يدور النقاش حاليا على صعيد العالم كله حول مستقبل الطاقة والنفط تحديدا في ضوء الحرب القائمة والأزمة التي تعصف بالإقليم وبأهم مورد اقتصادي ومالي للتنمية في بلدان مجلس التعاون والعراق على حد سواء. ويواجه مستقبل الطاقة في المنطقة تحولات جذرية، حيث تتشابك التوترات العسكرية والسياسية مع تغيرات هيكلية في السوق العالمي.
لقد تحول النفط – ربما أكثر من الغاز- إلى سلاح ذي حدين رغم أن الأزمات ترفع الأسعار عادةً إلا أن الحرب الحالية خلقت حالة من «عدم اليقين» التي تعيق التخطيط طويل الأمد سواء لإنتاج النفط أو للصناعات المرتبطة به أو لخطط المستهلكين في العالم وما يترتب على ذلك من تعقيدات ومشكلات تتعلق بخطط التنمية بالنسبة للبلدان المنتجة للنفط في منطقة الخليج العربي بوجه خاص.
فبالنسبة إلى دول الخليج والعراق، يظل التحدي الأكبر في الموازنة بين الحاجة إلى تمويل الخدمات ومشاريع التنمية (التي تتطلب أسعاراً مرتفعة أو ثابتة أو شبه ثابتة على الأقل على المدى القصير والمتوسط) والحفاظ على حصة سوقية في ظل نمو إنتاج النفط الصخري والمصادر البديلة الأخرى في مختلف البلدان مما يشكل منافسة شرسة لأهم مصدر بالنسبة لدولنا الخليجية.
ومن جانب آخر، فإن الإشكالية الكبرى اليوم في ظل هذه الحرب وهذا التوتر المستمر هي إن المنطقة مهددة بالتوقف عن تمويل الخدمات والتنمية إذا ما طال الوضع الحالي، حيث تعتمد المنطقة على ممرات حيوية (مثل مضيق هرمز وباب المندب). وهذا يعني أن أي تصعيد يمس هذه الممرات يدفع المستهلكين الكبار (مثل الصين والهند) لتسريع البحث عن بدائل أو موردين من خارج الإقليم، مما يهدد تسويق نفط دول المنطقة ويجعلها تدريجيا مستبعدة لعدم الاستقرار الذي يهدد التنمية في البلدان المستهلكة.
كما أن إيران التي لا تزال تحت ضغط العقوبات وتأثير الحرب، سوف يصبح مستقبل قطاع الطاقة لديها رهيناً بالانفراج السياسي وقبولها بالحلول السلمية وبالتحول إلى دولة طبيعية تتخلى عن طموحاتها التوسعية على حساب المنطقة، مما سوف يؤدي إلى انفراجه اقتصادية وسياسية تساعدها على جذب الاستثمارات وتطوير الحقول المتقادمة. ويبدو العراق في وضع أسوأ من إيران لأنه يعتمد بشكل شبه كلي على النفط وتوقفه سوف يؤدي إلى كوارث حقيقية على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي في بلاد الرافدين.
إن الأزمة الحالية بينت بشكل واضح بالنسبة إلى دول الخليج العربية على الأقل ضرورة مراجعة سياساتها الاقتصادية والتنموية واللوجستية لتسريع برامج التنويع الاقتصادي وإيجاد بدائل على صعيد خطوط تصدير النفط والتقليل التدريجي من أهمية مضيق هرمز ليس بالنسبة إلى النفط فقط بل بالنسبة إلى التجارة بوجه عام حتى لا تبقى هذه الدول رهنا بتقلبات المزاج السياسي لنظام الملالي في إيران.
كما أن ضمان تدفق النفط إلى المستهلكين سواء في آسيا أو في أوروبا يقتضي من دولنا الخليجية تقديم ضمانات تكفل استمرار الإمدادات لتظل الشريك المفضل في ظل المنافسة الروسية والأمريكية.
صحيح أن النفط سيبقى المورد الأساسي عقودا قادمة، لكن قيمته ودوره وأهميته يمكن أن تصبح رهنا بالاستقرار السياسي والأمني في المنطقة. إن التحدي في الوقت الراهن ليس في نضوب النفط كما كان يقال في السنوات الماضية بل في الرغبة العالمية في الاعتماد مستقرة بعيدا عن التوترات والأزمات.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك