مضيق هرمز، الممر الذي يفصل بين الخليج العربي وبحر عُمان. وفقاً لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، يشقّه يوميا ما معدله 20.9 مليون برميل نفط خام ومنتجات نفطية – ما يعادل نحو خُمس الاستهلاك النفطي العالمي، وما بين الربع والثلث من إجمالي التجارة البحرية للنفط في العالم. كما يعبره ما بين 15 و20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً.
والمملكة العربية السعودية تُصدِّر نحو 5.5 ملايين برميل في اليوم الواحد عبر هذا الممر، ما يجعلها أكبر مُصدِّر منفرد في العالم عبر هذا المضيق، إذ يمثّل ذلك قرابة ربع الإجمالي العابر. فضلاً عن البحرين والإمارات وقطر والكويت والعراق وما تضيفه من ملايين البراميل إلى هذا التدفق اليومي.
إن الخطر الحقيقي يكمن في الفوضى القانونية الصامتة التي تسود الممر: فوضى تتصادم فيها قواعد البحار الدولية مع المصالح الوطنية، وتتعارض فيها تفسيرات الدول حتى على أبجديات القانون. وانفجار هذا التوتر يدفع ثمنه الجميع، بل كل إنسان على وجه الأرض.
قانون ولد ناقصا: لقرون طويلة سادت فكرة بسيطة وعميقة: البحر لا يملكه أحد. صاغها الفقيه الهولندي هوجو جروتيوس عام 1609 في كتابه الشهير «البحر الحر»، فأرسى أساساً فلسفياً للعلاقات البحرية الدولية ظلّ صامداً قرابة ثلاثة قرون. لكن مع اكتشاف الثروات الطبيعية من نفط وغاز وغيرها في قاع البحار، بالإضافة إلى تنامي الثروات البحرية؛ بدأت الدول تتنازع على المياه تنازعاً غير مسبوق. فكان لا بدّ من قانون مكتوب.
في عام 1958 أنتجت الأمم المتحدة في «جنيف» أول منظومة قانونية دولية للبحار.. وأرست هذه الاتفاقية مفهومين أساسيين لا يزالان في صلب النزاع حتى اليوم: المياه الإقليمية، ذلك الشريط البحري القريب من الشاطئ الذي تمارس فيه الدولة سيادتها شبه الكاملة؛ والمرور البريء، حق أي سفينة في العبور شريطة ألا يضرّ بأمن الدولة الساحلية – كحق الجار في عبور فنائك، لكن صاحب البيت يبقى لديه الكلمة الفصل في مرورك من عدمه.
ثم جاء عام 1982 بصفحة جديدة. إذ إنه وبعد تسع سنوات من المفاوضات بين 160 دولة، وُلد ما بات يُعرف بـ«دستور المحيطات»: أي اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) أضافت مفهوماً وصف بأنه أكثر تحرراً وأشد خصوصية بشأن المضايق الدولية: «المرور العابر». وهو حق مكفول لكل السفن والطائرات في العبور المتواصل والسريع، لا يجوز تعليقه لأي سبب كان.
الفرق جوهري ودقيق في آنٍ معاً: المرور البريء إذنٌ قابل للسحب، أما المرور العابر فحقٌ لا رجعة فيه. وفي هذا الفرق الدقيق تكمن بذرة الأزمة كلها.
ضفتان وشريعتان: الضفة الجنوبية عُمانية، وعُمان صادقت على اتفاقية UNCLOS وتلتزم بنظام المرور العابر الكامل. أما الضفة الشمالية فإيرانية، وإيران لم تصادق على الاتفاقية وأعلنت اعتراضاتها. بل أصدرت عام 1993 قانونها البحري الوطني الذي يمنحها صراحةً حق تنظيم المرور وتعليقه لدواعٍ أمنية.
ولا يمكن إغفال أن إيران ترى في اتفاقية 1982 معاهدة لم تصادق عليها، وتتمسك باتفاقيات جنيف 1958 التي تُخضع المضايق لنظام المرور البريء لا العابر. والجدل الفقهي حول ما إذا كان نظام المرور العابر قد أصبح «قانوناً عرفياً دولياً ملزماً للجميع» أم لا هو مسألة نظرية بحتة يطبقها أو يرفضها من بيده القوة على الأرض (وبالنسبة إلى هرمز على سطح البحر) دعماً لمصالحه.
النتيجة العملية الأكثر إثارة للقلق: سفينة تعبر هرمز في دقائق معدودة – وسط حركة يومية تبلغ نحو 138 سفينة تجارية في المتوسط، منها أكثر من 50 ناقلة نفط – تجد نفسها تنتقل فجأة من منطقة قانونية إلى أخرى مختلفة تماماً… بينما لا تتغير ملوحة البحر أو لونه!
فوضى مضاعفة.. الأسطول المجهول
يُضاف إلى هذا التناقض البنيوي تعقيد آخر بالغ الخطورة: العقوبات الأمريكية على إيران. تمتد هذه العقوبات أحياناً إلى اعتراض ناقلات في أعالي البحار، والمشكلة أن اتفاقية UNCLOS لا تُجيز ذلك إلا في حالات محددة بالنص (القرصنة، الاتجار بالرقيق، البث غير المرخص). لذا لجأت واشنطن أحياناً إلى ما يُعرف بـ«الولاية القضائية التأثيرية» – نظرية تعدّها أغلب دول العالم تجاوزاً للاختصاص القضائي الدولي المعمول به. وهي نظرية قانونية مثيرة للجدل في القانون الدولي، تمنح الدولة الحق في ممارسة سلطتها القضائية على أفعال حدثت خارج حدودها، طالما أن تلك الأفعال أنتجت تأثيرات ضارة وملموسة داخل أراضيها.
المفارقة الصارخة: طرفان يتبادلان توظيف القانون سلاحاً، وفي المنتصف يتآكل النظام الدولي الذي يفترض أنه يحمي الجميع. إيران بدورها ردّت باحتجاز ناقلات ترفع أعلام دول محايدة –بريطانية وكورية وبنامية– بذرائع التهريب أو التلوث أو «المعاملة بالمثل». وهذا ينتهك مبدأ «حصانة العلم» الراسخ في القانون الدولي، ويُرتّب مسؤولية دولية على الدولة المحتجزة.
ولعلّ أبلغ مثال على حجم هذا الفراغ القانوني ما جرى صيف 2019، حين احتجزت إيران الناقلة البريطانية Stena Impero في مياه خليج عُمان، واحتُجزتها لأكثر من سبعين يوماً دون أن يجد أصحابها سبيلاً قانونياً فاعلاً للإفراج عنها.
لم تكن تلك الحادثة استثناءً، بل كانت نموذجاً مُصغَّراً لما يمكن أن يحدث على نطاق أوسع وبعواقب أشد. وهذه الحادثة تؤكد هشاشة الأمن الملاحي في مضيق هرمز، وكيفية استخدام «القانون المحلي» كذريعة للاحتجاز السياسي، مما يجعل السفن التجارية رهينة للنزاعات الجيوسياسية دون وجود حماية قانونية فورية وفاعلة.
في خضم هذه الفوضى، نشأت ظاهرة تُقلق الخبراء البيئيين والقانونيين على حدٍّ سواء: أسطول الظل. ويُقدَّر عدد الناقلات العاملة ضمن هذا الأسطول بأكثر من 400 ناقلة تنقل النفط متجاهلةً العقوبات: تُطفئ أجهزة التتبع، وترفع أعلام دول صغيرة لا تملك القدرة على المراقبة، وتعمل خارج معايير السلامة الدولية وبلا تأمين حقيقي. وعلى سبيل المثال: فإنه –لا قدر الله– لو حدث تسريب نفط من ناقلة ضخمة من هذا الأسطول قرب سواحل الخليج فهنا تطرح التساؤلات حول تحديد المسؤولية والتبعات القانونية ومن يدفع الحساب؟ فالإجابة المزعجة: لا أحد على وجه اليقين. وهذا فراغ قانوني كامل في تحديد المسؤولية.
ثلاثة مسارات قبل الانفجار
من هذه الفوضى أو الفراغ والتداخل القانوني يرتب سؤالا علينا الإجابة عنه، وهو ما العمل؟ هنا يوجد ثمة ثلاثة مسارات واقعية، وفي الوقت نفسه متفاوتة في إمكانية التطبيق:
المسار الأول – اتفاقية بيئية بمعايير أمنية (الأكثر واقعية والأقرب تحقيقاً): تقودها دول الخليج العربي –الأكثر تضرراً جغرافياً– وتفرض معايير دنيا إلزامية: سلامة الملاحة، تأمين حقيقي، وتتبع إلكتروني لا يُطفأ. والسند القانوني موجود في المادتين 42 و197 من UNCLOSاللتين تُجيزان التشريع الإقليمي لحماية بيئة المضيق. وتفعيل متطلبات حماية البيئة بإلزامية التتبع الإلكتروني للسفن وهو ما يسحب البساط من ذريعة الجدل حول حق المرور البريء أو المرور العابر. والنموذج الأقرب سياقاً هو اتفاقية برشلونة 1976 لحماية البحر المتوسط، التي نجحت في فرض معايير بيئية مشتركة على دول ساحلية متباينة سياسياً.
المسار الثاني – معاهدة التنوع البيولوجي في المناطق الواقعة خارج الولاية القضائية الوطنية (BBNJ) التي دخلت حيز التنفيذ في 17 يناير 2026، توفر آلية لإنشاء «مناطق محمية» تمنح هذه المعاهدة – حين تكتمل تصديقاتها الدولية – إنشاء مناطق بحرية محمية مجاورة للمضيق، وفرض قيود بيئية عبر آليات متعددة الأطراف بعيداً عن الطابع الأحادي الذي يرتبط بالحلول (الأمريكية – الإيرانية).
المسار الثالث – مجلس الأمن (الفصل السابع): رفع الملف لتأطير حرية الملاحة في هرمز كالتزام إنساني دولي يهدد السلم والأمن الدوليين. السابقة موجودة في قرار 1816/2008 الذي أجاز التدخل الدولي لمكافحة القرصنة الصومالية. العقبة الحاسمة: حق النقض الصيني والروسي. وهنا تبرز أهمية الدور الجيوسياسي للصين: فمصالحها المزدوجة – أمن الطاقة عبر إيران، والشراكات الاقتصادية العميقة مع دول الخليج– قد تجعلها مفتاحاً لأي تسوية دولية ناجحة، لا عقبةً أمامها.
إن هذا المضيق ليس مجرد ممر مائي على الخريطة. إنه شريان الحياة لاقتصادنا الخليجي، وصمام الضغط الذي يحكم نبض الاقتصاد العالمي بأكمله.
إن التاريخ يُخبرنا بمرارة أن القانون الدولي نادراً ما يتقدم إلا على أنقاض الكوارث. والأزمة الراهنة تفرض تحركا خليجيا مشتركا لحماية حرية الملاحة عبر المضيق وحشد إجماع عالمي على ضرورة الالتزام بتطبيق قواعد القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة بشأن قانون البحار من أجل استقرار الاقتصاد العالمي.
{ محام بحريني.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك