في ضوء الأزمات الدولية المتلاحقة وبروز أهمية المضايق البحرية في حركة التجارة العالمية واستقرار الأمن والسلام في عالم اليوم، وذلك كما ظهر بوضوح في أهمية مضيق هرمز وأيضا مضيق باب المندب، فقد أصبح من المهم لكل دارسي العلاقات الدولية والعلوم السياسية ضرورة العناية بالتعمق في دراسة تخصص الجغرافيا السياسية. وهي مجال بحثي شديد الأهمية، فالجغرافيا هي علاقة التأثير والتأثر بين السياسة والجغرافيا، ودراسة الجغرافيا السياسية تتعلق بتأثير الجغرافيا على السياسة وتأثير السياسة في الجغرافيا.
إن مجال الجغرافيا السياسية من المجالات المهمة للغاية التي لم يتم التطرق إليها بالقدر الكافي في الدراسات العلمية، بينما هي شديدة التأثير على الواقع السياسي فيما حولنا. في محاضرات مبادئ العلوم السياسية بالفرقة الأولى بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية درسنا أهمية الجغرافيا للواقع السياسي. بدءا من الحضارات القديمة. فللجغرافيا تأثير على الثقافة السياسية وتعددت الدراسات العلمية في العالم أجمع حول هذا. بالإضافة إلى ذلك تتعدد الدراسات حول العمران والسياسة وأهمية جغرافيا المدن وتأثيرها على السياسة، فيمكن للمدينة أن تكون فاعلا جيوسياسيا، وتوجد أهمية واضحة للمدينة، والمكان، والموقع الجغرافي في السياسة الدولية.
وإذا نظرنا إلى قضية إغلاق مضيق هرمز في الحرب الإيرانية فهذه القضية في صميم الجغرافيا السياسية. فلمضيق هرمز أهمية ودور كبير في قلب حركة التجارة العالمية، والتبادل الاقتصادي العالمي، وأمن الموارد والطاقة، ويُعد من أكثر الممرات الحيوية للاقتصاد والتجارة العالمية.
هنا الجغرافيا تلعب دورا حاسما في مسار الحرب والصراع. فإن إغلاق مضيق هرمز كأحد أهم ممرات الطاقة المؤثرة في النظام الاقتصادي فهو بمثابة شريان الطاقة والتجارة العالمية.
في الاقتصاد العالمي، يتم الاعتماد على مضيق هرمز في تصدير النفط لأنه من أهم ممرات الطاقة العالمية، فقد أضحى الممر الاستراتيجي هو عنصر من أجل الأمن الاقتصادي. من خلال منظور جيوسياسي فإن مضيق هرمز مثل الكثير من المضايق في العالم كمضيق باب المندب ومضيق ملقا له أهمية استراتيجية كبيرة. ففي الحرب الراهنة يتم توظيف مضيق هرمز في مساومات الحرب والتفاوض حول وقف إطلاق النار بين الولايات الامريكية وإيران بوساطة باكستانية، وذلك نظرا إلى موقعه الجغرافي المتميز. وهو ما يستدعي الاهتمام بكل الممرات المائية في العالم كأحد أبرز موضوعات الجغرافيا السياسية. فلا شك أن الجغرافيا السياسية يمكن أن تكون مدخلا لتفسير الكثير من الظواهر السياسية التي يشهدها العالم.
وباستخدام منظور الجغرافيا السياسية يمكن تفسير الحرب الإيرانية الحالية. فلم يكن متوقعا على الإطلاق أن تتطور الحرب من خلال هذا المنظور ليكون مضيق هرمز هو حجر الزاوية في الحرب الحالية.
ترغب الولايات المتحدة الأمريكية في تأمين المضيق، وقد حثت الدول الأوروبية على شن حرب من أجل السيطرة على المضيق وفتحه أمام حركة الملاحة الدولية ولكن رفض قادة الدول الأوروبية ذلك.
كما أبدت روسيا والصين تحفظاً قبل أيام على مشروع قرار بمجلس الأمن لإلزام إيران بحماية حركة الملاحة الدولية في مضيق هرمز، وقد تم إرجاء التصويت في مجلس الأمن على مشروع قرار يُجيز استخدام القوة لحماية مضيق هرمز أكثر من مرة.
واستخدمت الصين وروسيا الفيتو ضد مشروع قرار في مجلس الامن بشأن ضمان أمن الملاحة البحرية وفتح مضيق هرمز. حتى الآن نتيجة الحرب تبدو مفتوحة على احتمالات متعددة ومتعلقة بنتائج المفاوضات في إسلام آباد. ولكن النتيجة سترتبط بالجغرافيا السياسية، فالقوة النسبية لا تعتمد على قوة الموارد ولكن القدرة على استخدام هذه الموارد ونشرها. فإدارة الموارد يصعب توقع المسيطر عليها. إن هذا الممر المائي الذي لا يتجاوز عرضه 33 كيلومترا في أضيق نقطة له أضحى الخط الفاصل في هذه الحرب ذات التكاليف الباهظة على الاقتصاد العالمي.
{ أستاذ مساعد بكلية الاقتصاد
والعلوم السياسية- جامعة القاهرة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك