بعد أن احتفلت دولة الاحتلال بالدم والدمار، الذي طال كل لبنان بما في ذلك العاصمة بيروت، انطلاقاً من حديث واشنطن، عن أن اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران لا يشمل لبنان، لكن الرئيس الأمريكي ترامب تراجع، وطلب أو أنه أمر دولة الاحتلال بأن تتوقف عن القصف مدة 10 أيام.
غير أن ترامب الذي كان قد وافق على أن النقاط العشر التي نقلها الوسيط الباكستاني كي تشكل أساساً جيّداً للمفاوضات، تراجع عن هذا البند الخاص بلبنان، تحت ضغط من قبل رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو واللوبي الصهيوني، وفي ظنّه أن إيران ستتراجع تحت ضغط الحاجة إلى اتفاق يضمن مصالحها الخاصة.
المفاوضات لم تتوقف رغم فشل الجلسة الأولى التي استغرقت 21 ساعة، بحسب نائب الرئيس الأمريكي دي فانس، لكنها تواصلت بكثافة وظهر من خلالها أن موضوع لبنان قد يتسبب من بين قضايا أخرى في إفشال المفاوضات التي يرغب ترامب في أن تؤدي إلى وقف الحرب بما يمكن الحصول عليه من مؤشّرات تدعم خطابه الانتصاري.
الحرب لم تتوقّف عملياً، فهي تستمر عبر مفاوضات متزامنة مع إعلان ترامب فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، مع ما يلوح في الأفق من إمكانية إغلاق باب المندب، ما سيعمّق الأزمة المتعلقة بالطاقة وسلاسل الإمداد.
هنا يبدو أن ترامب وجد نفسه أمام خيارات صعبة، فإمّا المصلحة الأمريكية، وإما الاستمرار في مجاراة نتنياهو الذي يسعى إلى حروب لا نهاية لها.
فجأة ومن دون سابق إنذار، قرر ترامب أن لبنان جزء من اتفاق وقف إطلاق النار، ويفاجئ نتنياهو بضرورة التوقف فوراً، عن مواصلة القصف مدة 10 أيام، مبرراً ذلك بأنه سيحقق السلام للمرة التاسعة أو العاشرة، من خلال مفاوضات إسرائيلية لبنانية بإشراف أمريكي.
خضع نتنياهو ولم يعد قادراً على الرفض أو مواصلة المناورة، وامتنع عن أن يطرح الأمر على «الكابينت» أي الحكومة الأمنية الإسرائيلية المصغرة للتصويت، فما أمر به ترامب هو الخيار صفر.
جاء أمر ترامب بالتوقف بينما كانت جبهة بنت جبيل في جنوب لبنان محتدمة قتاليا، تصرّ قوات الغزو الإسرائيلية على حسمها، والاستعجال في التقدم البرّي حتى نهر الليطاني والتوقف سوف يعني ما يعني فشلاً إسرائيلياً في تحقيق الحدّ الأدنى من الأهداف التي يعلنها نتنياهو صباح مساء.
لم ينجح جيش الاحتلال في حسم معركة بنت جبيل، أو التمدّد على كامل الجنوب اللبناني حتى الليطاني، رغم أنه أحرز بعض التقدّم.
هكذا بدا أن نتنياهو فاقد القدرة على اتخاذ القرار، وأنه لا يستطيع وما كان له أن يستطيع فعل كل ما فعله، دون غطاء ومشاركة ودعم أمريكي.
من المؤكّد أن خضوع نتنياهو لقرار ترامب لا يعني بأي حال قبول الالتزام، وبأنه سيجد طريقة ما، لتجاوز ذلك القرار.
وجاء استهداف قوات «اليونيفيل» حيث قتل جندي فرنسي وأصيب ثلاثة آخرون، واتهام «حزب الله» بالمسؤولية ليثير علامات استفهام كثيرة.
ومع ذلك، فإن هذا الاعتداء، لا يكفي لنتنياهو لكي يمارس خرق اتفاق الهدنة، بعد أن أعلنت الحكومة اللبنانية التزامها بالتحقيق وملاحقة المتهمين.
يبدو أن الأمر لن ينتهي إلى نتيجة، حتى لو أن التحقيقات اللبنانية الرسمية.
ومرّة أخرى يقع ترامب، في أخطاء حساباته، وتقلبات مواقفه حين يعلن مواصلة الحصار التام للموانئ الإيرانية، بعد أن أعلنت إيران فتح مضيق هرمز خلال فترة الهدنة، ووفق ضوابط تمنع دخول السفن الحربية والسفن المعادية.
إعلان فتح المضيق، كان يفترض أن تقابل بفكّ الحصار عن حركة السفن، الأمر الذي قوبل بارتياح واسع، على المستوى الدولي والخليجي، حيث تراجعت أسعار النفط بضع ساعات.
لا ضرورة للخوض في طبيعة الإنجازات والتوافقات التي تحققت حتى الآن من خلال المفاوضات، التي يتوسّط فيها الجانب الباكستاني، فطالما أن ترامب يواصل تهديداته، فإن نتنياهو يتحيّن الفرص لتخريب أي اتفاق، فإن الأيام القليلة المقبلة ستكشف عمّا إذا كانت الأوضاع تتجه نحو مزيد من التصعيد أم إنها ستستقرّ على هدوء نسبي مع استئناف المفاوضات في إسلام آباد.
وفي كل الأحوال فإن المنطقة برمّتها ستظلّ مرشحة للاستمرار في مكابدة العيش في أجواء الحرب، فإن هدأت في جبهة، فإن الواضح أن نتنياهو سوف يخطط لإشعالها في جبهة أو جبهات أخرى، فيما تظلّ الضفة الغربية وقطاع غزة، مرشّحين لدوام واقع الصراع المرير وخطط التوسع الاستيطاني الصهيوني.
{ كاتب من فلسطين

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك