عندما كنت رئيسةً لقسم التظلمات في إدارة التأمين ضد التعطل، كانت أجمل اللحظات في يومي تلك الطمأنينة التي ترتسم على وجه من جاء قلقا ثم غادر مرتاحا. المفصول من عمله يدخل وهو لا يعرف إن كان يستحق تعويضاً أصلاً، خائفاً أن يكون فصله قد أسقط حقه في أي دعم. وحين يعلم أن القانون كفل له حقاً وأن الصندوق سيسنده لأشهر ريثما يجد عملاً آخر، يتنفّس.
ومثله الشاب الداخل لأول مرة إلى سوق العمل، يكتشف أن إعانة تنتظره إن لم يجد عملاً فور تخرّجه، وأن الدولة لم تتركه يواجه هذه المرحلة وحده. تلك اللحظة التي يدرك فيها كلٌّ منهما أن أحداً فكّر فيه قبل أن تضيق به الأحوال، كانت تكفي وحدها لتغيّر ملامحه.
هذه الطمأنينة لم تأتِ من فراغ. بناها قانونٌ رائد أرست البحرين بموجبه نظاماً متكاملاً للتأمين ضد التعطل عام 2006، كانت البحرين الأولى عربياً في هذه الخطوة. وكان إنشاء هذا الصندوق ترجمة لرؤية القيادة بإيجاد جهاز يحمي العامل في أصعب لحظاته.
ما يميّز هذا الصندوق أنه لم يُبنَ على خزينة الدولة وحدها. الموظف شريك في بنائه، وصاحب العمل شريك، والدولة شريكة. ثلاثة أطراف تتكاتف معاً في مواجهة يوم لا يتمناه أحد، لكنه قد يأتي. هذا التصميم في جوهره فلسفة قبل أن يكون قانوناً: الحماية الاجتماعية مسؤولية مشتركة، لا عبء يُلقى على طرف دون آخر.
وهذا الرصيد المتراكم أثبت جدارته على مدى عقدين. فحين أعلنت الحكومة التكفّل بدفع رواتب البحرينيين المؤمن عليهم في القطاع الخاص لشهر أبريل من هذا الصندوق، دعماً للقطاع الخاص والحفاظ على العمالة الوطنية في ظروف اقتصادية استثنائية، كان الصندوق جاهزاً وفي أتمّ العافية. لأنه بُني أصلاً لهذه اللحظات.
كثيرون يستثقلون ما يُقتطع من رواتبهم شهرياً، ويرون فيه عبئاً إضافياً على معيشتهم. لكن حين تضيق الأحوال ويُفاجأ الإنسان بفقدان عمله، يتذكّر فجأة ذلك الرقم الصغير ويدرك قيمته. ذلك الاقتطاع هو نفسه الذي يقف إلى جانبه الآن. شيء أثقل من المال وأعمق من الإعانة، يقينٌ بأن أحداً لم ينسه.
وامتدّ هذا اليقين ليطال أصحاب العمل أيضاً. تواصل معي بعضهم في لحظات صعبة، يسألون عن مخارج قانونية لتقليل رواتب عمالهم، وآخرون يستفسرون عن إجراءات إنهاء خدمات بعض موظفيهم لعجزهم عن السداد. في أصواتهم كان القلق واضحاً، وفي أسئلتهم كان يظهر ثقل المسؤولية التي يحملونها.
وحين علموا أن رواتب موظفيهم لشهر أبريل ستُصرف من الصندوق، تحوّل ذلك القلق إلى امتنان. امتنان من يكتشف أن الصندوق أراحه من قرارات كان سيندم عليها، وحمى علاقته بموظفيه في أصعب الأوقات. الصندوق بقي كما هو، اتّسعت الحاجة إليه فقط.
وللصندوق تاريخ في إثبات حضوره. حين اجتاحت جائحة كورونا العالم عام 2020 وتباطأت عجلة الاقتصاد في كل العالم، كان الصندوق الملاذ الأول لحماية رواتب البحرينيين في القطاع الخاص. خفّف من الأضرار التي وقعت على أصحاب العمل والعمال معاً، وحال دون موجة تسريح كانت ستُلقي بظلالها على الأسر والمجتمع. اختبار بحجم وباء عالمي اجتازه الصندوق بجدارة، لأن من بنوه بنوه بعقلية المدى البعيد وبرؤية تتجاوز اللحظة.
إن الأرقام تشهد على ذلك. موجودات الصندوق اليوم تعكس عقوداً من الاشتراكات المنتظمة، شهراً بشهر، وموظفا إثر موظف. تراكمت من ثقة يومية هادئة صنعت مع الوقت رصيداً حقيقياً. هذا ما تبنيه الثقة حين تصبح نظاماً.
إن الحفاظ على هذا الصندوق مسؤولية لا تقل أهمية عن بنائه. الأجيال القادمة من العمال وأصحاب العمل ستحتاجه كما احتجناه، وربما أكثر. عالم يتغيّر بسرعة، وأسواق عمل تتقلّب، وظروف لا يمكن التنبؤ بها. ما بناه الأوائل بعقلية المدى البعيد أمانة في أعناقنا، تستوجب الوعي بقيمته والدفاع عنه. إن الصندوق لا يكبر وحده، بل يكبر بثقتنا فيه.
كذلك فإن الراتب الذي يصل في موعده يحمل معنى يفوق قيمته. معنى أن وراءك دولةً فكّرت فيك قبل أن تحتاج، وبنت لك سياجاً في أيام الرخاء ليصمد في أيام الشدة. وهذا تحديداً ما تعنيه الدولة بمفهومها الحضاري.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك