العدد : ١٧٥٦١ - الأربعاء ٢٢ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٦١ - الأربعاء ٢٢ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

البحرين ودول الخليج وتفعيل مفهوم الأمن الإنساني

بقلم: عبدالهادي الخلاقي

الثلاثاء ٢١ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

تُعد‭ ‬تجربة‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬نموذجاً‭ ‬استثنائياً‭ ‬في‮ ‬إدارة‭ ‬الأزمات،‭ ‬حيث‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬التحديات‭ ‬الأمنية‭ ‬والسياسية‭ ‬إلى‭ ‬فرصة‭ ‬لترسيخ‭ ‬مفهوم الأمن‭ ‬الإنساني،‭ ‬فبينما‭ ‬تؤدي‭ ‬الحروب‭ ‬عادةً‭ ‬إلى‭ ‬انهيار‭ ‬المنظومات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والإنسانية‭ ‬اتخذت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬أثناء‭ ‬العدوان‭ ‬الإيراني‭ ‬الإرهابي‭ ‬خطوات‭ ‬استباقية‭ ‬ركزت‭ ‬على‭ ‬الأولويات‭ ‬القصوى‭ ‬لحياة‭ ‬مواطنيها‭ ‬والمُقيمين‭ ‬على‭ ‬أرضها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تفعيل‭ ‬أنظمة‭ ‬الحماية‭ ‬المدنية‭ ‬وضمان‭ ‬سلامة‭ ‬السكان‭ ‬كخط‭ ‬أحمر‭ ‬لا‭ ‬يقبل‭ ‬التفاوض‭ ‬أو‭ ‬المساس‭ ‬به،‭ ‬كما‭ ‬عملت‭ ‬على‭ ‬دعم‭ ‬الاستقرار‭ ‬المعيشي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التدخل‭ ‬المباشر‭ ‬لضبط أسعار‭ ‬السلع‭ ‬الاستهلاكية ومنع‭ ‬الاحتكار‭ ‬وتأمينها‭ ‬بما‭ ‬يغطي‭ ‬كل‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬مما‭ ‬حافظ‭ ‬على‭ ‬السلم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬ومنع‭ ‬تآكل‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭.‬

ولعلي‭ ‬أتطرق‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المقام‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬قامت‭ ‬به‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬تحديداً‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬العدوان‭ ‬الإيراني‭ ‬الغاشم‭ ‬على‭ ‬البحرين‭ ‬ودول‭ ‬المنطقة‭ ‬فبالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬ذكره‭ ‬من‭ ‬إجراءات‭ ‬حماية‭ ‬المواطنين‭ ‬وتأمين‭ ‬السلع‭ ‬الغذائية‭ ‬ووفرتها‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬المحلية‭ ‬قامت‭ ‬حكومة‭ ‬البحرين‭ ‬ممثلة‭ ‬في‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأمير‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه‭ ‬بدعم أجور‭ ‬العاملين المؤمن‭ ‬عليهم‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬بهدف‭ ‬تأمين‭ ‬وظائف‭ ‬العمالة‭ ‬الوطنية‭ ‬نتيجة‭ ‬التحديات‭ ‬الإقليمية‭ ‬الراهنة‭ ‬وتخفيف‭ ‬الأعباء‭ ‬عن‭ ‬المؤسسات‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمتوسطة‭ ‬لضمان‭ ‬استدامتها‭ ‬في‭ ‬مواصلة‭ ‬نشاطها‭ ‬وكذلك‭ ‬لضمان‭ ‬استمرار‭ ‬تدفق‭ ‬الدخل‭ ‬للأسر‭ ‬البحرينية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬انقطاع‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬مجرد‭ ‬إجراء‭ ‬اقتصادي‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬رسالة‭ ‬طمأنة‭ ‬بوقوف‭ ‬الدولة‭ ‬مع‭ ‬الفرد‭ ‬في‭ ‬أحلك‭ ‬الظروف‭ ‬وحماية‭ ‬استقرار‭ ‬المجتمع‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬عقد‭ ‬الأمان‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وقد‭ ‬أثبتت‭ ‬الأزمات‭ ‬الأخيرة‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬جهة‭ ‬تنظيمية‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬الضامن‭ ‬الأول‭ ‬للاستقرار‭ ‬النفسي‭ ‬والمعيشي‭ ‬للمواطن‭.‬

كذلك‭ ‬اتخذت‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬البحرين‭  ‬إجراءات‭ ‬تنظيمية‭ ‬تتعلق‭ ‬بمرونة‭ ‬العمل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬خفض‭ ‬نسب‭ ‬الحضور‭ ‬الفعلي‭ ‬للموظفين‭ ‬واستخدام‭ ‬الحلول‭ ‬التقنية‭ ‬مما‭ ‬عكس‭ ‬وعياً‭ ‬بضرورة‭ ‬استمرار‭ ‬الحياة‭ ‬مع‭ ‬تقليل‭ ‬المخاطر‭ ‬إلى‭ ‬أدنى‭ ‬مستوياتها،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي‭ ‬الشامل‭ ‬للمعاملات‭ ‬الحكومية‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬الأدوات‭ ‬التي‭ ‬ضمنت استمرارية‭ ‬الحياة وحماية‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬خلال‭ ‬الأزمات؛‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬إنجاز‭ ‬المعاملات‭ ‬يتطلب‭ ‬الحضور‭ ‬الفعلي،‭ ‬مما‭ ‬عزز‭ ‬من‭ ‬إجراءات‭ ‬السلامة‭ ‬الميدانية،‭ ‬وبفضل‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الرقمية‭ ‬الحديثة‭ ‬والمتطورة‭ ‬تم‭ ‬تفعيل التعليم‭ ‬عن‭ ‬بُعد مما‭ ‬حمى‭ ‬ملايين‭ ‬الطلاب‭ ‬والموظفين‭ ‬من‭ ‬مخاطر‭ ‬الوجود‭ ‬في‭ ‬الخارج‭ ‬أثناء‭ ‬فترات‭ ‬التوتر‭ ‬الأمني‭ ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬عوضت‭ ‬الفاقد‭ ‬التعليمي‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬العدوان‭ ‬وحافظت‭ ‬على‭ ‬أيام‭ ‬التمدرس‭ ‬وحافظت‭ ‬على‭ ‬استمرارية‭ ‬تلقي‭ ‬التعليم‭ ‬بمختلف‭ ‬الوسائل‭ ‬المتاحة‭ ‬لذلك‭.‬

أحد‭ ‬الأخوة‭ ‬المُقيمين‭ ‬كان‭ ‬يُحدثني‭ ‬عن‭ ‬قوة‭ ‬الدولة‭ ‬وثبات‭ ‬نظام‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬وباقي‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬في‭ ‬حفظ‭ ‬النظام‭ ‬والاستقرار‭ ‬الأمني‭ ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬استمرارية‭ ‬الحياة‭ ‬بكل‭ ‬تفاصيلها‭ ‬وخاصة‭ ‬عندما‭ ‬كانت‭ ‬الصواريخ‭ ‬والمسيرات‭ ‬الإيرانية‭ ‬تنتهك‭ ‬أجواء‭ ‬المملكة‭ ‬كان‭ ‬يسود‭ ‬الأمن‭ ‬وعدم‭ ‬الخوف‭ ‬أو‭ ‬الفزع‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المواطنين‭ ‬والمُقيمين‭ ‬وكأن‭ ‬شيئاً‭ ‬لم‭ ‬يكن،‭ ‬وهذا‭ ‬بدوره‭ ‬يعكس‭ ‬ثقة‭ ‬المواطن‭ ‬بكفاءة‭ ‬القائد‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬وحكمته‭ ‬وتضحيته‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬شعبه‭ ‬ووطنه‭ ‬وإصراره‭ ‬على‭ ‬المضي‭ ‬بسفينة‭ ‬الوطن‭ ‬إلى‭ ‬بر‭ ‬الأمان‭.‬

‭ ‬كذلك‭ ‬لقد‭ ‬ظهرت‭ ‬بوضوح‭ ‬ثقة‭ ‬المواطنين‭ ‬بقوة‭ ‬الردع‭ ‬للمنظومة‭ ‬الدفاعية‭ ‬لقوة‭ ‬دفاع‭ ‬البحرين،‭ ‬وثقة‭ ‬المواطنين‭ ‬والمقيمين‭ ‬بأجهزة‭ ‬الأمن‭ ‬المختلفة‭ ‬التي‭ ‬تحمي‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬توتر‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الظرف،‭ ‬وثقة‭ ‬المواطنين‭ ‬والمقيمين‭ ‬بإمكانات‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬توفير‭ ‬كل‭ ‬احتياجات‭ ‬المواطنين‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬والصحية‭ ‬والتعليمية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬وتأدية‭ ‬عباداتهم‭ ‬بكل‭ ‬أريحية‭ ‬وأمان‭.‬

إن‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬يعكس‭ ‬قوة‭ ‬الدولة‭ ‬وثبات‭ ‬نظامها‭ ‬والثقة‭ ‬المتبادلة‭ ‬بين‭ ‬القيادة‭ ‬والشعب،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬المعيار‭ ‬الحقيقي‭ ‬لاستقرار‭ ‬الأوطان‭ ‬وثبات‭ ‬نظام‭ ‬الحكم‭ ‬وهنا‭ ‬يتجلى‭ ‬تفاني‭ ‬القيادة‭ ‬الرشيدة‭ ‬وإخلاصها‭  ‬لشعبها‭ ‬الذي‭ ‬بدوره‭ ‬يبادلها‭ ‬الحب‭ ‬والوفاء‭ ‬والولاء‭.‬

ان‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬القيم‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬السياسي‭ ‬الخليجي‭ ‬ليست‭ ‬شعارات،‭ ‬بل سياسات‭ ‬تطبيقية تضع‭ ‬كرامة‭ ‬الإنسان‭ ‬واستقراره‭ ‬فوق‭ ‬أي‭ ‬اعتبار‭.‬

 

{ باحث‭ ‬وكاتب‭ ‬صحفي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا