تُعد تجربة دول مجلس التعاون الخليجي نموذجاً استثنائياً في إدارة الأزمات، حيث نجحت في تحويل التحديات الأمنية والسياسية إلى فرصة لترسيخ مفهوم الأمن الإنساني، فبينما تؤدي الحروب عادةً إلى انهيار المنظومات الاجتماعية والإنسانية اتخذت دول الخليج العربية أثناء العدوان الإيراني الإرهابي خطوات استباقية ركزت على الأولويات القصوى لحياة مواطنيها والمُقيمين على أرضها من خلال تفعيل أنظمة الحماية المدنية وضمان سلامة السكان كخط أحمر لا يقبل التفاوض أو المساس به، كما عملت على دعم الاستقرار المعيشي من خلال التدخل المباشر لضبط أسعار السلع الاستهلاكية ومنع الاحتكار وتأمينها بما يغطي كل الاحتياجات الاستهلاكية مما حافظ على السلم الاجتماعي ومنع تآكل القوة الشرائية.
ولعلي أتطرق في هذا المقام إلى ما قامت به مملكة البحرين تحديداً خلال فترة العدوان الإيراني الغاشم على البحرين ودول المنطقة فبالإضافة إلى ما تم ذكره من إجراءات حماية المواطنين وتأمين السلع الغذائية ووفرتها في الأسواق المحلية قامت حكومة البحرين ممثلة في صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله ورعاه بدعم أجور العاملين المؤمن عليهم في القطاع الخاص بهدف تأمين وظائف العمالة الوطنية نتيجة التحديات الإقليمية الراهنة وتخفيف الأعباء عن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لضمان استدامتها في مواصلة نشاطها وكذلك لضمان استمرار تدفق الدخل للأسر البحرينية من دون انقطاع.
لم يكن هذا مجرد إجراء اقتصادي بل هو رسالة طمأنة بوقوف الدولة مع الفرد في أحلك الظروف وحماية استقرار المجتمع والحفاظ على عقد الأمان الاجتماعي وقد أثبتت الأزمات الأخيرة أن الدولة ليست مجرد جهة تنظيمية بل هي الضامن الأول للاستقرار النفسي والمعيشي للمواطن.
كذلك اتخذت الدولة في البحرين إجراءات تنظيمية تتعلق بمرونة العمل من خلال خفض نسب الحضور الفعلي للموظفين واستخدام الحلول التقنية مما عكس وعياً بضرورة استمرار الحياة مع تقليل المخاطر إلى أدنى مستوياتها، كما أن التحول الرقمي الشامل للمعاملات الحكومية أحد أهم الأدوات التي ضمنت استمرارية الحياة وحماية الإنسان في دول الخليج خلال الأزمات؛ حيث لم يعد إنجاز المعاملات يتطلب الحضور الفعلي، مما عزز من إجراءات السلامة الميدانية، وبفضل البنية التحتية الرقمية الحديثة والمتطورة تم تفعيل التعليم عن بُعد مما حمى ملايين الطلاب والموظفين من مخاطر الوجود في الخارج أثناء فترات التوتر الأمني وفي نفس الوقت عوضت الفاقد التعليمي خلال فترة العدوان وحافظت على أيام التمدرس وحافظت على استمرارية تلقي التعليم بمختلف الوسائل المتاحة لذلك.
أحد الأخوة المُقيمين كان يُحدثني عن قوة الدولة وثبات نظام الحكم في مملكة البحرين وباقي دول مجلس التعاون الخليجي في حفظ النظام والاستقرار الأمني وفي نفس الوقت استمرارية الحياة بكل تفاصيلها وخاصة عندما كانت الصواريخ والمسيرات الإيرانية تنتهك أجواء المملكة كان يسود الأمن وعدم الخوف أو الفزع من قبل المواطنين والمُقيمين وكأن شيئاً لم يكن، وهذا بدوره يعكس ثقة المواطن بكفاءة القائد جلالة الملك وحكمته وتضحيته من أجل شعبه ووطنه وإصراره على المضي بسفينة الوطن إلى بر الأمان.
كذلك لقد ظهرت بوضوح ثقة المواطنين بقوة الردع للمنظومة الدفاعية لقوة دفاع البحرين، وثقة المواطنين والمقيمين بأجهزة الأمن المختلفة التي تحمي المجتمع من أي توتر في مثل هذه الظرف، وثقة المواطنين والمقيمين بإمكانات الدولة في توفير كل احتياجات المواطنين الاستهلاكية والصحية والتعليمية والاجتماعية وتأدية عباداتهم بكل أريحية وأمان.
إن كل ذلك يعكس قوة الدولة وثبات نظامها والثقة المتبادلة بين القيادة والشعب، وهذا هو المعيار الحقيقي لاستقرار الأوطان وثبات نظام الحكم وهنا يتجلى تفاني القيادة الرشيدة وإخلاصها لشعبها الذي بدوره يبادلها الحب والوفاء والولاء.
ان هذا النهج يؤكد أن القيم الإنسانية في الفكر السياسي الخليجي ليست شعارات، بل سياسات تطبيقية تضع كرامة الإنسان واستقراره فوق أي اعتبار.
{ باحث وكاتب صحفي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك