العدد : ١٧٥٦٠ - الثلاثاء ٢١ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٦٠ - الثلاثاء ٢١ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

انهيار النظام الدولي أم إعادة تشكيله؟

بقلم: لطفي العبيدي

الاثنين ٢٠ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

لم‭ ‬يعد‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬النظام‭ ‬الدولي‮»‬‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬قبل‭ ‬عقدَين‭. ‬فالمفهوم‭ ‬الذي‭ ‬بدا‭ ‬مستقرّاً‭ ‬بعد‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬حين‭ ‬تشكّلت‭ ‬منظومة‭ ‬عالمية‭ ‬تقودها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وتضبطها‭ ‬مؤسّسات‭ ‬دولية‭ ‬وقواعد‭ ‬قانونية‭ ‬واضحة‭ ‬نسبياً،‭ ‬أصبح‭ ‬اليوم‭ ‬موضع‭ ‬شكّ‭ ‬عميق‭. ‬تتكرّر‭ ‬خروق‭ ‬القواعد،‭ ‬تتعطّل‭ ‬آليات‭ ‬الردع،‭ ‬وتبدو‭ ‬المؤسّسات‭ ‬الدولية‭ ‬عاجزةً‭ ‬عن‭ ‬فرض‭ ‬قراراتها‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬التوفيق‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الكُبرى‭. ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬يطرح‭ ‬سؤالاً‭ ‬ملحّاً‭: ‬هل‭ ‬نحن‭ ‬أمام‭ ‬انهيار‭ ‬فعلي‭ ‬للنظام‭ ‬الدولي،‭ ‬أم‭ ‬مجرّد‭ ‬مرحلة‭ ‬انتقالية‭ ‬يعاد‭ ‬فيها‭ ‬تشكيله؟

للوهلة‭ ‬الأولى،‭ ‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬أنّ‭ ‬العالم‭ ‬ينزلق‭ ‬نحو‭ ‬حالةٍ‭ ‬من‭ ‬‮«‬اللانظام‮»‬،‭ ‬فالحروب‭ ‬الإقليمية‭ ‬تتزايد‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬حسم،‭ ‬والقرارات‭ ‬الدولية‭ ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬تُقابل‭ ‬بالرفض‭ ‬أو‭ ‬التجاهل،‭ ‬والتنافس‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الكُبرى‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬محكوماً‭ ‬دائماً‭ ‬بقواعد‭ ‬واضحة‭. ‬

غير‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬التشخيص،‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬وجاهة،‭ ‬يظلّ‭ ‬قاصراً‭ ‬إذا‭ ‬اعتبر‭ ‬أنّ‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬هو‭ ‬نهاية‭ ‬النظام،‭ ‬لا‭ ‬تحوّله‭. ‬ففي‭ ‬الواقع،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬يوماً‭ ‬بنيةً‭ ‬ثابتةً‭ ‬أو‭ ‬منظومةً‭ ‬نهائيةً‭. ‬منذ‭ ‬نشأته‭ ‬الحديثة‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬كان‭ ‬انعكاساً‭ ‬مباشراً‭ ‬لموازين‭ ‬القوى‭.‬

فالقواعد‭ ‬التي‭ ‬حَكَمَت‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬نتاج‭ ‬توافق‭ ‬أخلاقي‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬تعبيراً‭ ‬عن‭ ‬توازنات‭ ‬فرضتها‭ ‬القوى‭ ‬المنتصرة‭. ‬ومع‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬أعادت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬صياغة‭ ‬هذه‭ ‬القواعد‭ ‬بما‭ ‬يخدم‭ ‬موقعها‭ ‬قوّةً‭ ‬مهيمنةً‭. ‬اليوم،‭ ‬ومع‭ ‬تغيّر‭ ‬هذه‭ ‬الموازين،‭ ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬تدخل‭ ‬تلك‭ ‬القواعد‭ ‬مرحلةَ‭ ‬اهتزاز‭ ‬عميق‭.‬

المشكلة‭ ‬الجوهرية‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬الحالي‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬القواعد،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬تعدّد‭ ‬الجهات‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬فرض‭ ‬قواعد‭ ‬بديلة‭. ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬هناك‭ ‬قوّة‭ ‬واحدة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬نظام‭ ‬متماسك‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬السابق،‭ ‬وفي‭ ‬المقابل‭ ‬لم‭ ‬تنجح‭ ‬القوى‭ ‬الصاعدة‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬بديل‭ ‬شامل‭ ‬ومقبول‭ ‬دولياً‭. ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬الوسيط‭ (‬إذ‭ ‬يتراجع‭ ‬القديم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكتمل‭ ‬الجديد‭) ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يخلق‭ ‬الإحساس‭ ‬بالفوضى‭.‬

تزداد‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬تعقيداً‭ ‬عندما‭ ‬تتحوّل‭ ‬المؤسّسات‭ ‬الدولية‭ ‬نفسها‭ ‬إلى‭ ‬ساحات‭ ‬صراع‭. ‬فمجلس‭ ‬الأمن،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يُفترض‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أداةً‭ ‬لضبط‭ ‬التوازنات،‭ ‬أصبح‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬انعكاساً‭ ‬مباشراً‭ ‬للانقسامات‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الكُبرى‭. ‬كذلك،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬المنظّمات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتجارية‭ ‬قادرةً‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬قواعدها‭ ‬بالفاعلية‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬تصاعد‭ ‬النزعات‭ ‬الحمائية‭ ‬وتسييس‭ ‬الاقتصاد‭.‬

وبهذا،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬المؤسّسات‭ ‬حَكَماً‭ ‬محايداً،‭ ‬بل‭ ‬طرفاً‭ ‬ضمن‭ ‬معادلة‭ ‬الصراع‭. ‬ورغم‭ ‬ذلك،‭ ‬فإنّ‭ ‬القول‭ ‬بانهيار‭ ‬كامل‭ ‬للنظام‭ ‬الدولي‭ ‬يظلّ‭ ‬مبالغاً‭ ‬فيه‭. ‬فما‭ ‬نشهده‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬تعدّد‭ ‬أنظمة‭ ‬داخل‭ ‬النظام‭ ‬الواحد‮»‬‭. ‬فهناك‭ ‬مجالات‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تحكمها‭ ‬قواعدُ‭ ‬مستقرّةٌ‭ ‬نسبياً،‭ ‬مثل‭ ‬أجزاء‭ ‬من‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي‭ ‬أو‭ ‬بعض‭ ‬الترتيبات‭ ‬الأمنية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تشهد‭ ‬مجالات‭ ‬أخرى‭ ‬حالةً‭ ‬من‭ ‬التفكّك‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬التشكّل‭. ‬هذا‭ ‬التعايش‭ ‬بين‭ ‬الاستقرار‭ ‬الجزئي‭ ‬والاضطراب‭ ‬يعكس‭ ‬طبيعة‭ ‬المرحلة‭ ‬الانتقالية‭.‬

الأمر‭ ‬اللافت‭ ‬أيضاً‭ ‬أنّ‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬القوة‮»‬‭ ‬نفسه‭ ‬تغيّر،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬تعقيد‭ ‬المشهد‭. ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الهيمنة‭ ‬تُمارَس‭ ‬فقط‭ ‬عبر‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أدوات‭ ‬أكثر‭ ‬تنوّعاً،‭ ‬مثل‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد،‭ ‬البيانات،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭.‬

هذا‭ ‬التحوّل‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬بناء‭ ‬نظام‭ ‬دولي‭ ‬تقليدي‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬توازن‭ ‬عسكري‭ ‬فقط،‭ ‬ويفرض‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬قواعد‭ ‬جديدة‭ ‬تأخذ‭ ‬بعين‭ ‬الاعتبار‭ ‬هذه‭ ‬الأبعاد‭ ‬المتداخلة‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يصبح‭ ‬السؤال‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬قد‭ ‬انهار،‭ ‬بل‭ ‬أيّ‭ ‬شكل‭ ‬سيتّخذه‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭. ‬هل‭ ‬نحن‭ ‬متّجهون‭ ‬نحو‭ ‬نظام‭ ‬متعدّد‭ ‬الأقطاب‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬توازنات‭ ‬دقيقة‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الكُبرى؟‭ ‬أم‭ ‬نحو‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التنافس‭ ‬المفتوح‭ ‬غير‭ ‬المنضبط؟‭ ‬أم‭ ‬ربّما‭ ‬نحو‭ ‬نموذج‭ ‬هجين‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬التعاون‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المجالات‭ ‬والصراع‭ ‬في‭ ‬أخرى؟‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬اللحظات‭ ‬التاريخية،‭ ‬يقدّم‭ ‬نموذجاً‭ ‬مصغّراً‭ ‬لهذا‭ ‬التحوّل‭. ‬فالتداخل‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الدولية‭ ‬والإقليمية،‭ ‬وتعدّد‭ ‬الفاعلين،‭ ‬وغياب‭ ‬الحسم‭ ‬في‭ ‬عديد‭ ‬من‭ ‬الصراعات،‭ ‬كلّها‭ ‬تعكس‭ ‬طبيعة‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬الأوسع‭. ‬المنطقة‭ ‬ليست‭ ‬متأثّرةً‭ ‬فقط‭ ‬بما‭ ‬يحدث‭ ‬عالمياً،‭ ‬بل‭ ‬تسهم‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬تشكيله،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬موقعها‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬وتأثيرها‭ ‬في‭ ‬الطاقة‭ ‬والممرّات‭ ‬الحيوية‭.‬

ما‭ ‬يجعل‭ ‬المرحلة‭ ‬الحالية‭ ‬أكثر‭ ‬حساسيةً‭ ‬غياب‭ ‬اليقين‭. ‬ففي‭ ‬الأنظمة‭ ‬المستقرّة،‭ ‬حتى‭ ‬التنافس‭ ‬يكون‭ ‬محكوماً‭ ‬بقواعد‭ ‬معروفة،‭ ‬أمّا‭ ‬في‭ ‬الفترات‭ ‬الانتقالية،‭ ‬فإنّ‭ ‬الضبابية‭ ‬تفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬سوء‭ ‬التقدير‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬مخاطر‭ ‬الانزلاق‭ ‬نحو‭ ‬أزمات‭ ‬غير‭ ‬محسوبة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬تعدّد‭ ‬الفاعلين‭ ‬وتضارب‭ ‬المصالح‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإنّ‭ ‬التاريخ‭ ‬يُظهر‭ ‬أنّ‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المراحل،‭ ‬رغم‭ ‬خطورتها،‭ ‬كانت‭ ‬دائماً‭ ‬مقدّمةً‭ ‬لظهور‭ ‬نظام‭ ‬جديد‭. ‬فالنظام‭ ‬الدولي‭ ‬لا‭ ‬يختفي،‭ ‬بل‭ ‬يعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬نفسه‭ ‬وفق‭ ‬موازين‭ ‬القوّة‭ ‬الجديدة‭. ‬الفرق‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬التحوّل‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬أكثر‭ ‬ترابطاً‭ ‬وتعقيداً،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬نتائجه‭ ‬أكثر‭ ‬تأثيراً‭ ‬وأسرع‭ ‬انتشاراً‭.‬

في‭ ‬النهاية،‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬أنّ‭ ‬العالم‭ ‬يتّجه‭ ‬نحو‭ ‬فراغ‭ ‬كامل‭ ‬في‭ ‬القواعد،‭ ‬بل‭ ‬نحو‭ ‬مرحلة‭ ‬تُكتب‭ ‬فيها‭ ‬قواعد‭ ‬جديدة،‭ ‬ربّما‭ ‬أقلّ‭ ‬وضوحاً‭ ‬وأكثر‭ ‬مرونةً،‭ ‬لكنّها‭ ‬تعكس‭ ‬واقع‭ ‬التعدّدية‭ ‬وتداخل‭ ‬المصالح‭. ‬وبين‭ ‬من‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬انهياراً‭ ‬ومن‭ ‬يراه‭ ‬تحوّلاً،‭ ‬تبقى‭ ‬الحقيقة‭ ‬أنّ‭ ‬العالم‭ ‬يعيش‭ ‬لحظة‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬عميقة‭ ‬للنظام‭ ‬الدولي،‭ ‬لحظةً‭ ‬فاصلةً‭ ‬ستحدِّد‭ ‬ملامحه‭ ‬عقودا‭ ‬مقبلة‭.‬

{‮ ‬كاتب‭ ‬وباحث‭ ‬تونسي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا