العدد : ١٧٥٦٠ - الثلاثاء ٢١ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٦٠ - الثلاثاء ٢١ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

الدور الاجتماعي لصندوق التأمين ضد التعطل

بقلم: نبيلة رجب

الاثنين ٢٠ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

عندما‭ ‬كنت‭ ‬رئيسةً‭ ‬لقسم‭ ‬التظلمات‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬التأمين‭ ‬ضد‭ ‬التعطل،‭ ‬كانت‭ ‬أجمل‭ ‬اللحظات‭ ‬في‭ ‬يومي‭ ‬تلك‭ ‬الطمأنينة‭ ‬التي‭ ‬ترتسم‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬من‭ ‬جاء‭ ‬قلقا‭ ‬ثم‭ ‬غادر‭ ‬مرتاحا‭. ‬المفصول‭ ‬من‭ ‬عمله‭ ‬يدخل‭ ‬وهو‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬يستحق‭ ‬تعويضاً‭ ‬أصلاً،‭ ‬خائفاً‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬فصله‭ ‬قد‭ ‬أسقط‭ ‬حقه‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬دعم‭. ‬وحين‭ ‬يعلم‭ ‬أن‭ ‬القانون‭ ‬كفل‭ ‬له‭ ‬حقاً‭ ‬وأن‭ ‬الصندوق‭ ‬سيسنده‭ ‬لأشهر‭ ‬ريثما‭ ‬يجد‭ ‬عملاً‭ ‬آخر،‭ ‬يتنفّس‭.‬

ومثله‭ ‬الشاب‭ ‬الداخل‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬العمل،‭ ‬يكتشف‭ ‬أن‭ ‬إعانة‭ ‬تنتظره‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬عملاً‭ ‬فور‭ ‬تخرّجه،‭ ‬وأن‭ ‬الدولة‭ ‬لم‭ ‬تتركه‭ ‬يواجه‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬وحده‭. ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬يدرك‭ ‬فيها‭ ‬كلٌّ‭ ‬منهما‭ ‬أن‭ ‬أحداً‭ ‬فكّر‭ ‬فيه‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تضيق‭ ‬به‭ ‬الأحوال،‭ ‬كانت‭ ‬تكفي‭ ‬وحدها‭ ‬لتغيّر‭ ‬ملامحه‭.‬

هذه‭ ‬الطمأنينة‭ ‬لم‭ ‬تأتِ‭ ‬من‭ ‬فراغ‭. ‬بناها‭ ‬قانونٌ‭ ‬رائد‭ ‬أرست‭ ‬البحرين‭ ‬بموجبه‭ ‬نظاماً‭ ‬متكاملاً‭ ‬للتأمين‭ ‬ضد‭ ‬التعطل‭ ‬عام‭ ‬2006،‭ ‬كانت‭ ‬البحرين‭ ‬الأولى‭ ‬عربياً‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭. ‬وكان‭ ‬إنشاء‭ ‬هذا‭ ‬الصندوق‭ ‬ترجمة‭ ‬لرؤية‭ ‬القيادة‭ ‬بإيجاد‭ ‬جهاز‭ ‬يحمي‭ ‬العامل‭ ‬في‭ ‬أصعب‭ ‬لحظاته‭.‬

ما‭ ‬يميّز‭ ‬هذا‭ ‬الصندوق‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يُبنَ‭ ‬على‭ ‬خزينة‭ ‬الدولة‭ ‬وحدها‭. ‬الموظف‭ ‬شريك‭ ‬في‭ ‬بنائه،‭ ‬وصاحب‭ ‬العمل‭ ‬شريك،‭ ‬والدولة‭ ‬شريكة‭. ‬ثلاثة‭ ‬أطراف‭ ‬تتكاتف‭ ‬معاً‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬يوم‭ ‬لا‭ ‬يتمناه‭ ‬أحد،‭ ‬لكنه‭ ‬قد‭ ‬يأتي‭. ‬هذا‭ ‬التصميم‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬فلسفة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬قانوناً‭: ‬الحماية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬مسؤولية‭ ‬مشتركة،‭ ‬لا‭ ‬عبء‭ ‬يُلقى‭ ‬على‭ ‬طرف‭ ‬دون‭ ‬آخر‭.‬

وهذا‭ ‬الرصيد‭ ‬المتراكم‭ ‬أثبت‭ ‬جدارته‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عقدين‭. ‬فحين‭ ‬أعلنت‭ ‬الحكومة‭ ‬التكفّل‭ ‬بدفع‭ ‬رواتب‭ ‬البحرينيين‭ ‬المؤمن‭ ‬عليهم‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬لشهر‭ ‬أبريل‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الصندوق،‭ ‬دعماً‭ ‬للقطاع‭ ‬الخاص‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬العمالة‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬اقتصادية‭ ‬استثنائية،‭ ‬كان‭ ‬الصندوق‭ ‬جاهزاً‭ ‬وفي‭ ‬أتمّ‭ ‬العافية‭. ‬لأنه‭ ‬بُني‭ ‬أصلاً‭ ‬لهذه‭ ‬اللحظات‭.‬

كثيرون‭ ‬يستثقلون‭ ‬ما‭ ‬يُقتطع‭ ‬من‭ ‬رواتبهم‭ ‬شهرياً،‭ ‬ويرون‭ ‬فيه‭ ‬عبئاً‭ ‬إضافياً‭ ‬على‭ ‬معيشتهم‭. ‬لكن‭ ‬حين‭ ‬تضيق‭ ‬الأحوال‭ ‬ويُفاجأ‭ ‬الإنسان‭ ‬بفقدان‭ ‬عمله،‭ ‬يتذكّر‭ ‬فجأة‭ ‬ذلك‭ ‬الرقم‭ ‬الصغير‭ ‬ويدرك‭ ‬قيمته‭. ‬ذلك‭ ‬الاقتطاع‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬يقف‭ ‬إلى‭ ‬جانبه‭ ‬الآن‭. ‬شيء‭ ‬أثقل‭ ‬من‭ ‬المال‭ ‬وأعمق‭ ‬من‭ ‬الإعانة،‭ ‬يقينٌ‭ ‬بأن‭ ‬أحداً‭ ‬لم‭ ‬ينسه‭.‬

وامتدّ‭ ‬هذا‭ ‬اليقين‭ ‬ليطال‭ ‬أصحاب‭ ‬العمل‭ ‬أيضاً‭. ‬تواصل‭ ‬معي‭ ‬بعضهم‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬صعبة،‭ ‬يسألون‭ ‬عن‭ ‬مخارج‭ ‬قانونية‭ ‬لتقليل‭ ‬رواتب‭ ‬عمالهم،‭ ‬وآخرون‭ ‬يستفسرون‭ ‬عن‭ ‬إجراءات‭ ‬إنهاء‭ ‬خدمات‭ ‬بعض‭ ‬موظفيهم‭ ‬لعجزهم‭ ‬عن‭ ‬السداد‭. ‬في‭ ‬أصواتهم‭ ‬كان‭ ‬القلق‭ ‬واضحاً،‭ ‬وفي‭ ‬أسئلتهم‭ ‬كان‭ ‬يظهر‭ ‬ثقل‭ ‬المسؤولية‭ ‬التي‭ ‬يحملونها‭.‬

وحين‭ ‬علموا‭ ‬أن‭ ‬رواتب‭ ‬موظفيهم‭ ‬لشهر‭ ‬أبريل‭ ‬ستُصرف‭ ‬من‭ ‬الصندوق،‭ ‬تحوّل‭ ‬ذلك‭ ‬القلق‭ ‬إلى‭ ‬امتنان‭. ‬امتنان‭ ‬من‭ ‬يكتشف‭ ‬أن‭ ‬الصندوق‭ ‬أراحه‭ ‬من‭ ‬قرارات‭ ‬كان‭ ‬سيندم‭ ‬عليها،‭ ‬وحمى‭ ‬علاقته‭ ‬بموظفيه‭ ‬في‭ ‬أصعب‭ ‬الأوقات‭. ‬الصندوق‭ ‬بقي‭ ‬كما‭ ‬هو،‭ ‬اتّسعت‭ ‬الحاجة‭ ‬إليه‭ ‬فقط‭.‬

وللصندوق‭ ‬تاريخ‭ ‬في‭ ‬إثبات‭ ‬حضوره‭. ‬حين‭ ‬اجتاحت‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا‭ ‬العالم‭ ‬عام‭ ‬2020‭ ‬وتباطأت‭ ‬عجلة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬العالم،‭ ‬كان‭ ‬الصندوق‭ ‬الملاذ‭ ‬الأول‭ ‬لحماية‭ ‬رواتب‭ ‬البحرينيين‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭. ‬خفّف‭ ‬من‭ ‬الأضرار‭ ‬التي‭ ‬وقعت‭ ‬على‭ ‬أصحاب‭ ‬العمل‭ ‬والعمال‭ ‬معاً،‭ ‬وحال‭ ‬دون‭ ‬موجة‭ ‬تسريح‭ ‬كانت‭ ‬ستُلقي‭ ‬بظلالها‭ ‬على‭ ‬الأسر‭ ‬والمجتمع‭. ‬اختبار‭ ‬بحجم‭ ‬وباء‭ ‬عالمي‭ ‬اجتازه‭ ‬الصندوق‭ ‬بجدارة،‭ ‬لأن‭ ‬من‭ ‬بنوه‭ ‬بنوه‭ ‬بعقلية‭ ‬المدى‭ ‬البعيد‭ ‬وبرؤية‭ ‬تتجاوز‭ ‬اللحظة‭.‬

إن‭ ‬الأرقام‭ ‬تشهد‭ ‬على‭ ‬ذلك‭. ‬موجودات‭ ‬الصندوق‭ ‬اليوم‭ ‬تعكس‭ ‬عقوداً‭ ‬من‭ ‬الاشتراكات‭ ‬المنتظمة،‭ ‬شهراً‭ ‬بشهر،‭ ‬وموظفا‭ ‬إثر‭ ‬موظف‭. ‬تراكمت‭ ‬من‭ ‬ثقة‭ ‬يومية‭ ‬هادئة‭ ‬صنعت‭ ‬مع‭ ‬الوقت‭ ‬رصيداً‭ ‬حقيقياً‭. ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬تبنيه‭ ‬الثقة‭ ‬حين‭ ‬تصبح‭ ‬نظاماً‭.‬

إن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الصندوق‭ ‬مسؤولية‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬بنائه‭. ‬الأجيال‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬العمال‭ ‬وأصحاب‭ ‬العمل‭ ‬ستحتاجه‭ ‬كما‭ ‬احتجناه،‭ ‬وربما‭ ‬أكثر‭. ‬عالم‭ ‬يتغيّر‭ ‬بسرعة،‭ ‬وأسواق‭ ‬عمل‭ ‬تتقلّب،‭ ‬وظروف‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التنبؤ‭ ‬بها‭. ‬ما‭ ‬بناه‭ ‬الأوائل‭ ‬بعقلية‭ ‬المدى‭ ‬البعيد‭ ‬أمانة‭ ‬في‭ ‬أعناقنا،‭ ‬تستوجب‭ ‬الوعي‭ ‬بقيمته‭ ‬والدفاع‭ ‬عنه‭. ‬إن‭ ‬الصندوق‭ ‬لا‭ ‬يكبر‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬يكبر‭ ‬بثقتنا‭ ‬فيه‭.‬

كذلك‭ ‬فإن‭ ‬الراتب‭ ‬الذي‭ ‬يصل‭ ‬في‭ ‬موعده‭ ‬يحمل‭ ‬معنى‭ ‬يفوق‭ ‬قيمته‭. ‬معنى‭ ‬أن‭ ‬وراءك‭ ‬دولةً‭ ‬فكّرت‭ ‬فيك‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تحتاج،‭ ‬وبنت‭ ‬لك‭ ‬سياجاً‭ ‬في‭ ‬أيام‭ ‬الرخاء‭ ‬ليصمد‭ ‬في‭ ‬أيام‭ ‬الشدة‭. ‬وهذا‭ ‬تحديداً‭ ‬ما‭ ‬تعنيه‭ ‬الدولة‭ ‬بمفهومها‭ ‬الحضاري‭.‬

‏rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا