أصبح مضيق هرمز معادلة صعبة في الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، حيث تحاول طهران توظيفه كورقة ضغط في هذا الصراع. ولعل من أبرز التطورات التي حدثت في هذا الإطار، هي سعي السلطات الإيرانية لفرض رسوم على حركة مرور السفن عبر هذا المضيق، وبما يمثل خروجاً على القواعد القانونية الدولية والممارسة الدولية المتبعة فيما يتعلق بحرية الملاحة في المضايق المائية الدولية.
ويثير هذا النهج الإيراني تساؤلات من قبيل: هل تملك إيران، بموجب القانون الدولي، الحق في فرض مثل هذه الرسوم على غرار الرسوم المفروضة في القنوات المائية الدولية الاصطناعية التي شقها الإنسان مثل قناة السويس وقناة بنما؟ أم أن مضيق هرمز يُعد في الأساس مضيقاً دولياً طبيعياً لا يجوز لأي دولة أن تفرض عليه أي تدابير سيادية مثل الرسوم؟ وتقتضي الإجابة عن مثل هذه التساؤلات التمييز بين المضايق الدولية والقنوات المائية الدولية، ثم التطبيق على حالة مضيق هرمز، وصولاً إلى تحديد الآثار القانونية المرتبة على فرض مثل هذه الرسوم.
المضايق والقنوات المائية الدولية:
إن الوضع القانوني للمضايق والقنوات المائية حول العالم فيما يتعلق برسوم العبور يختلف اختلافاً جوهرياً بحسب ما إذا كان الممر المائي مضيقاً طبيعياً أم قناة اصطناعية. فالمضايق الطبيعية - مثل مضيق هرمز- تخضع عموماً لقواعد القانون الدولي للبحار، وخاصة اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي تحظر فرض رسوم أو إتاوات لمجرد المرور. ويأتي ذلك بخلاف القنوات الاصطناعية - مثل قناة السويس- التي تخضع لاختصاص الدولة الإقليمية، والتي يجوز لها فرض رسوم بهدف استرداد تكاليف الإنشاء والصيانة والتشغيل.
وبالتالي تخضع المضايق المائية الدولية –مثل مضيق هرمز– أساساً لأحكام الجزء الثالث من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (المواد 34-45). فالمضايق المستخدمة للملاحة الدولية بين جزء من أعالي البحار أو المنطقة الاقتصادية الخالصة وجزء آخر منهما، ينطبق عليها حق «المرور العابر». ويُقصد بحق «المرور العابر» ممارسة حرية الملاحة والتحليق لغرض وحيد هو العبور المتواصل السريع في المضيق. وهو ما يعني أنه يحق لجميع السفن والطائرات ممارسة «المرور العابر» خلال المضايق الدولية التي تصل بين جزء من أعالي البحار أو المنطقة الاقتصادية الخالصة وجزء آخر من أعالي البحار أو المنطقة الاقتصادية الخالصة.
وجدير بالملاحظة أن «المرور العابر» يختلف اختلافاً جوهرياً عن «المرور البريء»، على نحو ما سنبين لاحقاً، لأن الأول يسمح لجميع السفن والطائرات بالمرور من المضايق الدولية، حيث لا يحق للدول المشاطئة للمضايق بموجب نص المادة (44) من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وقفها أو إعاقتها. كذلك، لا تجيز الاتفاقية المعنية أي إمكانية للدول المشاطئة للمضايق تحصيل أي رسوم على حركة مرور السفن. بعبارة أخرى، يحق للسفن والطائرات العبور عبر المضايق الدولية بشكل مستمر وسريع ودون تدخل أو عرقلة من الدول المشاطئة.
مضيق هرمز بين المرور العابر والبريء:
يستند النظام القانوني الحاكم لمضيق هرمز أساساً إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي تُصنف المضايق الدولية بوصفها فضاءات بحرية ينطبق عليها نظام «المرور العابر» بين أجزاء من أعالي البحار أو المناطق الاقتصادية الخالصة. وبموجب هذا النظام، يجب أن يكون مرور السفن والطائرات متواصلاً وسريعاً، ولا يجوز للدول الساحلية إعاقته أو تعليقه، حتى في ظل التذرع بالاعتبارات الأمنية. ولا شك في أن ذلك يعكس التزام الجماعة الدولية بالحفاظ على المرافق العالمية المشتركة، وضمان التدفق الحر وغير المقيد لحركة الملاحة عبر المضايق الدولية الحيوية.
بيد أن إيران ترفض صراحة تطبيق نظام «المرور العابر» على مضيق هرمز، وتتمسك بتطبيق نظام «المرور البريء». فإيران بوصفها دولة غير طرف في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، تدّعي أنها غير ملزمة بقواعد «المرور العابر» وتقدح في طابعها العرفي.
ولا شك في أن ما تدعيه إيران يخالف قواعد القانون الدولي ذات الصلة، الاتفاقية والعرفية على حد سواء، فيما يتعلق بتنظيم الملاحة في المضايق الدولية. كما أن التمسك بتطبيق قواعد «المرور البريء» بدلاً من «المرور العابر» على مضيق هرمز، يكشف بجلاء عن أن الإجراءات الإيرانية في المضيق تشكل انتهاكاً صريحاً لقانون البحار لعام 1982؛ إذ إن هناك فوارق جوهرية بالطبع بين نظامي «المرور العابر» و«المرور البريء»؛ فبموجب المادة 20 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، يتعين على الغواصات وسائر المركبات الغاطسة، عند ممارستها حق «المرور البريء»، أن تبحر على السطح وأن ترفع علمها. وعلى نحو مغاير، فإن الغواصات غير ملزمة أثناء ممارسة حق «المرور» العابر بأن تطفو فوق الماء رافعة أعلامها.
إضافة إلى ذلك، فإنه لا يمكن، بأي حال من الأحوال، فرض رسوم على مجرد مرور السفن في المضايق الدولية. إضافة إلى ضرورة التزام الدول المشاطئة للمضايق بعدم إعاقة «المرور العابر»، والالتزام بإعلان أي خطر تعلم به، قد يهدد الملاحة أو التحليق داخل المضيق أو فوقه. كذلك، في ضوء ذلك فإن الخرق الإيراني لقواعد القانون الدولي يواجه رفضاً واسعاً من قِبل دول الخليج العربية وغيرها من الدول الأخرى التي تتمسك بحق «المرور العابر» غير المقيد؛ مستندة في ذلك إلى القواعد العرفية الدولية والممارسة الملاحية المستقرة. كما أن فرض رسوم على مجرد المرور لا يتوافق مع مبدأ حرية الملاحة وحرية «المرور العابر» في المضايق الدولية، وهذا النوع من الإجراءات يخل بالتوازن القانوني الذي يضمن استمرار تدفق التجارة والطاقة العالمية عبر هذا الممر الحيوي.
وفي هذا الإطار، هناك آثار مترتبة على فرض إيران رسوماً في المضيق، ومنها الآتي:
1- مخالفة قواعد القانون الدولي: أضحى نظام «المرور العابر» عرفاً دولياً ملزماً حتى للدول التي لم تصدق على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار مثل إيران؛ ومن ثم فإن عدم الاعتراف به وتطبيق نظام «المرور البريء» بدلاً منه يُعد انتهاكاً صارخاً للقواعد القانونية الدولية. وهو ما يعني أن فرض رسوم على مجرد العبور من المضيق لا يستند إلى أي أساس قويم في القانون الدولي المعاصر، ويُشكل سابقة خطرة تؤثر بالسلب في استقرار النظم القانونية الدولية.
2- إعاقة الملاحة الدولية: إن عملية فرض الرسوم بالطبع سوف تؤدي في نهاية المطاف إلى إعاقة الملاحة الدولية، حيث إن فرض الرسوم لا يُعد إجراءً مالياً فقط؛ بل سوف يؤدي عملياً إلى إعاقة الملاحة من خلال إبطاء حركة السفن بسبب الإجراءات الإدارية، على اعتبار أن تحصيل الرسوم يستلزم إجراءات مسبقة مثل التسجيل، والتصريح، والتنسيق مع الجهات المختصة. وهذا يُحول المرور من «عبور حر وسريع» إلى عملية خاضعة للموافقات؛ ما سيؤدي إلى عدد من النتائج السلبية كانتظار السفن للحصول على إذن، والازدحام عند مداخل المضيق، وفقدان عنصر السرعة الذي يُعد جوهر نظام المرور العابر.
كما أنه إذا ما طُبقت الرسوم بصورة انتقائية بإعفاء دول بعينها مثلاً؛ فسيترتب على ذلك تهديد مبدأ المعاملة المتساوية في الملاحة الدولية، وخلق نظام عبور غير متكافئ وهذا سوف يخلق، بطبيعة الحال، بيئة دولية غير آمنة على التجارة الدولية.
خاتمة، يتضح مما تقدم أن فرض إيران رسوماً إلزامية على العبور في مضيق مثل هرمز يُعد أمراً غير مسبوق في القانون والممارسة الدولية المعاصرة، ويُشكل بطبيعة الحال خرقاً للالتزامات الدولية الاتفاقية والعرفية على حد سواء؛ ومن ثم فإن أي محاولة لتكريس نظام للرسوم في هذا المضيق الحيوي قد لا تؤدي فقط إلى نزاع قانوني، بل قد تُسهم في إعادة تشكيل قواعد الملاحة الدولية، بما يهدد استقرار النظام البحري العالمي.
لهذا، فإن الحفاظ على حرية الملاحة في المضايق الدولية يظل ضرورة قانونية واستراتيجية، ليس فقط لضمان انسياب التجارة، بل أيضاً لصون أحد أهم أعمدة النظام الدولي المعاصر.
{ أستاذ القانون الدولي المساعد
بكلية الاقتصاد - جامعة القاهرة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك