العدد : ١٧٥٦٠ - الثلاثاء ٢١ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٦٠ - الثلاثاء ٢١ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

مضيق هرمز وضرورة الالتزام بقواعد القانون الدولي

بقلم: محمد العثمان

الاثنين ٢٠ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬الممر‭ ‬الذي‭ ‬يفصل‭ ‬بين‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬وبحر‭ ‬عُمان‭. ‬وفقاً‭ ‬لبيانات‭ ‬إدارة‭ ‬معلومات‭ ‬الطاقة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬يشقّه‭ ‬يوميا‭ ‬ما‭ ‬معدله‭ ‬20‭.‬9‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬نفط‭ ‬خام‭ ‬ومنتجات‭ ‬نفطية‭ ‬–‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬نحو‭ ‬خُمس‭ ‬الاستهلاك‭ ‬النفطي‭ ‬العالمي،‭ ‬وما‭ ‬بين‭ ‬الربع‭ ‬والثلث‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬التجارة‭ ‬البحرية‭ ‬للنفط‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬كما‭ ‬يعبره‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬15‭ ‬و20‭% ‬من‭ ‬تجارة‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬عالمياً‭. ‬

والمملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬تُصدِّر‭ ‬نحو‭ ‬5‭.‬5‭ ‬ملايين‭ ‬برميل‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬الواحد‭ ‬عبر‭ ‬هذا‭ ‬الممر،‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬أكبر‭ ‬مُصدِّر‭ ‬منفرد‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬عبر‭ ‬هذا‭ ‬المضيق،‭ ‬إذ‭ ‬يمثّل‭ ‬ذلك‭ ‬قرابة‭ ‬ربع‭ ‬الإجمالي‭ ‬العابر‭. ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬البحرين‭ ‬والإمارات‭ ‬وقطر‭ ‬والكويت‭ ‬والعراق‭ ‬وما‭ ‬تضيفه‭ ‬من‭ ‬ملايين‭ ‬البراميل‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬التدفق‭ ‬اليومي‭.‬

إن‭ ‬الخطر‭ ‬الحقيقي‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬الفوضى‭ ‬القانونية‭ ‬الصامتة‭ ‬التي‭ ‬تسود‭ ‬الممر‭: ‬فوضى‭ ‬تتصادم‭ ‬فيها‭ ‬قواعد‭ ‬البحار‭ ‬الدولية‭ ‬مع‭ ‬المصالح‭ ‬الوطنية،‭ ‬وتتعارض‭ ‬فيها‭ ‬تفسيرات‭ ‬الدول‭ ‬حتى‭ ‬على‭ ‬أبجديات‭ ‬القانون‭. ‬وانفجار‭ ‬هذا‭ ‬التوتر‭ ‬يدفع‭ ‬ثمنه‭ ‬الجميع،‭ ‬بل‭ ‬كل‭ ‬إنسان‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الأرض‭.‬

قانون‭ ‬ولد‭ ‬ناقصا‭: ‬لقرون‭ ‬طويلة‭ ‬سادت‭ ‬فكرة‭ ‬بسيطة‭ ‬وعميقة‭: ‬البحر‭ ‬لا‭ ‬يملكه‭ ‬أحد‭. ‬صاغها‭ ‬الفقيه‭ ‬الهولندي‭ ‬هوجو‭ ‬جروتيوس‭ ‬عام‭ ‬1609‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬الشهير‭ ‬‮«‬البحر‭ ‬الحر‮»‬،‭ ‬فأرسى‭ ‬أساساً‭ ‬فلسفياً‭ ‬للعلاقات‭ ‬البحرية‭ ‬الدولية‭ ‬ظلّ‭ ‬صامداً‭ ‬قرابة‭ ‬ثلاثة‭ ‬قرون‭. ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬اكتشاف‭ ‬الثروات‭ ‬الطبيعية‭ ‬من‭ ‬نفط‭ ‬وغاز‭ ‬وغيرها‭ ‬في‭ ‬قاع‭ ‬البحار،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬تنامي‭ ‬الثروات‭ ‬البحرية؛‭ ‬بدأت‭ ‬الدول‭ ‬تتنازع‭ ‬على‭ ‬المياه‭ ‬تنازعاً‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭. ‬فكان‭ ‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬من‭ ‬قانون‭ ‬مكتوب‭.‬

في‭ ‬عام‭ ‬1958‭ ‬أنتجت‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬‮«‬جنيف‮»‬‭ ‬أول‭ ‬منظومة‭ ‬قانونية‭ ‬دولية‭ ‬للبحار‭.. ‬وأرست‭ ‬هذه‭ ‬الاتفاقية‭ ‬مفهومين‭ ‬أساسيين‭ ‬لا‭ ‬يزالان‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬النزاع‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭: ‬المياه‭ ‬الإقليمية،‭ ‬ذلك‭ ‬الشريط‭ ‬البحري‭ ‬القريب‭ ‬من‭ ‬الشاطئ‭ ‬الذي‭ ‬تمارس‭ ‬فيه‭ ‬الدولة‭ ‬سيادتها‭ ‬شبه‭ ‬الكاملة؛‭ ‬والمرور‭ ‬البريء،‭ ‬حق‭ ‬أي‭ ‬سفينة‭ ‬في‭ ‬العبور‭ ‬شريطة‭ ‬ألا‭ ‬يضرّ‭ ‬بأمن‭ ‬الدولة‭ ‬الساحلية‭ ‬–‭ ‬كحق‭ ‬الجار‭ ‬في‭ ‬عبور‭ ‬فنائك،‭ ‬لكن‭ ‬صاحب‭ ‬البيت‭ ‬يبقى‭ ‬لديه‭ ‬الكلمة‭ ‬الفصل‭ ‬في‭ ‬مرورك‭ ‬من‭ ‬عدمه‭.‬

ثم‭ ‬جاء‭ ‬عام‭ ‬1982‭ ‬بصفحة‭ ‬جديدة‭. ‬إذ‭ ‬إنه‭ ‬وبعد‭ ‬تسع‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬المفاوضات‭ ‬بين‭ ‬160‭ ‬دولة،‭ ‬وُلد‭ ‬ما‭ ‬بات‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ«دستور‭ ‬المحيطات‮»‬‭: ‬أي‭ ‬اتفاقية‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لقانون‭ ‬البحار‭ (‬UNCLOS‭) ‬أضافت‭ ‬مفهوماً‭ ‬وصف‭ ‬بأنه‭ ‬أكثر‭ ‬تحرراً‭ ‬وأشد‭ ‬خصوصية‭ ‬بشأن‭ ‬المضايق‭ ‬الدولية‭: ‬‮«‬المرور‭ ‬العابر‮»‬‭. ‬وهو‭ ‬حق‭ ‬مكفول‭ ‬لكل‭ ‬السفن‭ ‬والطائرات‭ ‬في‭ ‬العبور‭ ‬المتواصل‭ ‬والسريع،‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬تعليقه‭ ‬لأي‭ ‬سبب‭ ‬كان‭.‬

الفرق‭ ‬جوهري‭ ‬ودقيق‭ ‬في‭ ‬آنٍ‭ ‬معاً‭: ‬المرور‭ ‬البريء‭ ‬إذنٌ‭ ‬قابل‭ ‬للسحب،‭ ‬أما‭ ‬المرور‭ ‬العابر‭ ‬فحقٌ‭ ‬لا‭ ‬رجعة‭ ‬فيه‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الفرق‭ ‬الدقيق‭ ‬تكمن‭ ‬بذرة‭ ‬الأزمة‭ ‬كلها‭.‬

ضفتان‭ ‬وشريعتان‭: ‬الضفة‭ ‬الجنوبية‭ ‬عُمانية،‭ ‬وعُمان‭ ‬صادقت‭ ‬على‭ ‬اتفاقية‭ ‬UNCLOS‭ ‬وتلتزم‭ ‬بنظام‭ ‬المرور‭ ‬العابر‭ ‬الكامل‭. ‬أما‭ ‬الضفة‭ ‬الشمالية‭ ‬فإيرانية،‭ ‬وإيران‭ ‬لم‭ ‬تصادق‭ ‬على‭ ‬الاتفاقية‭ ‬وأعلنت‭ ‬اعتراضاتها‭. ‬بل‭ ‬أصدرت‭ ‬عام‭ ‬1993‭ ‬قانونها‭ ‬البحري‭ ‬الوطني‭ ‬الذي‭ ‬يمنحها‭ ‬صراحةً‭ ‬حق‭ ‬تنظيم‭ ‬المرور‭ ‬وتعليقه‭ ‬لدواعٍ‭ ‬أمنية‭.‬

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬إغفال‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬اتفاقية‭ ‬1982‭ ‬معاهدة‭ ‬لم‭ ‬تصادق‭ ‬عليها،‭ ‬وتتمسك‭ ‬باتفاقيات‭ ‬جنيف‭ ‬1958‭ ‬التي‭ ‬تُخضع‭ ‬المضايق‭ ‬لنظام‭ ‬المرور‭ ‬البريء‭ ‬لا‭ ‬العابر‭. ‬والجدل‭ ‬الفقهي‭ ‬حول‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬نظام‭ ‬المرور‭ ‬العابر‭ ‬قد‭ ‬أصبح‭ ‬‮«‬قانوناً‭ ‬عرفياً‭ ‬دولياً‭ ‬ملزماً‭ ‬للجميع‮»‬‭ ‬أم‭ ‬لا‭ ‬هو‭ ‬مسألة‭ ‬نظرية‭ ‬بحتة‭ ‬يطبقها‭ ‬أو‭ ‬يرفضها‭ ‬من‭ ‬بيده‭ ‬القوة‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ (‬وبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬هرمز‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬البحر‭) ‬دعماً‭ ‬لمصالحه‭.‬

النتيجة‭ ‬العملية‭ ‬الأكثر‭ ‬إثارة‭ ‬للقلق‭: ‬سفينة‭ ‬تعبر‭ ‬هرمز‭ ‬في‭ ‬دقائق‭ ‬معدودة‭ ‬–‭ ‬وسط‭ ‬حركة‭ ‬يومية‭ ‬تبلغ‭ ‬نحو‭ ‬138‭ ‬سفينة‭ ‬تجارية‭ ‬في‭ ‬المتوسط،‭ ‬منها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬50‭ ‬ناقلة‭ ‬نفط‭ ‬–‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬تنتقل‭ ‬فجأة‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬قانونية‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭ ‬مختلفة‭ ‬تماماً‮…‬‭ ‬بينما‭ ‬لا‭ ‬تتغير‭ ‬ملوحة‭ ‬البحر‭ ‬أو‭ ‬لونه‭!‬

فوضى‭ ‬مضاعفة‭.. ‬الأسطول‭ ‬المجهول

يُضاف‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬التناقض‭ ‬البنيوي‭ ‬تعقيد‭ ‬آخر‭ ‬بالغ‭ ‬الخطورة‭: ‬العقوبات‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬إيران‭. ‬تمتد‭ ‬هذه‭ ‬العقوبات‭ ‬أحياناً‭ ‬إلى‭ ‬اعتراض‭ ‬ناقلات‭ ‬في‭ ‬أعالي‭ ‬البحار،‭ ‬والمشكلة‭ ‬أن‭ ‬اتفاقية‭ ‬UNCLOS‭ ‬لا‭ ‬تُجيز‭ ‬ذلك‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬محددة‭ ‬بالنص‭ (‬القرصنة،‭ ‬الاتجار‭ ‬بالرقيق،‭ ‬البث‭ ‬غير‭ ‬المرخص‭). ‬لذا‭ ‬لجأت‭ ‬واشنطن‭ ‬أحياناً‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ«الولاية‭ ‬القضائية‭ ‬التأثيرية‮»‬‭ ‬–‭ ‬نظرية‭ ‬تعدّها‭ ‬أغلب‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬تجاوزاً‭ ‬للاختصاص‭ ‬القضائي‭ ‬الدولي‭ ‬المعمول‭ ‬به‭. ‬وهي‭ ‬نظرية‭ ‬قانونية‭ ‬مثيرة‭ ‬للجدل‭ ‬في‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬تمنح‭ ‬الدولة‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬ممارسة‭ ‬سلطتها‭ ‬القضائية‭ ‬على‭ ‬أفعال‭ ‬حدثت‭ ‬خارج‭ ‬حدودها،‭ ‬طالما‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬الأفعال‭ ‬أنتجت‭ ‬تأثيرات‭ ‬ضارة‭ ‬وملموسة‭ ‬داخل‭ ‬أراضيها‭.‬

المفارقة‭ ‬الصارخة‭: ‬طرفان‭ ‬يتبادلان‭ ‬توظيف‭ ‬القانون‭ ‬سلاحاً،‭ ‬وفي‭ ‬المنتصف‭ ‬يتآكل‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬الذي‭ ‬يفترض‭ ‬أنه‭ ‬يحمي‭ ‬الجميع‭. ‬إيران‭ ‬بدورها‭ ‬ردّت‭ ‬باحتجاز‭ ‬ناقلات‭ ‬ترفع‭ ‬أعلام‭ ‬دول‭ ‬محايدة‭ ‬–بريطانية‭ ‬وكورية‭ ‬وبنامية–‭ ‬بذرائع‭ ‬التهريب‭ ‬أو‭ ‬التلوث‭ ‬أو‭ ‬‮«‬المعاملة‭ ‬بالمثل‮»‬‭. ‬وهذا‭ ‬ينتهك‭ ‬مبدأ‭ ‬‮«‬حصانة‭ ‬العلم‮»‬‭ ‬الراسخ‭ ‬في‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬ويُرتّب‭ ‬مسؤولية‭ ‬دولية‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬المحتجزة‭.‬

ولعلّ‭ ‬أبلغ‭ ‬مثال‭ ‬على‭ ‬حجم‭ ‬هذا‭ ‬الفراغ‭ ‬القانوني‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬صيف‭ ‬2019،‭ ‬حين‭ ‬احتجزت‭ ‬إيران‭ ‬الناقلة‭ ‬البريطانية‭ ‬Stena‭ ‬Impero‭ ‬في‭ ‬مياه‭ ‬خليج‭ ‬عُمان،‭ ‬واحتُجزتها‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬سبعين‭ ‬يوماً‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يجد‭ ‬أصحابها‭ ‬سبيلاً‭ ‬قانونياً‭ ‬فاعلاً‭ ‬للإفراج‭ ‬عنها‭.‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬تلك‭ ‬الحادثة‭ ‬استثناءً،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬نموذجاً‭ ‬مُصغَّراً‭ ‬لما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬أوسع‭ ‬وبعواقب‭ ‬أشد‭. ‬وهذه‭ ‬الحادثة‭ ‬تؤكد‭ ‬هشاشة‭ ‬الأمن‭ ‬الملاحي‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬وكيفية‭ ‬استخدام‭ ‬‮«‬القانون‭ ‬المحلي‮»‬‭ ‬كذريعة‭ ‬للاحتجاز‭ ‬السياسي،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬السفن‭ ‬التجارية‭ ‬رهينة‭ ‬للنزاعات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬دون‭ ‬وجود‭ ‬حماية‭ ‬قانونية‭ ‬فورية‭ ‬وفاعلة‭.‬

في‭ ‬خضم‭ ‬هذه‭ ‬الفوضى،‭ ‬نشأت‭ ‬ظاهرة‭ ‬تُقلق‭ ‬الخبراء‭ ‬البيئيين‭ ‬والقانونيين‭ ‬على‭ ‬حدٍّ‭ ‬سواء‭: ‬أسطول‭ ‬الظل‭. ‬ويُقدَّر‭ ‬عدد‭ ‬الناقلات‭ ‬العاملة‭ ‬ضمن‭ ‬هذا‭ ‬الأسطول‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬400‭ ‬ناقلة‭ ‬تنقل‭ ‬النفط‭ ‬متجاهلةً‭ ‬العقوبات‭: ‬تُطفئ‭ ‬أجهزة‭ ‬التتبع،‭ ‬وترفع‭ ‬أعلام‭ ‬دول‭ ‬صغيرة‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬المراقبة،‭ ‬وتعمل‭ ‬خارج‭ ‬معايير‭ ‬السلامة‭ ‬الدولية‭ ‬وبلا‭ ‬تأمين‭ ‬حقيقي‭. ‬وعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭: ‬فإنه‭ ‬–لا‭ ‬قدر‭ ‬الله–‭ ‬لو‭ ‬حدث‭ ‬تسريب‭ ‬نفط‭ ‬من‭ ‬ناقلة‭ ‬ضخمة‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الأسطول‭ ‬قرب‭ ‬سواحل‭ ‬الخليج‭ ‬فهنا‭ ‬تطرح‭ ‬التساؤلات‭ ‬حول‭ ‬تحديد‭ ‬المسؤولية‭ ‬والتبعات‭ ‬القانونية‭ ‬ومن‭ ‬يدفع‭ ‬الحساب؟‭ ‬فالإجابة‭ ‬المزعجة‭: ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬اليقين‭.  ‬وهذا‭ ‬فراغ‭ ‬قانوني‭ ‬كامل‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬المسؤولية‭.‬

ثلاثة‭ ‬مسارات‭ ‬قبل‭ ‬الانفجار

من‭ ‬هذه‭ ‬الفوضى‭ ‬أو‭ ‬الفراغ‭ ‬والتداخل‭ ‬القانوني‭ ‬يرتب‭ ‬سؤالا‭ ‬علينا‭ ‬الإجابة‭ ‬عنه،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬العمل؟‭ ‬هنا‭ ‬يوجد‭ ‬ثمة‭ ‬ثلاثة‭ ‬مسارات‭ ‬واقعية،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬متفاوتة‭ ‬في‭ ‬إمكانية‭ ‬التطبيق‭:‬

المسار‭ ‬الأول‭ ‬–‭ ‬اتفاقية‭ ‬بيئية‭ ‬بمعايير‭ ‬أمنية‭ (‬الأكثر‭ ‬واقعية‭ ‬والأقرب‭ ‬تحقيقاً‭): ‬تقودها‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬–الأكثر‭ ‬تضرراً‭ ‬جغرافياً–‭ ‬وتفرض‭ ‬معايير‭ ‬دنيا‭ ‬إلزامية‭: ‬سلامة‭ ‬الملاحة،‭ ‬تأمين‭ ‬حقيقي،‭ ‬وتتبع‭ ‬إلكتروني‭ ‬لا‭ ‬يُطفأ‭. ‬والسند‭ ‬القانوني‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬المادتين‭ ‬42‭ ‬و197‭ ‬من‭  ‬UNCLOSاللتين‭ ‬تُجيزان‭ ‬التشريع‭ ‬الإقليمي‭ ‬لحماية‭ ‬بيئة‭ ‬المضيق‭. ‬وتفعيل‭ ‬متطلبات‭ ‬حماية‭ ‬البيئة‭ ‬بإلزامية‭ ‬التتبع‭ ‬الإلكتروني‭ ‬للسفن‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يسحب‭ ‬البساط‭ ‬من‭ ‬ذريعة‭ ‬الجدل‭ ‬حول‭ ‬حق‭ ‬المرور‭ ‬البريء‭ ‬أو‭ ‬المرور‭ ‬العابر‭. ‬والنموذج‭ ‬الأقرب‭ ‬سياقاً‭ ‬هو‭ ‬اتفاقية‭ ‬برشلونة‭ ‬1976‭ ‬لحماية‭ ‬البحر‭ ‬المتوسط،‭ ‬التي‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬فرض‭ ‬معايير‭ ‬بيئية‭ ‬مشتركة‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬ساحلية‭ ‬متباينة‭ ‬سياسياً‭. ‬

المسار‭ ‬الثاني‭ ‬–‭ ‬معاهدة‭ ‬التنوع‭ ‬البيولوجي‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الواقعة‭ ‬خارج‭ ‬الولاية‭ ‬القضائية‭ ‬الوطنية‭ (‬BBNJ‭) ‬التي‭ ‬دخلت‭ ‬حيز‭ ‬التنفيذ‭ ‬في‭ ‬17‭ ‬يناير‭ ‬2026،‭ ‬توفر‭ ‬آلية‭ ‬لإنشاء‭ ‬‮«‬مناطق‭ ‬محمية‮»‬‭ ‬تمنح‭ ‬هذه‭ ‬المعاهدة‭ ‬–‭ ‬حين‭ ‬تكتمل‭ ‬تصديقاتها‭ ‬الدولية‭ ‬–‭ ‬إنشاء‭ ‬مناطق‭ ‬بحرية‭ ‬محمية‭ ‬مجاورة‭ ‬للمضيق،‭ ‬وفرض‭ ‬قيود‭ ‬بيئية‭ ‬عبر‭ ‬آليات‭ ‬متعددة‭ ‬الأطراف‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الطابع‭ ‬الأحادي‭ ‬الذي‭ ‬يرتبط‭ ‬بالحلول‭ (‬الأمريكية‭ ‬–‭ ‬الإيرانية‭).‬

المسار‭ ‬الثالث‭ ‬–‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ (‬الفصل‭ ‬السابع‭): ‬رفع‭ ‬الملف‭ ‬لتأطير‭ ‬حرية‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬هرمز‭ ‬كالتزام‭ ‬إنساني‭ ‬دولي‭ ‬يهدد‭ ‬السلم‭ ‬والأمن‭ ‬الدوليين‭. ‬السابقة‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬قرار‭ ‬1816‭/‬2008‭ ‬الذي‭ ‬أجاز‭ ‬التدخل‭ ‬الدولي‭ ‬لمكافحة‭ ‬القرصنة‭ ‬الصومالية‭. ‬العقبة‭ ‬الحاسمة‭: ‬حق‭ ‬النقض‭ ‬الصيني‭ ‬والروسي‭. ‬وهنا‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬الدور‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬للصين‭: ‬فمصالحها‭ ‬المزدوجة‭ ‬–‭ ‬أمن‭ ‬الطاقة‭ ‬عبر‭ ‬إيران،‭ ‬والشراكات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العميقة‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬الخليج–‭ ‬قد‭ ‬تجعلها‭ ‬مفتاحاً‭ ‬لأي‭ ‬تسوية‭ ‬دولية‭ ‬ناجحة،‭ ‬لا‭ ‬عقبةً‭ ‬أمامها‭.‬

إن‭ ‬هذا‭ ‬المضيق‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬ممر‭ ‬مائي‭ ‬على‭ ‬الخريطة‭. ‬إنه‭ ‬شريان‭ ‬الحياة‭ ‬لاقتصادنا‭ ‬الخليجي،‭ ‬وصمام‭ ‬الضغط‭ ‬الذي‭ ‬يحكم‭ ‬نبض‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬بأكمله‭.‬

إن‭ ‬التاريخ‭ ‬يُخبرنا‭ ‬بمرارة‭ ‬أن‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬نادراً‭ ‬ما‭ ‬يتقدم‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬أنقاض‭ ‬الكوارث‭. ‬والأزمة‭ ‬الراهنة‭ ‬تفرض‭ ‬تحركا‭ ‬خليجيا‭ ‬مشتركا‭ ‬لحماية‭ ‬حرية‭ ‬الملاحة‭ ‬عبر‭ ‬المضيق‭ ‬وحشد‭ ‬إجماع‭ ‬عالمي‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬الالتزام‭ ‬بتطبيق‭ ‬قواعد‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬واتفاقية‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬بشأن‭ ‬قانون‭ ‬البحار‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬استقرار‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭.‬

{‭ ‬محام‭ ‬بحريني‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا