منذ أن برز الرئيس دونالد ترامب على الساحة السياسية الوطنية في الولايات المتحدة الأمريكية، ناقش الجمهوريون مدى التزامه بالمبادئ المحافظة. فلا أسلوبه الباذخ، ولا أخلاقه المثيرة للجدل، ولا سلوكه ولغته الفاضحة، تتناسب مع الأوساط المحافظة الرصينة والمنضبطة.
خلال العقود القليلة الماضية، انخرط الجمهوريون في قضايا اجتماعية مثل الإجهاض، بالإضافة إلى عدة قضايا ثقافية مثل كراهية الأجانب ومعارضة التمييز الإيجابي.
إلا أن هذه القضايا لم تكن في الواقع محورية في الفكر المحافظ التقليدي، الذي كان يُفهم تاريخياً على أنه ينحصر في «ضرائب أقل، حكومة أصغر» والإصرار على أن الدور الرئيسي للحكومة يجب أن ينحصر في «تأمين الدفاع الوطني».
لقد أثبت الرئيس دونالد ترامب جدارته في تحقيق هذه الأهداف المحافظة الأساسية. ففي ولايتيه الأولى والثانية، جمع بين تخفيضات كبيرة في الضرائب وزيادات هائلة في الإنفاق الدفاعي، وذلك لتوسيع ميزانية البنتاغون المتضخمة أصلاً أو لتمويل الحروب الخارجية التي نخوضها نحن أو حلفاؤنا.
يبدو أن إعلان الرئيس ترامب هذا الأسبوع ميزانية 2027 المقترحة بمثابة حلم تحقق للمحافظين. فهو يطالب بزيادة قدرها 500 مليار دولار لوزارة الدفاع، وهي أكبر زيادة (44%) وأكبر ميزانية عسكرية إجمالية منذ الحرب العالمية الثانية. وتأتي هذه الزيادة إضافةً إلى مبلغ 350 مليار دولار الذي طُلب لعام 2026، لتعويض التكاليف المتزايدة للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
يتضمن طلب ميزانية عام 2027 أيضًا زيادات في ميزانية شؤون المحاربين القدامى ووزارة العدل (لتغطية تكاليف الملاحقات القضائية المتعلقة بالهجرة) وتخفيضات في 10 وكالات حكومية أخرى، بما في ذلك تخفيضات حادة في ميزانية وزارة الخارجية والبرامج الدولية ومشاريع الطاقة المتجددة وأبحاث الرعاية الصحية والعديد من البرامج الاجتماعية والتعليمية والطبية.
وعندما سأله الصحفيون عن تأثير هذه التخفيضات تحديداً على برامج الرعاية الطبية (Medicare) وبرامج المساعدة الطبية (Medicaid) وبرامج رعاية الأطفال، أجاب الرئيس ترامب قائلا: «نحن نخوض حروباً. ليس من الممكن لنا أن نهتم برعاية الأطفال وبرامج المساعدة الطبية (Medicaid) وبرامج الرعاية الطبية (Medicare) وكل هذه الأشياء».
أما الأمر الأكثر إشكالية فهو أن هذه الزيادات الهائلة في الإنفاق الدفاعي قد اقترنت بانخفاض حاد في الإيرادات نتيجة لتشريع الرئيس ترامب الرئيسي «قانون واحد كبير وجميل» الذي صدر العام الماضي.
تضمن مشروع القانون تخفيضات ضريبية بقيمة 4.5 تريليونات دولار على مدى السنوات العشر القادمة، بعبارة أخرى، «ضرائب أقل، حكومة أصغر» مع تركيز حصري على الإنفاق الدفاعي، وهي الميزانية التي يحلم بها المحافظون.
هناك فائدتان إضافيتان للجمهوريين تنجمان عن الجمع بين انخفاض الإيرادات وزيادة الإنفاق الدفاعي: أولاً، يؤدي ذلك إلى زيادة حادة في عجز الميزانية، وهو ما استغله الجمهوريون بفعالية للمطالبة بخفض الإنفاق على الرعاية الاجتماعية.
ولأن الديمقراطيين الرئيسيين قد تجنبوا انتقاد الحروب الماضية والحالية والإنفاق الدفاعي المفرط، فقد سمحوا للجمهوريين باستخدام عجز الميزانية للتظاهر بالبراءة، وبدلاً من ذلك هاجموا الديمقراطيين لإنفاقهم المتهور الذي أوصل الولايات المتحدة الأمريكية إلى حافة الهاوية.
إلا أن التخفيضات الضريبية الهائلة غير المسؤولة التي أقرها الرئيس الأسبق رونالد ريغان والزيادات الضخمة في الإنفاق العسكري هما السبب الرئيسي لعجز الميزانية في ثمانينيات القرن الماضي. وبينما ركز الجمهوريون خلال انتخابات عام 2012 على قضية الدين الوطني المتزايد، فإن التخفيضات الضريبية التي أقرها جورج دبليو بوش والحرب على العراق هما اللذان كلفا تريليونات الدولارات من دون وجود إيرادات جديدة لتغطية نفقات الحرب وتداعياتها.
حتى الآن، كلّفت تلك الحرب أكثر من سبعة تريليونات دولار، وها هو الرئيس الحالي الجمهوري دونالد ترامب يسير على خطى سلفيه رونالد ريغان وجورج دبليو بوش.
سيحاول الرئيس دونالد ترامب، كما فعل رونالد ريغان، استغلال الأزمة الناجمة عن الميزانية المختلة لصالحه. فعندما سأله الصحفيون مؤخرا عن تأثير مقترح ميزانيته على البرامج الاجتماعية، أجاب قائلا: «(لا نستطيع) إرسال أي أموال لرعاية الأطفال لأن الولايات المتحدة لا تستطيع تحمل تكاليفها. نحن بلد كبير، لدينا 50 ولاية، ولدينا كل هؤلاء السكان الآخرين، ونخوض حروبًا. ليس من الممكن لنا أن نتحمل تكاليف رعاية الأطفال، وبرامج الرعاية الصحية الحكومية، وكل هذه الأمور الفردية. يمكنهم القيام بذلك على مستوى الولايات».
ومن خلال تقليص إيرادات الحكومة الفيدرالية بشكل متهور، ثم فرض تخفيضات في البرامج الاجتماعية الضرورية لإفساح المجال لزيادة الإنفاق الدفاعي، فإن ترامب، وعلى غرار سلفه ريغان، يجبر الولايات على تحمل كلفة هذه البرامج الحيوية.
وعندما يُجبر حكام الولايات الديمقراطيون على رفع الضرائب لتغطية التكاليف المتزايدة، ينقض الجمهوريون عليهم وينتقدونهم لرفعهم الضرائب.
وإذا لم تقنع سياسات هذا الرئيس خلال العقد الماضي النخبة المحافظة بأنه ليس واحداً منهم حقاً، أو الناخبين بأنه ليس الشعبوي الراديكالي الذي توحي به خطاباته، فإن ميزانيته لعام 2027 ستكون كافية لإقناعهم بأنه كذلك فعلا.
{ رئيس المعهد العربي الأمريكي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك