‭ ‬تنتجه‭. ‬توسيع‭ ‬الزراعة‭ ‬المحلية‭ ‬وحماية‭ ‬البيئة‭ ‬ضرورة‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬اختيار‭ ‬ما‭ ‬تضعه‭ ‬على‭ ‬مائدتك‭.‬

وأمام‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬التهديد،‭ ‬يبقى‭ ‬أقوى‭ ‬رد‭ ‬عن‭ ‬الأرض‭ ‬أن‭ ‬يتمسك‭ ‬بها‭ ‬الإنسان‭ ‬ويختار‭ ‬البقاء‭ ‬عليها،‭ ‬فحب‭ ‬الإنسان‭ ‬لترابه‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬قانون‭ ‬يحميها‭. ‬من‭ ‬يزرع‭ ‬ويبني‭ ‬ويربّي‭ ‬أبناءه‭ ‬على‭ ‬حب‭ ‬هذه‭ ‬التربة،‭ ‬يحميها‭ ‬بطريقة‭ ‬لا‭ ‬تستطيعها‭ ‬اتفاقيات‭.‬

الجذور‭ ‬التي‭ ‬يضربها‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬أرضه‭ ‬هي‭ ‬أمتن‭ ‬سياج‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحظى‭ ‬به‭. ‬والبحريني‭ ‬الذي‭ ‬يعرف‭ ‬اسم‭ ‬كل‭ ‬نخلة‭ ‬في‭ ‬منطقته،‭ ‬ويتذكر‭ ‬رائحة‭ ‬البحر‭ ‬وقت‭ ‬ابتعاده،‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬داخله‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لأي‭ ‬سلاح‭ ‬أن‭ ‬يدمره،‭ ‬ذاكرة‭ ‬حية‭ ‬مع‭ ‬أرض‭ ‬لا‭ ‬تنسى‭ ‬من‭ ‬أحبها‭.‬

الطبيعة‭ ‬لا‭ ‬تيأس،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬تعلّمه‭ ‬العلماء‭ ‬إذ‭ ‬رصدوا‭ ‬كيف‭ ‬عادت‭ ‬الحياة‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬دُمِّرت‭ ‬تدميراً‭ ‬كاملاً،‭ ‬عادت‭ ‬الأشجار،‭ ‬وعاد‭ ‬الماء،‭ ‬وعادت‭ ‬الطيور‭. ‬الأرض‭ ‬فيها‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬التعافي‭ ‬تفوق‭ ‬ما‭ ‬نتصوره،‭ ‬لكنها‭ ‬تحتاج‭ ‬شرطاً‭ ‬واحداً،‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬تتوقف‭ ‬الحروب‭. ‬السلام‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬قيمة‭ ‬إنسانية‭ ‬نتمناها،‭ ‬هو‭ ‬شرط‭ ‬بيئي‭ ‬تحتاجه‭ ‬الأرض‭ ‬كما‭ ‬يحتاجه‭ ‬الإنسان‭. ‬وما‭ ‬إن‭ ‬تنتهي‭ ‬الحروب‭ ‬وتصمت‭ ‬الأسلحة،‭ ‬تبدأ‭ ‬الأرض‭ ‬رحلتها‭ ‬نحو‭ ‬الشفاء‭ ‬بهدوء‭ ‬وإصرار،‭ ‬كأنها‭ ‬تعرف‭ ‬أن‭ ‬الحياة‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يحاول‭ ‬إطفاءها‭.‬

ولعل‭ ‬أبلغ‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬معنى‭ ‬حماية‭ ‬الأرض‭ ‬ما‭ ‬أودعه‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬الكريم‭ ‬منذ‭ ‬أمد‭ ‬بعيد،‭ ‬إذ‭ ‬جعل‭ ‬الإنسان‭ ‬خليفة‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬لا‭ ‬مالكاً‭ ‬لها‭. ‬والخليفة‭ ‬مؤتمن‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬استُخلف‭ ‬عليه،‭ ‬وتدميره‭ ‬خيانة‭ ‬لهذه‭ ‬الأمانة‭. ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬يسبق‭ ‬كل‭ ‬المناسبات‭ ‬البيئية‭ ‬وكل‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬الدولية،‭ ‬ويضع‭ ‬المسؤولية‭ ‬حيث‭ ‬تنتمي،‭ ‬في‭ ‬أمانة‭ ‬حملها‭ ‬الإنسان‭ ‬يوم‭ ‬استُخلف‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭.‬

وأنا‭ ‬أفكر‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬هذا،‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬ذهني‭ ‬ذلك‭ ‬السائق‭ ‬وطماطمته‭ ‬الحمراء‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يفكر‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬الأرض‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬البيئية،‭ ‬كان‭ ‬فقط‭ ‬يأكل‭ ‬مما‭ ‬أعطته‭ ‬الأرض‭ ‬ويمضي‭ ‬في‭ ‬يومه‭ ‬مطمئناً‭. ‬وهذا‭ ‬الاطمئنان‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬نخشى‭ ‬أن‭ ‬تسرقه‭ ‬الحروب،‭ ‬فخسارة‭ ‬الأرض‭ ‬خسارة‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬يربطنا‭ ‬بها‭. ‬يوم‭ ‬الأرض‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬رسالة‭ ‬واضحة‭ ‬بأن‭ ‬كوكبنا‭ ‬المشترك‭ ‬يستحق‭ ‬منا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬احتفال‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬واحد‭. ‬الأرض‭ ‬صبورة،‭ ‬وما‭ ‬زرعناه‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬حب‭ ‬وعناية‭ ‬هو‭ ‬وحده‭ ‬ما‭ ‬سيبقى‭ ‬حين‭ ‬تنتهي‭ ‬كل‭ ‬الحروب‭.‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا