العدد : ١٧٥٦٠ - الثلاثاء ٢١ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٦٠ - الثلاثاء ٢١ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

ادعاءات النصر في الحرب الإيرانية!

بقلم: د. ياسر عبد العزيز

الثلاثاء ٢١ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬الحروب‭ ‬الكبرى‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬الحقيقة‭ ‬أولى‭ ‬الضحايا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تصبح‭ ‬أيضًا‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬يتنازع‭ ‬عليه‭ ‬الخصوم‭ ‬بوصفها‭ ‬غنيمة‭ ‬رمزية‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬قيمة‭ ‬عن‭ ‬الأرض‭ ‬والنفوذ‭. ‬وفي‭ ‬الحرب‭ ‬الدائرة‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬وإيران‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬آخر،‭ ‬راهنًا،‭ ‬تتكاثف‭ ‬طبقات‭ ‬السرديات،‭ ‬حتى‭ ‬يغدو‭ ‬المشهد‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬مرآة‭ ‬متكسرة‭ ‬تعكس‭ ‬لكل‭ ‬طرف‭ ‬صورته‭ ‬التي‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يراها‭ ‬لا‭ ‬التي‭ ‬تجسد‭ ‬الواقع‭.‬

‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬يلوح‭ ‬في‭ ‬الأفق‭ ‬خيط‭ ‬رفيع‭ ‬من‭ ‬الأمل‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬هدنة‭ ‬قابلة‭ ‬للتمديد،‭ ‬وربما‭ ‬في‭ ‬اتفاق‭ ‬يوقف‭ ‬القتال‭ ‬المرير‭ ‬والقاسي‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الأمل‭ ‬يصطدم‭ ‬بحقيقة‭ ‬صلبة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬إنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬فقط‭ ‬بإسكات‭ ‬المدافع،‭ ‬بل‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬صياغة‭ ‬دقيقة‭ ‬تسمح‭ ‬لكل‭ ‬طرف‭ ‬بأن‭ ‬يدعي‭ ‬النصر،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬يتجنب‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالهزيمة‭.‬

في‭ ‬مثل‭ ‬تلك‭ ‬الحروب،‭ ‬لا‭ ‬تُحسم‭ ‬المعارك‭ ‬دائمًا‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الميدان،‭ ‬بل‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬تُحسم‭ ‬في‭ ‬دهاليز‭ ‬اللغة،‭ ‬حين‭ ‬يجد‭ ‬المتحاربون‭ ‬في‭ ‬العبارة‭ ‬المُصاغة‭ ‬بعناية‭ ‬ما‭ ‬عجزوا‭ ‬عن‭ ‬انتزاعه‭ ‬بقوة‭ ‬السلاح‭. ‬وفي‭ ‬تلك‭ ‬الحرب‭ ‬الراهنة،‭ ‬تتشابك‭ ‬المصالح‭ ‬وتتقاطع‭ ‬الرهانات‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬يُذكّر‭ ‬بأعقد‭ ‬لحظات‭ ‬التاريخ‭ ‬الحديث؛‭ ‬مشهد‭ ‬تتصادم‭ ‬فيه‭ ‬إرادات‭ ‬الأمم،‭ ‬وتتصارع‭ ‬فيه‭ ‬روايات‭ ‬النصر‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتصارع‭ ‬الجيوش‭ ‬في‭ ‬ميادين‭ ‬القتال‭.‬

الحرب‭ ‬بطبيعتها‭ ‬استمرار‭ ‬للسياسة‭ ‬بوسائل‭ ‬أخرى،‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬فيلسوف‭ ‬الحرب‭ ‬كلاوزفيتز،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التعريف‭ ‬يخفي‭ ‬في‭ ‬طياته‭ ‬حقيقة‭ ‬أعمق؛‭ ‬ومفادها‭ ‬أن‭ ‬السياسة‭ ‬ذاتها‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬طلبًا‭ ‬للكبرياء‭ ‬بوسائل‭ ‬مختلفة‭. ‬فكلا‭ ‬الطرفين‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المواجهة‭ ‬لا‭ ‬يقاتل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬خريطة‭ ‬أو‭ ‬حدود‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يقاتل‭ ‬دفاعًا‭ ‬عن‭ ‬رواية،‭ ‬عن‭ ‬صورة‭ ‬ذاته‭ ‬في‭ ‬مرآة‭ ‬التاريخ‭ ‬وفي‭ ‬عيون‭ ‬شعبه‭. ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬جوهر‭ ‬المعضلة‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬إيجاد‭ ‬مخرج‭ ‬لهذه‭ ‬الحرب‭ ‬أشق‭ ‬من‭ ‬خوضها‭.‬

تُعرّف‭ ‬إيران‭ ‬النصر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة‭ ‬بمقاييس‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول؛‭ ‬النصر‭ ‬عندها‭ ‬أن‭ ‬يخرج‭ ‬نظامها‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المواجهة‭ ‬سليم‭ ‬البنية،‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬الادعاء‭ ‬بأنه‭ ‬صمد‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬أعتى‭ ‬قوة‭ ‬عسكرية‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬أما‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬برنامجها‭ ‬النووي‭ ‬بشكل‭ ‬ما،‭ ‬أو‭ ‬الادعاء‭ ‬بذلك،‭ ‬فيمثّل‭ ‬قمة‭ ‬هرم‭ ‬النصر‭ ‬في‭ ‬حساباتها‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬تُعرّف‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل‭ ‬النصر‭ ‬بأنه‭ ‬تجريد‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬قدراتها‭ ‬النووية،‭ ‬وإعادة‭ ‬رسم‭ ‬معادلات‭ ‬الردع‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬وإثبات‭ ‬أن‭ ‬التهديد‭ ‬العسكري‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬ورقة‭ ‬ضغط‭ ‬بل‭ ‬أداة‭ ‬تنفيذ‭ ‬فعلية،‭ ‬تُمكّن‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬أسر‭ ‬التدخلات‭ ‬الإيرانية‭. ‬وبين‭ ‬هذين‭ ‬التعريفين‭ ‬المتناقضين‭ ‬تتسع‭ ‬المساحة‭ ‬وتبدو‭ ‬الهوّة‭ ‬سحيقة‭.‬

بيد‭ ‬أن‭ ‬التاريخ‭ ‬يعلمنا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الهوّات‭ ‬قابلة‭ ‬للجسر‭ ‬بمعجزة‭ ‬اللغة‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬حين‭ ‬يحين‭ ‬أوانها‭.‬

في‭ ‬حرب‭ ‬فيتنام،‭ ‬رأى‭ ‬الأمريكيون‭ ‬في‭ ‬اتفاق‭ ‬باريس‭ ‬عام‭ ‬1973‭ ‬خروجًا‭ ‬مُشرفًا،‭ ‬فيما‭ ‬رأى‭ ‬فيه‭ ‬الفيتناميون‭ ‬انتصارًا‭ ‬لإرادة‭ ‬الشعوب‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬العظمى،‭ ‬رغم‭ ‬التفاوت‭ ‬الشاسع‭ ‬في‭ ‬القدرات‭.‬

ليس‭ ‬هذا‭ ‬ادعاءً‭ ‬دبلوماسيًا‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬ضرورة‭ ‬وجودية‭ ‬للأنظمة‭ ‬السياسية‭. ‬فهنري‭ ‬كيسنجر،‭ ‬أبرع‭ ‬مهندسي‭ ‬الهدنات‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬كان‭ ‬يؤمن‭ ‬بأن‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الحقيقية‭ ‬هي‭ ‬فن‭ ‬إيجاد‭ ‬المخرج‭ ‬الذي‭ ‬يحفظ‭ ‬ماء‭ ‬الوجه‭ ‬لجميع‭ ‬الأطراف‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬القائد‭ ‬الذي‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬شعبه‭ ‬بخفي‭ ‬حنين‭ ‬يفقد‭ ‬شرعيته،‭ ‬وانهيار‭ ‬الشرعية‭ ‬يُولّد‭ ‬فراغًا‭ ‬أكثر‭ ‬خطورة‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬ذاتها‭.‬

في‭ ‬الحالة‭ ‬الراهنة،‭ ‬الصياغة‭ ‬المُمكنة‭ ‬للهدنة‭ ‬ستقوم‭ ‬على‭ ‬غموض‭ ‬استراتيجي‭ ‬مُتعمّد؛‭ ‬تعليق‭ ‬البرنامج‭ ‬النووي‭ ‬دون‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬تدميره،‭ ‬وضمانات‭ ‬أمنية‭ ‬دون‭ ‬الاعتراف‭ ‬الصريح‭ ‬بالهزيمة،‭ ‬ووقف‭ ‬للنار‭ ‬يُقدَّم‭ ‬في‭ ‬طهران‭ ‬بوصفه‭ ‬استنزافًا‭ ‬للعدو‭ ‬وصمودًا‭ ‬أسطوريًا،‭ ‬ويُقدَّم‭ ‬في‭ ‬واشنطن‭ ‬وتل‭ ‬أبيب‭ ‬بوصفه‭ ‬انتصارًا‭ ‬للردع‭ ‬وتحقيقًا‭ ‬للأهداف‭ ‬الاستراتيجية‭. ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬التعب‭ ‬العسكري‭ ‬والاقتصادي‭ ‬لدى‭ ‬الطرفين‭ ‬هو‭ ‬الجسر‭ ‬الفعلي‭ ‬نحو‭ ‬هذه‭ ‬الصياغة،‭ ‬لا‭ ‬الإقناع‭ ‬المنطقي،‭ ‬ولا‭ ‬ضغط‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭. ‬فالحرب‭ ‬الطويلة‭ ‬تستنزف‭ ‬حتى‭ ‬الإرادات‭ ‬الأشد‭ ‬صلابة،‭ ‬وطرفا‭ ‬الحرب‭ ‬يحملان‭ ‬كلفة‭ ‬داخلية‭ ‬ثقيلة،‭ ‬ويتحسبان‭ ‬لمزيد‭ ‬من‭ ‬الضغوط‭ ‬والخسائر‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬تمييزًا‭ ‬جوهريًا‭ ‬ينبغي‭ ‬ألا‭ ‬يغيب؛‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬فرقًا‭ ‬واضحًا‭ ‬بين‭ ‬إنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬وإقرار‭ ‬السلام‭. ‬فكما‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬الحرب‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬السلام،‭ ‬فإن‭ ‬تحققه‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬انتهاء‭ ‬احتمالات‭ ‬وقوعها‭ ‬مُجددًا‭. ‬فالهُدنات‭ ‬واتفاقات‭ ‬السلام‭ ‬قد‭ ‬تُسكت‭ ‬المدافع،‭ ‬لكنها‭ ‬نادرًا‭ ‬ما‭ ‬تعالج‭ ‬جذور‭ ‬الصراعات‭. ‬وما‭ ‬لم‭ ‬تُحلّ‭ ‬المسألة‭ ‬النووية‭ ‬الإيرانية‭ ‬بشكل‭ ‬شامل‭ ‬وقابل‭ ‬للتحقق،‭ ‬وما‭ ‬لم‭ ‬تُعاد‭ ‬صياغة‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬والمنظومة‭ ‬الإقليمية‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬جديدة،‭ ‬فإن‭ ‬الجمر‭ ‬سيظل‭ ‬مُتّقدًا‭ ‬تحت‭ ‬الرماد‭. ‬والتاريخ‭ ‬حافل‭ ‬بهدنات‭ ‬تحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬محطات‭ ‬استراحة‭ ‬بين‭ ‬حربين؛‭ ‬فهدنة‭ ‬عام‭ ‬1918‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬سلامًا‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬مقدمة‭ ‬لحرب‭ ‬هائلة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬1939‭.‬

وهكذا،‭ ‬قد‭ ‬يصل‭ ‬الطرفان‭ ‬إلى‭ ‬الصيغة‭ ‬التي‭ ‬يبحثان‭ ‬عنها،‭ ‬لا‭ ‬لأن‭ ‬الحكمة‭ ‬انتصرت،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬الاستنزاف‭ ‬فرض‭ ‬منطقه‭. ‬وسيعلن‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬نصره‭ ‬للتاريخ،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التاريخ‭ ‬ذاته،‭ ‬بعيون‭ ‬قارئيه‭ ‬المتأخرين،‭ ‬سيرى‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬المنتصرون‭ ‬المزعومون‭ ‬رؤيته‭: ‬أن‭ ‬حروبًا‭ ‬كهذه‭ ‬قد‭ ‬تتوقف‭ ‬لمساحة‭ ‬من‭ ‬الزمن،‭ ‬لكنها‭ ‬قد‭ ‬تعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬ذرائعها‭ ‬من‭ ‬جديد‭.‬

 

{ كاتب‭ ‬وباحث‭ ‬إعلامي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا