إذا انهارت المفاوضات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران فسوف يجد الرئيس دونالد ترامب عندها نفسه في مأزق لا مخرج سهل منه، حيث تشير استطلاعات الرأي إلى أن عناصر أساسية من تحالفه الانتخابي الفائز بدأت تشعر بالضيق من الحرب والإحباط من تداعياتها الداخلية.
ومع اقتراب موعد إجراء انتخابات التجديد النصفي في شهر نوفمبر القادم، يشعر الجمهوريون في الكونجرس أيضاً بالقلق بشأن ردود فعل الناخبين عند ذهابهم إلى صناديق الاقتراع.
هناك العديد من الجماعات المرتبطة بالحزب الجمهوري التي يجب أخذها في الاعتبار، ولكل منها مخاوفها الخاصة. لقد أرادت النخب الجمهورية التقليدية من الرئيس ترامب أن يحقق شيئًا واحدًا: حكومة أصغر وضرائب أقل.
ولأن الرئيس ترامب لم يكن أبداً من النوع الذي يتناسب مع صورة المحافظ الحقيقي، نظراً لسلوكه الصاخب، وفي بعض الأحيان الشائن، فقد كان هؤلاء المحافظون الأكثر تقليدية مترددين في البداية في تبني ترشيحه.
لكن عندما خفف الرئيس ترامب القيود المفروضة على صناعاتهم، وخفض ضرائبهم، وبدأ في تقليل الإنفاق الحكومي على البرامج الاجتماعية مع زيادة الإنفاق الدفاعي، وافقوا على ذلك.
كان المحافظون المتدينون قلقين في البداية أيضاً من أن سلوك الرئيس ترامب الشخصي من الناحية الأخلاقية ومواقفه السابقة بشأن مجموعة من «القضايا الاجتماعية» قد لا تتوافق مع أجندة «القيم التقليدية» الخاصة بهم.
وهنا أيضاً، طمأن الرئيس ترامب هؤلاء وبدد المخاوف، حيث عمد إلى إصدار أوامر تنفيذية وتعيين قضاة اتحاديين يدعمون برنامج المحافظين المسيحيين بكل وضوح.
إن أهم ما يؤثر في نجاح هذا الرئيس ترامب هو المجموعة التي يشار إليها الآن باسم مؤيدي حملة «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى(MAGA) - وهي مجموعة متنوعة من الناخبين الذين علقوا آمالهم على نجاح الرئيس ترامب.
كان عديد من هؤلاء الناخبين يُعرّفون أنفسهم سابقاً كديمقراطيين. إنهم أناس يشعرون بأنهم مُهمّشون في ظلّ الاقتصاد المتغيّر، وقد فقدوا الأمل في أن يتمكنوا هم أو أبناؤهم من تحقيق الحلم الأمريكي، كما أنهم يشعرون بأن صانعي السياسات في واشنطن قد تخلّوا عنهم.
لقد احتضنوا دونالد ترامب عندما أخبرهم أنه يفهم آلامهم ويتفهما، وأنه وحده القادر على إصلاح ما هو خاطئ من خلال إعادة ترتيب أولوياتنا الحكومية، مما يُمكّن أمريكا ومجتمعاتهم وعائلاتهم من «أن يكونوا عظماء مرة أخرى».
وكان من أهم وعوده في حملته الانتخابية إنهاء الإنفاق على «الحروب التي لا تنتهي» وإعطاء الأولوية لاحتياجات الأمريكيين العاديين من خلال جعل حياتهم في متناول الجميع.
ولأن هؤلاء الناخبين الجمهوريين كانوا يثقون بشدة في أداء الرئيس ترامب - حتى في الحالات التي تطلبت منهم تعليق رأيهم الأفضل في القضايا – حيث أظهرت استطلاعات الرأي أن 80% من الجمهوريين والناخبين الذين عرّفوا أنفسهم بأنهم من مؤيدي ترامب كانوا في البداية مؤيدين له بشكل ساحق في بداية الحرب الإيرانية.
تغيرت الكثير من الأمور ولم يعد الحال على هذا النحو، حيث تُظهر أحدث استطلاعات الرأي الآن أن نسبة الجمهوريين المعارضين لهذه الحرب قد ارتفعت من 11% إلى أكثر من 30%.
قد يكون أحد أسباب ذلك هو أن الإدارة الأمريكية أوحت بأن هذا الصراع سينتهي سريعًا وبشكل حاسم. ومع دخول العمليات العسكرية شهرها الثاني وارتفاع أسعار الوقود، مما يؤثر في عديد من التكاليف اللاحقة، يتزايد قلق الناخبين.
وفي هذا الصدد تشير أحدث استطلاعات الرأي إلى أن أكثر من 50% من ناخبي حركة «لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا» (MAGA) يُحمّلون الحرب مسؤولية ارتفاع أسعار الوقود.
وفي سياق متصل، وبينما احتفل المحافظون التقليديون والمحافظون الجدد بميزانية الرئيس - التي تضمنت زيادات هائلة في الإنفاق الدفاعي وتخفيضات في «الإنفاق التقديري» على الإنفاق الاجتماعي، لم يستوعب ناخبو ومؤيدو الرئيس ترامب بعدُ ما يعنيه ذلك بالنسبة إليهم.
ولم تلق تعليقات الرئيس ترامب اللاحقة أي اهتمام يذكر، والتي قال فيها إن الحكومة الفيدرالية لم تعد قادرة على تحمل تكاليف رعاية الأطفال، والرعاية الصحية لكبار السن (ميديكير)، والإعانات الغذائية للأسر ذات الدخل المنخفض، قائلاً:
«(لا يمكننا) إنفاق أي أموال على رعاية الأطفال لأن الولايات المتحدة الأمريكية لا تستطيع تحمل تكاليفها. نحن بلد كبير. لدينا 50 ولاية، ولدينا كل هؤلاء السكان الآخرين. نحن نخوض حروبًا. ليس من الممكن لنا أن نتحمل تكاليف رعاية الأطفال، وبرامج الرعاية الصحية الحكومية، وكل هذه الأمور الفردية».
لا توجد استطلاعات رأي حتى الآن حول هذه القضايا، ولكن تحديداً الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط - التي تشكل غالبية ناخبي حركة «لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا» (MAGA) - هي التي ستتأثر بهذه التخفيضات، إذا سمح الكونجرس بالمضي قدما في تنفيذها.
إنهم الناخبون الذين يحتاجون إلى رعاية نهارية بأسعار معقولة لتمكين كلا الزوجين من العمل، وهم كبار السن الذين يعتمدون على برنامج الرعاية الصحية الحكومي (Medicare) لتلقي الرعاية الصحية التي يحتاجونها. وهم المزارعون الذين يستفيدون من برامج دعم الغذاء التي توفر لهم سوقًا مضمونة لمنتجاتهم.
وهكذا، يجد الرئيس ترامب نفسه في مأزق لا مخرج منه. فهو يتعرض لضغوط من قاعدته الشعبية والجمهوريين المرشحين في الدوائر الانتخابية المتنافسة لإيجاد حلٍّ لإنهاء هذه الحرب قبل أن ينقلب المزيد من الناخبين ضدهم، وفي الوقت نفسه، يحثه حلفاؤه الإقليميون على عدم الانسحاب وترك فوضى عارمة وراءه. لذلك، سيكون خياره مصيريا.
{ رئيس المعهد العربي الأمريكي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك