أحرص دائما على شراء المنتج المحلي، وبخاصة الزراعي منه، كالخضروات وبعض أنواع الفواكه وسائر ما تجود به أرضنا. وإذا سألني أحد عن السبب، أجيب بما أؤمن به حقا؛ إن ما أنتجته هذه التربة يناسب هذا الجسد لأنهما من أصل واحد. قناعة تعمّقت فيّ مع السنوات، وزادها رسوخاً ما قرأته من دراسات يؤكد هذا المعنى. وفي إحدى عوداتي من فرشة الخضروات، لفت نظري سائق حافلة توقف بجانبي عند الإشارة، في يده طماطم حمراء يأكلها باستمتاع وتلذذ.
مشهد عادي ربما لدى البعض، لكنه وقع في ذهني. ونحن في خضم ما يجري حولنا نتساءل، هل نقدِّر ما تمنحنا إياه هذه الأرض حقاً؟ هذا السؤال يطرحه العالم كل عام في الثاني والعشرين من أبريل.
منذ أكثر من خمسين عاماً، توقف العالم يوماً ليعلن أن ما يحدث للأرض لم يعد يُحتمل. خرج الملايين في ذلك اليوم لأن ما كانت تتعرض له الأرض من تلوث صناعي وتدمير متسارع بلغ حداً لا يمكن تجاهله. ومن تلك اللحظة تحوّل الثاني والعشرون من أبريل إلى يوم يذكّر الإنسان بما ينساه في ضجيج حياته. هذا العام شعاره «قوتنا كوكبنا»، وهو شعار يحمل معنى أعمق مما يبدو، لأن القوة الحقيقية في حماية الأرض تنبع من خيارات كل واحد منا في يومه.
الحروب من أشد ما يدمر الأرض، وهذه حقيقة يغفل عنها كثيرون إذ يحتفلون بيوم الأرض. المتفجرات تُشبع التربة بمعادن ثقيلة تجعلها عقيمة عشرات السنين، والمياه الجوفية تتلوث بمواد كيميائية تسري فيها ببطء، والهواء يمتلئ بجسيمات دقيقة تبقى فيه طويلاً. والأراضي الزراعية التي كانت تطعم أسراً بأكملها تتحول إلى أرض جرداء. العلماء يقولون إن الأثر البيئي لحرب واحدة قد يفوق ما تنتجه دول بأكملها من انبعاثات في سنوات. الأرض تتألم في صمت، وجرحها يظل في التربة والماء والهواء طويلاً بعد أن يخبو صوت المدافع.
البحرين كجزيرة صغيرة ما تحمله من إرث وهوية وارتباط بأرضها وبحرها أكبر بكثير من حجمها. هذه الأرض التي تبدو محدودة المساحة أثبتت أنها قادرة على العطاء متى أحسن الإنسان التعامل معها. خضروات تخرج من تربتها، وبحر يمنح ما لا تمنحه بحار كثيرة. ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله تجاه هذه الأرض في يوم كهذا هو أن نعمّق ثقافة المنتج المحلي، أن نختاره واعين لا عادةً، وأن نفهم أن شراءه دعم لأرضنا وصون لما تنتجه. توسيع الزراعة المحلية وحماية البيئة ضرورة تبدأ من اختيار ما تضعه على مائدتك.
وأمام كل هذا التهديد، يبقى أقوى رد عن الأرض أن يتمسك بها الإنسان ويختار البقاء عليها، فحب الإنسان لترابه أقوى من أي قانون يحميها. من يزرع ويبني ويربّي أبناءه على حب هذه التربة، يحميها بطريقة لا تستطيعها اتفاقيات.
الجذور التي يضربها الإنسان في أرضه هي أمتن سياج يمكن أن تحظى به. والبحريني الذي يعرف اسم كل نخلة في منطقته، ويتذكر رائحة البحر وقت ابتعاده، يحمل في داخله ما لا يمكن لأي سلاح أن يدمره، ذاكرة حية مع أرض لا تنسى من أحبها.
الطبيعة لا تيأس، وهذا ما تعلّمه العلماء إذ رصدوا كيف عادت الحياة إلى مناطق دُمِّرت تدميراً كاملاً، عادت الأشجار، وعاد الماء، وعادت الطيور. الأرض فيها قدرة على التعافي تفوق ما نتصوره، لكنها تحتاج شرطاً واحداً، هو أن تتوقف الحروب. السلام ليس فقط قيمة إنسانية نتمناها، هو شرط بيئي تحتاجه الأرض كما يحتاجه الإنسان. وما إن تنتهي الحروب وتصمت الأسلحة، تبدأ الأرض رحلتها نحو الشفاء بهدوء وإصرار، كأنها تعرف أن الحياة أقوى من كل ما يحاول إطفاءها.
ولعل أبلغ تعبير عن معنى حماية الأرض ما أودعه الله في كتابه الكريم منذ أمد بعيد، إذ جعل الإنسان خليفة في الأرض لا مالكاً لها. والخليفة مؤتمن على ما استُخلف عليه، وتدميره خيانة لهذه الأمانة. هذا المفهوم يسبق كل المناسبات البيئية وكل الاتفاقيات الدولية، ويضع المسؤولية حيث تنتمي، في أمانة حملها الإنسان يوم استُخلف على هذه الأرض.
وأنا أفكر في كل هذا، يعود إلى ذهني ذلك السائق وطماطمته الحمراء. لم يكن يفكر في يوم الأرض ولا في الاتفاقيات البيئية، كان فقط يأكل مما أعطته الأرض ويمضي في يومه مطمئناً. وهذا الاطمئنان هو ما نخشى أن تسرقه الحروب، فخسارة الأرض خسارة لكل ما يربطنا بها. يوم الأرض هذا العام رسالة واضحة بأن كوكبنا المشترك يستحق منا أكثر من احتفال في يوم واحد. الأرض صبورة، وما زرعناه فيها من حب وعناية هو وحده ما سيبقى حين تنتهي كل الحروب.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك