العدد : ١٧٥٥٨ - الأحد ١٩ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٥٨ - الأحد ١٩ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

قرار إسباني شجاع تجاه المهاجرين

بقلم: جعفر العلوني {

الأحد ١٩ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

بين‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭ ‬أساسٌ‭ ‬حضاريّ‭ ‬وتاريخيٌّ‭ ‬عريقٌ‭ ‬ومشتركٌ،‭ ‬شكّلت‭ ‬الأندلس‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬تجلّياته‭ ‬فرادةً‭ ‬وغنًى‭. ‬ففي‭ ‬تلك‭ ‬الرقعة‭ ‬الجغرافية،‭ ‬تفاعلت‭ ‬الثقافات،‭ ‬واندمجت‭ ‬المعارف،‭ ‬وتجاورت‭ ‬الأديان‭ ‬في‭ ‬سياقٍ‭ ‬إنسانيّ‭ ‬أنتج‭ ‬نموذجاً‭ ‬متميّزاً‭ ‬من‭ ‬التعايش‭ ‬والإبداع‭.‬

غير‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬الأساس‭ ‬تعرّض‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭ ‬للتمويه‭ ‬بفعل‭ ‬اعتبارات‭ ‬دينية‭ ‬وسياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬متشابكة‭. ‬وهكذا،‭ ‬تحوّل‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬أرضيةً‭ ‬للتواصل‭ ‬والتكامل‭ ‬الحضاري،‭ ‬إلى‭ ‬خطابٍ‭ ‬إقصائي‭ ‬يُستدعى‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬لتغذية‭ ‬أطروحات‭ ‬عن‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬الحضارات‭ ‬والثقافات‭ ‬والأديان،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬جسراً‭ ‬للفهم‭ ‬وبناء‭ ‬المشترك‭ ‬الإنساني‭.‬

لكنّ‭ ‬الأمم‭ ‬الحيّة‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تستعيد‭ ‬التاريخ‭ ‬بوصفه‭ ‬إمكاناً،‭ ‬لا‭ ‬بوصفه‭ ‬حنيناً‭ ‬أو‭ ‬أسطورةً‭. ‬وهذا‭ ‬تحديداً‭ ‬ما‭ ‬تعبّر‭ ‬عنه‭ ‬اليوم‭ ‬اللحظة‭ ‬الإسبانية‭ ‬الراهنة‭ ‬مع‭ ‬القرار‭ ‬الذي‭ ‬أعلنته‭ ‬الحكومة‭ ‬الإسبانية‭ ‬بتسوية‭ ‬أوضاع‭ ‬مئات‭ ‬آلاف‭ ‬من‭ ‬المهاجرين‭ ‬غير‭ ‬النظاميين‭ ‬ودمجهم‭ ‬في‭ ‬إيقاع‭ ‬الحياة‭ ‬والمجتمع‭. ‬وأبعد‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬القرار‭ ‬الإسباني‭ ‬مجرّد‭ ‬إجراء‭ ‬قانوني‭ ‬أو‭ ‬استجابةً‭ ‬اقتصاديةً‭ ‬أو‭ ‬سياسيةً،‭ ‬فإنّه‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬طيّاته‭ ‬معنًى‭ ‬حضارياً‭ ‬أعمق‭: ‬إنّه‭ ‬عودة،‭ ‬بشكل‭ ‬أو‭ ‬بآخر،‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬المنطق‭ ‬الأندلسي‭ ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬التنوّع‭ ‬مصدر‭ ‬قوّة‭ ‬لا‭ ‬تهديداً‭.‬

لطالما‭ ‬كانت‭ ‬الأندلس‭ ‬إطاراً‭ ‬كونياً‭ ‬لما‭ ‬نسمّيه‭ ‬اليوم‭ ‬ثقافة‭ ‬الامتزاج‭ ‬والاختلاط‭. ‬في‭ ‬كنف‭ ‬النواة‭ ‬الأندلسية‭ ‬عاش‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬ثقافة‭ ‬متداخلة‭ ‬الحدود‭ ‬واللغات،‭ ‬فيما‭ ‬وراء‭ ‬السياسة،‭ ‬والحدود‭ ‬الجغرافية‭ ‬والقومية،‭ ‬وفيما‭ ‬وراء‭ ‬الأديان‭. ‬

ووجدت‭ ‬تلك‭ ‬الثقافة‭ ‬قاعدتها‭ ‬في‭ ‬التعدّدية‭. ‬وتعبيراً‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬الإطار‭ ‬الكوني‭ ‬المؤتلِف‭ ‬والمختلِف‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد،‭ ‬ابتكرت‭ ‬الأندلس‭ ‬كلمتها‭ ‬الخاصّة‭: ‬الموشّحة؛‭ ‬ذلك‭ ‬المزيج‭ ‬اللغوي‭ ‬من‭ ‬العناصر‭ ‬المؤتلفة‭ ‬والمختلفة‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد،‭ ‬الذي‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬جسد‭ ‬واحد،‭ ‬هو‭ ‬جسد‭ ‬القصيدة‭. ‬هكذا،‭ ‬تجاورت،‭ ‬في‭ ‬الموشّح‭ ‬الأندلسي،‭ ‬اللغات،‭ ‬وتداخلت‭ ‬الإيقاعات،‭ ‬وبُني‭ ‬الجمال‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬اختلاف‭ ‬الأصوات‭ ‬وتعدّدها‭.‬

في‭ ‬قلب‭ ‬ذلك‭ ‬المنطق‭ ‬الأندلسي،‭ ‬عاش‭ ‬الفيلسوف‭ ‬العربي‭ ‬الاسلامي‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬أيضاً،‭ ‬بوصفه‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬من‭ ‬نظّروا‭ ‬لإمكانية‭ ‬التعايش‭ ‬بين‭ ‬الاختلافات‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إلغائها‭. ‬لم‭ ‬يرَ‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬في‭ ‬التعدّد‭ ‬تهديداً‭. ‬على‭ ‬العكس،‭ ‬اعتبره‭ ‬شرطاً‭ ‬للمعرفة‭. ‬فالحقيقة‭ ‬لديه‭ ‬لا‭ ‬تُحتكَر،‭ ‬بل‭ ‬تُبنى‭ ‬عبر‭ ‬مسالك‭ ‬متعدّدة‭: ‬بالعقل‭ ‬لمن‭ ‬يطلب‭ ‬البرهان،‭ ‬وبالإيمان‭ ‬لمن‭ ‬يجد‭ ‬فيه‭ ‬سكينته‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإنّ‭ ‬المجتمع‭ ‬الذي‭ ‬يتّسع‭ ‬لطرائق‭ ‬مختلفة‭ ‬في‭ ‬الفهم‭ ‬والعيش،‭ ‬هو‭ ‬مجتمع‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭.‬

يعيدنا‭ ‬قرارُ‭ ‬الحكومة‭ ‬الإسبانية‭ ‬الشجاع‭ ‬بتسوية‭ ‬أوضاع‭ ‬المهاجرين‭ ‬بمن‭ ‬فيهم‭ ‬المهاجرون‭ ‬بطرق‭ ‬غير‭ ‬شرعية،‭ ‬حين‭ ‬تتحدّث‭ ‬عن‭ ‬المهاجرين‭ ‬باعتبارهم‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬النسيج‭ ‬اليومي‭ (‬يعملون،‭ ‬ويبدعون،‭ ‬ويشاركون‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬المستقبل‭) ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬التركيب‭ ‬الأندلسي‭ ‬الفريد‭. ‬إنّه‭ ‬محاولة‭ ‬حديثة‭ ‬لكتابة‭ ‬موشّح‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬آخر،‭ ‬موشّحٍ‭ ‬اجتماعيّ‭ ‬ينظّم‭ ‬ويؤلّف‭ ‬ويعيد‭ ‬الصياغة‭ ‬داخل‭ ‬النسيج‭ ‬الواحد،‭ ‬بلغات‭ ‬متعدّدة‭ ‬وتجارب‭ ‬إنسانية‭ ‬متباينة‭. ‬ويطلّ‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬هنا‭ ‬بوصفه‭ ‬خلفيةً‭ ‬فكريةً‭ ‬لهذا‭ ‬التصوّر،‭ ‬بما‭ ‬يحمله‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬تعتبر‭ ‬التعدّد‭ ‬شرطاً‭ ‬لتماسك‭ ‬المعنى‭ ‬وإمكان‭ ‬العيش‭ ‬المشترك‭. ‬وتماماً‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬الموشّحة‭ ‬الأندلسية،‭ ‬لا‭ ‬يُلغى‭ ‬الاختلاف،‭ ‬بل‭ ‬يُنظَّم‭ ‬ويُؤلَّف‭ ‬ليصير‭ ‬مصدر‭ ‬انسجام‭ ‬وتكامل‭ ‬وإبداع‭.‬

في‭ ‬زمنٍ‭ ‬تتصاعد‭ ‬فيه‭ ‬الخطابات‭ ‬المنغلقة،‭ ‬وتُستعاد‭ ‬فيه‭ ‬ثنائيات‭ ‬الخوف‭ ‬والانقسام،‭ ‬وتُغذّي‭ ‬بعض‭ ‬الأيديولوجيات‭ ‬نزعة‭ ‬الإقصاء‭ ‬بدل‭ ‬الاعتراف،‭ ‬تكتسب‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬القرارات‭ ‬معناها‭ ‬الحقيقي؛‭ ‬فهي‭ ‬تطرح‭ ‬رؤية‭ ‬مضادّة‭:‬

‭ ‬إنّ‭ ‬إدماج‭ ‬المهاجرين‭ ‬ضرورة‭ ‬إنسانية‭ ‬وتاريخية‭ ‬واقتصادية‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد،‭ ‬فالمجتمعات‭ ‬التي‭ ‬تنغلق‭ ‬تفقد‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬التجدّد،‭ ‬بينما‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تفتح‭ ‬أبوابها‭ (‬بالعقل‭ ‬والتنظيم‭ ‬والعدالة‭) ‬تجد‭ ‬في‭ ‬التنوّع‭ ‬مصدراً‭ ‬لحيويتها‭ ‬واستمرارها‭.‬

‭ ‬كذلك‭ ‬فإنّ‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬صدًى‭ ‬لذاكرة‭ ‬إسبانية‭ ‬عميقة،‭ ‬ذاكرة‭ ‬الهجرة‭ ‬نفسها،‭ ‬حين‭ ‬اضطر‭ ‬الإسبان‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬مختلفة‭ ‬إلى‭ ‬الرحيل‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬حياة‭ ‬أفضل،‭ ‬وأسهموا‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬مجتمعات‭ ‬أخرى،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬أثرهم‭ ‬لاحقاً‭ ‬في‭ ‬تحديث‭ ‬وطنهم‭.‬

العالم‭ ‬الذي‭ ‬نعيش‭ ‬فيه‭ ‬اليوم،‭ ‬عالم‭ ‬الحروب‭ ‬والمجازر‭ ‬والإبادات،‭ ‬عالم‭ ‬السيليكون‭ ‬واستيطان‭ ‬الكواكب،‭ ‬عالم‭ ‬الروبوتات‭ ‬والآلات‭ ‬الذكية،‭ ‬عالم‭ ‬الأيديولوجيات‭ ‬الضيّقة‭ ‬والخطابات‭ ‬الإقصائية،‭ ‬يستلزم‭ ‬منّا‭ ‬استحضار‭ ‬النموذج‭ ‬الأندلسي،‭ ‬رؤيةً‭ ‬وممارسةً‭ ‬وسياسيةً‭ ‬وفكراً،‭ ‬كما‭ ‬يستلزم‭ ‬منّا‭ ‬أن‭ ‬‮«‬نوشّح‮»‬‭ ‬مجتمعاتنا،‭ ‬وأن‭ ‬‮«‬نوشّح‮»‬‭ ‬إنساننا‭ ‬لإعادة‭ ‬ضبط‭ ‬موسيقى‭ ‬المستقبل،‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬حقّاً‭ ‬ثمّة‭ ‬شيءٌ‭ ‬نريد‭ ‬أنّ‭ ‬نسميه‭ ‬‮«‬المستقبل‮»‬‭.‬

 

{ صحفي‭ ‬سوري‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬إسبانيا‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا