العدد : ١٧٥٥٨ - الأحد ١٩ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٥٨ - الأحد ١٩ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

دور الصواريخ والمسيرات في الحروب الحديثة

بقلم: هاني عوكل {

السبت ١٨ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

مع‭ ‬اشتداد‭ ‬حالة‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬التي‭ ‬يشهدها‭ ‬العالم،‭ ‬والتوترات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والحروب‭ ‬الحاضرة‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬العام،‭ ‬تسعى‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬لتحديث‭ ‬أصولها‭ ‬العسكرية‭ ‬وتطوير‭ ‬أسلحة‭ ‬تكتيكية‭ ‬واستراتيجية‭ ‬تتكئ‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مشكلة‭ ‬طارئة‭ ‬ومُستحدثة‭.‬

الحرب‭ ‬الروسية‭-‬الأوكرانية،‭ ‬التي‭ ‬مضى‭ ‬عليها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أربعة‭ ‬أعوام،‭ ‬دفعت‭ ‬أوكرانيا‭ ‬إلى‭ ‬إدخال‭ ‬المسيّرات‭ ‬في‭ ‬منظومتها‭ ‬الدفاعية‭ ‬والهجومية،‭ ‬واليوم‭ ‬تُشكّل‭ ‬عصب‭ ‬العمل‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬وتقوم‭ ‬بوظائف‭ ‬متنوعة‭ ‬تشمل‭ ‬المراقبة‭ ‬والاستطلاع‭ ‬وتوجيه‭ ‬الضربات‭ ‬المباشرة‭ ‬حتى‭ ‬إلى‭ ‬قلب‭ ‬روسيا،‭ ‬وكذلك‭ ‬اختبار‭ ‬الدفاعات‭ ‬الجوية‭ ‬وصد‭ ‬الصواريخ‭ ‬الروسية‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬يجري‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬الصواريخ‭ ‬قصيرة‭ ‬وبعيدة‭ ‬المدى،‭ ‬والأهم‭ ‬جعلها‭ ‬أكثر‭ ‬تدميراً‭ ‬في‭ ‬نطاقها‭ ‬الجغرافي‭ ‬المُستهدف،‭ ‬وفي‭ ‬المقابل‭ ‬اختراع‭ ‬أنظمة‭ ‬دفاعية‭ ‬يمكنها‭ ‬رصد‭ ‬الصواريخ‭ ‬والمُسيّرات‭ ‬وصدها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تسبب‭ ‬خسائر‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬الأرواح‭ ‬والممتلكات‭.‬

في‭ ‬المواجهة‭ ‬الأخيرة‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬وحلفائها‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬بدا‭ ‬واضحاً‭ ‬أن‭ ‬طهران‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬آلاف‭ ‬المُسيّرات‭ ‬الانتحارية‭ ‬والصواريخ‭ ‬الباليستية‭ ‬والعنقودية‭ ‬التي‭ ‬صنعتها‭ ‬لمثل‭ ‬هذه‭ ‬المواجهة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬غابت‭ ‬قدراتها‭ ‬الدفاعية‭ ‬بعد‭ ‬تدميرها‭ ‬بالكامل‭ ‬في‭ ‬الهجمات‭ ‬الجوية‭ ‬الامريكية‭ ‬والإسرائيلية‭.‬

إيران‭ ‬ركزت‭ ‬كثيراً‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬العشر‭ ‬الأخيرة‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬نظام‭ ‬صاروخي‭ ‬طويل‭ ‬المدى‭ ‬ومسيّرات‭ ‬انقضاضية‭ ‬بتكاليف‭ ‬رخيصة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬لم‭ ‬تهتم‭ ‬كثيراً‭ ‬بتطوير‭ ‬صواريخ‭ ‬دفاعية‭ ‬وأنظمة‭ ‬رادار‭ ‬متطورة‭ ‬يمكنها‭ ‬تتبع‭ ‬الصواريخ‭ ‬واستهدافها‭.‬

أما‭ ‬إسرائيل‭ ‬فقد‭ ‬اعتمدت‭ ‬في‭ ‬حربها‭ ‬على‭ ‬الطيران،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬استثمرت‭ ‬كثيراً‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬نظام‭ ‬دفاعي‭ ‬مكون‭ ‬من‭ ‬القبة‭ ‬الحديدية‭ ‬وصواريخ‭ ‬دفاعية‭ ‬اعتراضية‭ ‬متنوعة‭ ‬لتجنب‭ ‬التهديدات‭ ‬الخارجية،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬أنظمة‭ ‬التتبع‭ ‬والرادار‭ ‬لرصد‭ ‬الهجمات‭ ‬الصاروخية‭.‬

لقد‭ ‬كشفت‭ ‬الحرب‭ ‬الأخيرة‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬عن‭ ‬سعي‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬لامتلاك‭ ‬صواريخ‭ ‬باليستية‭ ‬عابرة‭ ‬للقارات،‭ ‬يمكنها‭ ‬أن‭ ‬تأخذ‭ ‬محل‭ ‬الطائرات‭ ‬المقاتلة‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬المعركة‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تقلل‭ ‬تكاليف‭ ‬المواجهة،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬تحضر‭ ‬في‭ ‬الذهن‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬كوريا‭ ‬الشمالية‭ ‬وتركيا‭.‬

بيونج‭ ‬يانج‭ ‬أو‭ ‬كوريا‭ ‬الشمالية‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬السلاح‭ ‬النووي‭ ‬تخصص‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأموال‭ ‬والوقت‭ ‬لتطوير‭ ‬وتحديث‭ ‬ترسانتها‭ ‬من‭ ‬الصواريخ‭ ‬الباليستية‭ ‬العابرة‭ ‬للقارات،‭ ‬وفي‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭ ‬خرّجت‭ ‬دفعات‭ ‬من‭ ‬الصواريخ‭ ‬التي‭ ‬يتجاوز‭ ‬مداها‭ ‬10‭ ‬آلاف‭ ‬كيلومتر‭.‬

مثل‭ ‬هذه‭ ‬الصواريخ‭ ‬يمكنها‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬تريده‭ ‬بيونج‭ ‬يانج‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تسير‭ ‬على‭ ‬نفس‭ ‬الخط‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬الأفكار‭ ‬والتوجهات،‭ ‬وثمة‭ ‬سباق‭ ‬محموم‭ ‬لتطوير‭ ‬صاروخ‭ ‬فرط‭ ‬صوتي‭ ‬عنقودي‭ ‬يمتلك‭ ‬قدرات‭ ‬تدميرية‭ ‬هائلة‭.‬

الفكرة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الصواريخ‭ ‬أن‭ ‬كوريا‭ ‬الشمالية‭ ‬لا‭ ‬يمكنها‭ ‬في‭ ‬حقيقة‭ ‬الأمر‭ ‬مجاراة‭ ‬أقوى‭ ‬دولة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬وهي‭ ‬أمريكا،‭ ‬وأن‭ ‬تنتصر‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬خاطفة‭ ‬أو‭ ‬طويلة،‭ ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬يمكن‭ ‬لها‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بحق‭ ‬الردع‭ ‬وتجنب‭ ‬تدميرها‭ ‬وإخضاعها‭ ‬تماماً‭.‬

صحيح‭ ‬أنه‭ ‬يمكن‭ ‬لبيونج‭ ‬يانج‭ ‬التهديد‭ ‬بالنووي،‭ ‬لكن‭ ‬أمر‭ ‬استخدامه‭ ‬مقيد‭ ‬جداً‭ ‬ويعني‭ ‬فناء‭ ‬العالم،‭ ‬ولذلك‭ ‬تستثمر‭ ‬في‭ ‬الصواريخ‭ ‬الباليستية‭ ‬والأنظمة‭ ‬الدفاعية‭ ‬لحماية‭ ‬نفسها‭ ‬والتأثير‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬المعركة،‭ ‬ويحدث‭ ‬أن‭ ‬تختبر‭ ‬كل‭ ‬فترة‭ ‬أسلحة‭ ‬حديثة،‭ ‬كما‭ ‬حصل‭ ‬قبل‭ ‬عدة‭ ‬أيام‭ ‬من‭ ‬اختبار‭ ‬رأس‭ ‬حربي‭ ‬عنقودي‭ ‬لصاروخ‭ ‬أرض‭-‬أرض‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬مساحة‭ ‬70‭ ‬ألف‭ ‬متر‭ ‬مربع‭ ‬إلى‭ ‬خراب‭ ‬بسبب‭ ‬القوة‭ ‬النارية‭ ‬التدميرية‭ ‬الكثيفة‭.‬

كذلك‭ ‬الحال‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬تركيا‭ ‬التي‭ ‬تصعد‭ ‬إقليمياً‭ ‬ودولياً‭ ‬وهي‭ ‬عضو‭ ‬في‭ ‬حلف‭ ‬‮«‬الناتو‮»‬‭ ‬العسكري،‭ ‬ترغب‭ ‬في‭ ‬امتلاك‭ ‬أسلحة‭ ‬متطورة‭ ‬تمكنها‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬التفوق‭ ‬الإقليمي‭ ‬في‭ ‬محيطها‭ ‬الجغرافي،‭ ‬والأهم‭ ‬تقربها‭ ‬من‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬الذي‭ ‬ترغب‭ ‬في‭ ‬الانضمام‭ ‬إليه‭.‬

تركيا‭ ‬تنظر‭ ‬في‭ ‬عوامل‭ ‬استقلالها‭ ‬الدفاعي،‭ ‬لكنها‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬حلف‭ ‬‮«‬الناتو‮»‬‭ ‬مدخلاً‭ ‬لتعظيم‭ ‬نفوذها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تشهد‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬أعضاء‭ ‬الحلف‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬فتوراً‭ ‬ومطبات‭ ‬على‭ ‬خلفية‭ ‬الحرب‭ ‬ضد‭ ‬إيران،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬أن‭ ‬تركيا‭ ‬تجد‭ ‬أن‭ ‬ضمانة‭ ‬صعودها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تكافئه‭ ‬قوة‭ ‬عسكرية‭ ‬تعزز‭ ‬حضورها‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الدولي‭.‬

حديثاً‭ ‬خرج‭ ‬الرئيس‭ ‬التركي‭ ‬أردوغان‭ ‬ليعلن‭ ‬على‭ ‬الملأ‭ ‬صاروخا‭ ‬فرط‭ ‬صوتي‭ ‬‮«‬تايفون‭ ‬4‮»‬‭ ‬تصل‭ ‬سرعته‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬6‭ ‬آلاف‭ ‬كيلومتر‭ ‬في‭ ‬الساعة،‭ ‬وينتمي‭ ‬إلى‭ ‬فئة‭ ‬الصواريخ‭ ‬متوسطة‭ ‬المدى،‭ ‬ضمن‭ ‬برنامج‭ ‬تركي‭ ‬للدخول‭ ‬إلى‭ ‬نادي‭ ‬الصواريخ‭ ‬العابرة‭ ‬للقارات‭.‬

ولتركيا‭ ‬خبرة‭ ‬ممتازة‭ ‬في‭ ‬تصنيع‭ ‬المُسيّرات‭ ‬التي‭ ‬حققت‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬شهرة‭ ‬عالمية‭ ‬وتعتبر‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬نقاط‭ ‬قوتها،‭ ‬وهي‭ ‬ماضية‭ ‬بقوة‭ ‬لتطوير‭ ‬مُسيّرات‭ ‬عسكرية‭ ‬شبيهة‭ ‬بالطائرات‭ ‬الحربية‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬طيار،‭ ‬يمكنها‭ ‬مواجهة‭ ‬الطائرات‭ ‬الحربية‭ ‬وتنفيذ‭ ‬ضربات‭ ‬أرضية‭ ‬دقيقة‭.‬

خلاصة‭ ‬الموضوع‭ ‬أن‭ ‬الحروب‭ ‬الأخيرة‭ ‬عكست‭ ‬الاهتمام‭ ‬المتنامي‭ ‬بأهمية‭ ‬امتلاك‭ ‬مُسيّرات‭ ‬دفاعية‭ ‬وهجومية،‭ ‬وصواريخ‭ ‬باليستية‭ ‬قصيرة‭ ‬وطويلة‭ ‬المدى،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬أنظمة‭ ‬دفاعية‭ ‬متقدمة،‭ ‬وكثير‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬بدأت‭ ‬تسابق‭ ‬الزمن‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬التقنيات‭.‬

والفكرة‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬التقليدية‭ ‬بدأت‭ ‬تأخذ‭ ‬أشكالاً‭ ‬مختلفة،‭ ‬وتتحول‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬يقودها‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬وصناعات‭ ‬عسكرية‭ ‬كثيفة‭ ‬بتكاليف‭ ‬معقولة‭ ‬ومؤثرة‭ ‬في‭ ‬حلبة‭ ‬المواجهة،‭ ‬تتربع‭ ‬على‭ ‬عرشها‭ ‬المُسيّرات‭ ‬والصواريخ‭ ‬الدفاعية‭ ‬والهجومية،‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬أسلحة‭ ‬أخرى‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬كلفة‭ ‬وأقل‭ ‬مردوداً‭ ‬عسكرياً‭.‬

 

{‭ ‬كاتب‭ ‬من‭ ‬فلسطين‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا