في الحروب الكبرى لا تكون الحقيقة أولى الضحايا فحسب، بل تصبح أيضًا أكثر ما يتنازع عليه الخصوم بوصفها غنيمة رمزية لا تقل قيمة عن الأرض والنفوذ. وفي الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر، راهنًا، تتكاثف طبقات السرديات، حتى يغدو المشهد أقرب إلى مرآة متكسرة تعكس لكل طرف صورته التي يريد أن يراها لا التي تجسد الواقع.
ومع ذلك يلوح في الأفق خيط رفيع من الأمل يتمثل في هدنة قابلة للتمديد، وربما في اتفاق يوقف القتال المرير والقاسي. غير أن هذا الأمل يصطدم بحقيقة صلبة مفادها أن إنهاء الحرب لا يتحقق فقط بإسكات المدافع، بل يحتاج إلى صياغة دقيقة تسمح لكل طرف بأن يدعي النصر، أو على الأقل يتجنب الاعتراف بالهزيمة.
في مثل تلك الحروب، لا تُحسم المعارك دائمًا على أرض الميدان، بل كثيرًا ما تُحسم في دهاليز اللغة، حين يجد المتحاربون في العبارة المُصاغة بعناية ما عجزوا عن انتزاعه بقوة السلاح. وفي تلك الحرب الراهنة، تتشابك المصالح وتتقاطع الرهانات في مشهد يُذكّر بأعقد لحظات التاريخ الحديث؛ مشهد تتصادم فيه إرادات الأمم، وتتصارع فيه روايات النصر قبل أن تتصارع الجيوش في ميادين القتال.
الحرب بطبيعتها استمرار للسياسة بوسائل أخرى، كما قال فيلسوف الحرب كلاوزفيتز، غير أن هذا التعريف يخفي في طياته حقيقة أعمق؛ ومفادها أن السياسة ذاتها كثيرًا ما تكون طلبًا للكبرياء بوسائل مختلفة. فكلا الطرفين في هذه المواجهة لا يقاتل من أجل خريطة أو حدود فحسب، بل يقاتل دفاعًا عن رواية، عن صورة ذاته في مرآة التاريخ وفي عيون شعبه. وهذا هو جوهر المعضلة التي تجعل إيجاد مخرج لهذه الحرب أشق من خوضها.
تُعرّف إيران النصر في هذه المعادلة بمقاييس البقاء في المقام الأول؛ النصر عندها أن يخرج نظامها من هذه المواجهة سليم البنية، قادرًا على الادعاء بأنه صمد في وجه أعتى قوة عسكرية في العالم. أما الحفاظ على برنامجها النووي بشكل ما، أو الادعاء بذلك، فيمثّل قمة هرم النصر في حساباتها.
في المقابل، تُعرّف الولايات المتحدة وإسرائيل النصر بأنه تجريد إيران من قدراتها النووية، وإعادة رسم معادلات الردع في المنطقة، وإثبات أن التهديد العسكري ليس مجرد ورقة ضغط بل أداة تنفيذ فعلية، تُمكّن المنطقة من الخروج من أسر التدخلات الإيرانية. وبين هذين التعريفين المتناقضين تتسع المساحة وتبدو الهوّة سحيقة.
بيد أن التاريخ يعلمنا أن هذه الهوّات قابلة للجسر بمعجزة اللغة الدبلوماسية حين يحين أوانها.
في حرب فيتنام، رأى الأمريكيون في اتفاق باريس عام 1973 خروجًا مُشرفًا، فيما رأى فيه الفيتناميون انتصارًا لإرادة الشعوب في مواجهة الإمبراطورية العظمى، رغم التفاوت الشاسع في القدرات.
ليس هذا ادعاءً دبلوماسيًا بقدر ما هو ضرورة وجودية للأنظمة السياسية. فهنري كيسنجر، أبرع مهندسي الهدنات في القرن الماضي، كان يؤمن بأن الدبلوماسية الحقيقية هي فن إيجاد المخرج الذي يحفظ ماء الوجه لجميع الأطراف. ذلك أن القائد الذي يعود إلى شعبه بخفي حنين يفقد شرعيته، وانهيار الشرعية يُولّد فراغًا أكثر خطورة من الحرب ذاتها.
في الحالة الراهنة، الصياغة المُمكنة للهدنة ستقوم على غموض استراتيجي مُتعمّد؛ تعليق البرنامج النووي دون الإعلان عن تدميره، وضمانات أمنية دون الاعتراف الصريح بالهزيمة، ووقف للنار يُقدَّم في طهران بوصفه استنزافًا للعدو وصمودًا أسطوريًا، ويُقدَّم في واشنطن وتل أبيب بوصفه انتصارًا للردع وتحقيقًا للأهداف الاستراتيجية. وقد يكون التعب العسكري والاقتصادي لدى الطرفين هو الجسر الفعلي نحو هذه الصياغة، لا الإقناع المنطقي، ولا ضغط المجتمع الدولي. فالحرب الطويلة تستنزف حتى الإرادات الأشد صلابة، وطرفا الحرب يحملان كلفة داخلية ثقيلة، ويتحسبان لمزيد من الضغوط والخسائر.
غير أن ثمة تمييزًا جوهريًا ينبغي ألا يغيب؛ وهو أن هناك فرقًا واضحًا بين إنهاء الحرب وإقرار السلام. فكما أن غياب الحرب لا يعني السلام، فإن تحققه لا يعني انتهاء احتمالات وقوعها مُجددًا. فالهُدنات واتفاقات السلام قد تُسكت المدافع، لكنها نادرًا ما تعالج جذور الصراعات. وما لم تُحلّ المسألة النووية الإيرانية بشكل شامل وقابل للتحقق، وما لم تُعاد صياغة العلاقة بين إيران والمنظومة الإقليمية على أسس جديدة، فإن الجمر سيظل مُتّقدًا تحت الرماد. والتاريخ حافل بهدنات تحوّلت إلى محطات استراحة بين حربين؛ فهدنة عام 1918 لم تكن سلامًا بقدر ما كانت مقدمة لحرب هائلة جديدة في 1939.
وهكذا، قد يصل الطرفان إلى الصيغة التي يبحثان عنها، لا لأن الحكمة انتصرت، بل لأن الاستنزاف فرض منطقه. وسيعلن كل طرف نصره للتاريخ، غير أن التاريخ ذاته، بعيون قارئيه المتأخرين، سيرى ما لا يريد المنتصرون المزعومون رؤيته: أن حروبًا كهذه قد تتوقف لمساحة من الزمن، لكنها قد تعيد إنتاج ذرائعها من جديد.
{ كاتب وباحث إعلامي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك