منذ قرابة ستة أشهر تقريبًا اتصل بي مدير الموارد البشرية في إحدى المؤسسات مستشيرًا في موضوع تسويف بعض الموظفين، وكيفية معالجة كل تلك النوعيات من هذا السلوك غير المقبول في أي مؤسسة.
تحدثنا حوالي ساعة على التلفون، ثم ذهب.
وبعد قرابة أسبوع اتصل مرة أخرى، ودعاني إلى مكتبه، وجلست معه، عندها شرح لي الموضوع بإسهاب، وجدت أن الموضوع لم يكن ليحل بمكالمة تلفونية أو بمجرد بعض النصائح، والإرشادات، فوجدت أنه من الأفضل أن أقوم ببعض الأعمال المنهجية حتى نتمكن من تحديد الأسباب الجذرية للتسويف في هذه المؤسسة. ولا أريد أن أتحدث عن الطرق التي استخدمناها في تحديد الأسباب الجذرية للتسويف، ولكن الذي يهمنا هنا أن نتحدث عن سيكولوجية التسويف وكيف يمكن لصاحب المؤسسة أو المدير التنفيذي أو العام أن يقلل من نسبة التسويف لديه.
سيكولوجية التسويف
على الرغم من إننا توصلنا إلى كثير من الأسباب والمسببات للتسويف من خلال عملنا في تلك المؤسسة، إلا أنه حتى نكون عمليين وموضوعيين، فإننا نحاول أن نصنف أسباب التسويف إلى ثلاثة أسباب رئيسية، وهي كالتالي:
1. أسباب نفسية: والمسببات النفسية للتسويف مختلفة، لكن في العموم قد يكون القلق والتقليل من قيمة الشخص لنفسه أو ما يسمى بضعف تقدير الذات من أهم المسببات للتسويف. وأيضًا إذا وجدت الهزيمة الذاتية أو العقلية المنهزمة ذاتيًا فهذا قد يسبب التسويف، وكذلك يُعتقد أن المسوفين لديهم مستوى أقل من غيرهم في الاجتهاد والهمة ولديهم جنوح للأحلام والأماني في تحقيق الكمال والإنجازات مما يدل على غياب الواقعية في تقديرهم لواجباتهم، وكذلك في تقديرهم لما هو متوقع من أمثالهم فقد يكون المتوقع منهم أقل مما يحلمون بالوصول إليه.
2. أسباب فسيولوجية: من المعروف أن المخ يُعد من أكثر الأعضاء تعقيدًا في جسم الإنسان، ويعتقد أن له علاقة بالتسويف، فالقشرة الأمامية من المخ مسؤولة عن الوظائف التنفيذية للمخ مثل التخطيط والانتباه والسيطرة على الانفعالات. وهذا الجزء من المخ يقوم بدور مهم في التقليل من التشتيت الحاصل من محفزات يسببها أجزاء أخرى من المخ، وإذا كان هذا الجزء من المخ مصابًا أو لا يعمل بكفاءة فإن هذا يعني أن التشتيت الحاصل بسبب المحفزات القادمة من أجزاء المخ الأخرى لا يتم تصفيتها، وذلك يقود في النهاية إلى سوء التنظيم وفقدان التركيز وكثرة التسويف.
3. التسويف الأكاديمي: وهو سائد بشكل خاص في الأوساط الأكاديمية، حيث يشترط على الطلبة الالتزام بالمواعيد المحددة للمهام والاختبارات في بيئة مليئة بالأحداث والأنشطة التي يتنافس فيها الطلاب على الوقت والاهتمام. وبشكل أكثر تحديدًا، أثبتت دراسة في عام 1992 أن 52% من الطلاب الذين شملتهم الدراسة يعانون من التسويف، ويقدر أن ما بين 80 إلى 95% من الطلاب الجامعيين يعانون من التسويف، وما يقرب من 75% يعتبرون أنفسهم مسوفين.
هذه بعض الأسباب التي وجدنا أنها تميل إلى الواقعية، والآن دعونا نتعرف على أنواع التسويف الستة في بيئة العمل والسبل الأفضل للتغلب عليها.
كيفية التغلب على أنواع التسويف
أولاً: التسويف بدافع الكمالية؛ يميل المسوف إلى تأجيل المهام لأنه يخشى ألا تكون مثالية، وهذا وجدناه كثيرًا في عدة أماكن.
كيفية التغلب عليه:
{ ضع معايير واقعية، وأن تقبّل الأخطاء جزء مهم من عملية التعلم، وهنا قدمنا إلى الأخوة المسؤولين فكرة (فن إدارة أخطاء الموظفين).
{ ركّز على التقدم بدلاً من الكمال، فالمهم هو أن تبدأ، وليس أن يكون العمل بلا عيوب.
{ حدد إطارًا زمنيًا للمرحلة التخطيطية والمراجعة حتى لا تبالغ في التحليل.
ثانيًا: التسويف بسبب الشعور بالإرهاق؛ يجد الموظف أن لديه قائمة مهام طويلة، مما يجعله لا يعرف من أين يبدأ، ومتى ينتهي، وربما هنا تأتي عمليه إدارة الأولويات، وهذا تم التحدث فيه مع الإدارة والمسؤولين.
كيفية التغلب عليه:
{ قسّم المهام الكبيرة إلى خطوات صغيرة يمكن إدارتها بسهولة.
{ استخدم قاعدة الدقائق الخمس، أي ابدأ العمل مدة خمس دقائق فقط لكسر حاجز التردد، ثم يمكنك أن ترى نفسك فإن كنت راغبًا في الاستمرار فاستمر، وإلا فإنه عليك أن تترك العمل مدة دقيقتين وتعاود العمل مرة أخرى، حتى تنتهي منه.
{ حدّد الأولويات باستخدام مصفوفة أيزنهاور والتي يمكن تلخيصها في منهجية المهم مقابل العاجل، وهذا يجب أن تعرفه الإدارة قبل الموظف.
ثالثًا: التسويف بسبب التردد في اتخاذ القرار؛ في بعض الأحيان يتم تأجيل المهام لأن الموظف غير قادر على اتخاذ قرار بشأنها، وهذا يعود إلى أسباب كثيرة منها مركزية القرار أو عدم وجود صلاحيات أو نقص معلومات أو أمور أخرى.
كيفية التغلب عليه:
{ تحديد سبب المشكلة، فهل هي بسبب نقص المعلومات أو عدم الصلاحية؟
{ قلّص عدد الخيارات المتاحة لتجنب شلل التحليل.
{ ضع مهلة زمنية لاتخاذ القرار والتزم بها إن كان بالإمكان ذلك.
{ إن كنت من متخذي القرار، ثق بحدسك، واتخذ الخطوة الأولى، ثم قم بتعديل مسارك لاحقًا إن لزم الأمر، علمًا أنه هناك العديد من الطرق والأساليب المنهجية لحل المشكلات واتخاذ القرارات التي يمكن الاستعانة بها، إذ يمكن أن تساعد.
رابعًا: التسويف بسبب التشتت؛ يجد المرء نفسه أنه سريع التلهي بوسائل التواصل الاجتماعي، التلفاز، أو أي عوامل خارجية أخرى، وهذا وارد جدًا وخاصة في المؤسسات العامة، بالإضافة إلى وقت الفطور ووقت الصلاة، واللعب في الحاسوب وما إلى ذلك.
كيفية التغلب عليه:
{ استخدم تقنية حظر الوقت، أي خصص فترات محددة للتركيز مع فترات استراحة مجدولة.
{ تخلص من المشتتات عبر إيقاف الإشعارات، واستخدام أدوات حجب المواقع، أو تغيير بيئة العمل.
{ جرّب تقنية بومودورو، والتي تعني مارس العمل مدة 25 دقيقة، يليها استراحة قصيرة مدتها 5 دقائق، أو حتى يمكن استخدام بعض الأساليب الأخرى، حسب المنهجية العملية التي تسهم في إنجاز العمل.
خامسًا: التسويف بدافع البحث عن الإثارة؛ تؤجل المهام لأن الموظف يعتقد أنه يمكنه أن يؤدي العمل بشكل أفضل تحت الضغط الشديد في اللحظات الأخيرة، وهذا الوهم يجب التخلص منه.
كيفية التغلب عليه:
{ ضع مواعيد نهائية لخلق إحساس بالإلحاح من دون التعرض لضغط مفرط.
{ استخدم المساءلة عبر إخبار شخص آخر بموعد إنجازك للمهام لإضافة عنصر الالتزام الخارجي.
{ كافئ نفسك عند البدء المبكر، وليس فقط عند إتمام العمل.
سادسًا: التسويف بسبب التجنب والخوف؛ تُؤجل المهام خوفًا من الفشل أو النقد أو الشعور بعدم الارتياح.
كيفية التغلب عليه:
{ أعد صياغة مفهوم الفشل على أنه فرصة للتعلم والنمو.
{ ركّز على الفوائد المترتبة على إنجاز المهمة بدلاً من التفكير في الصعوبة المرتبطة بها.
{ استخدم الحوار الداخلي الإيجابي لتعزيز ثقتك بنفسك وتحفيز ذاتك.
بعد أن انتهينا إلى هذا الحد مع الأخوة الموظفين والمشرفين، جاء الدور على الإدارة العليا والإدارة المتوسطة، كيف يمكنهم أن يضبطوا إيقاع العمل داخل أروقة المؤسسة، عند هذه النقطة اقترحتُ أن يتم استخدام ما يعرف بلوحة كانبان (Kanban Board)، ما هذه اللوحة؟
لوح كانبان (Kanban Board)
كانبان (Kanban)، كلمة يابانية تتألف من مقطعين، وهما: (كان Kan) وتعني (مرئية)، بينما (بان Ban) تعني (بطاقات أو ألواح)؛ وبالتالي المعنى الحرفي لكلمة (كانبان) هو ألواح مرئية. وبمعنى آخر فإن (Kanban) تعني وضع ملصق على اللوحة الموجودة في خط الإنتاج أو في ممر الإدارة، يهدف إلى السيطرة على مجريات العمل.
يُعرّف نظام كانبان على أنه نظام إدارة عمل، حيث تُقسم المهام على لوح كانبان إلى ثلاثة أعمدة أو أكثر اعتمادًا على طبيعة العمل. لوحة كانبان تُمكن الفرق التي تعمل على نفس المنتج أو المشروع أو القسم من التواصل في منصة تعاونية مرئية سواء على لوحة ورقية ملصقة على الجدار أو عبر الإنترنت، وبهذا تقلِّل من استخدام البريد الإلكتروني للتواصل. وبما أن جميع أعضاء الفريق يستطيع رؤية ومتابعة المهام عبر هذه المِنصّة سيتمكن الأفراد من متابعة الأعمال ومعرفة أين تقع المشاكل، وما مسببات الإبطاء والتسويف وغيره وبهذا يتم تقليص الوقت المُهدر.
كيف تعمل لوحة كانبان؟
تتضمن لوحة (Kanban) عنصرين رئيسيين هما: (البطاقات) والتي تمثل (المهام)، و(الأعمدة) التي توضح مراحل المشروع المختلفة. تتقسم الأعمدة عادة إلى ثلاثة أقسام؛
{ المهام المراد إنجازها (To-Do).
{ المهام قيد الإنجاز (In Progress).
{ المهام المنجَزة بالفعل (Completed).
يتم توزيع بطاقات المهام على ثلاثة أعمدة، وتحتوي البطاقات عادةً على قوائم تحقق والواجبات والأوصاف. مع تقدم المهام، تتحرك البطاقات عبر اللوحة من اليسار إلى اليمين أو بالعكس لمساعدتك على عرض حالتها في سير العمل، بحيث تتغير من الحالة (المهام قيد الإنجاز) إلى الحالة (المهام المنجَزة بالفعل).
وسواء كانت المهام فعلية أو رقمية، تعزز معالجة (Kanban) تعاون الفرق والإنتاجية وتساعد الجميع على فهم كيف تسهم جهودهم الفردية في المشروع. تنظم بعض الفرق الاجتماعات اليومية حول لوحة (Kanban) للاطلاع على المستجدات والاستماع إلى الملاحظات ورصد الاتجاهات السائدة.
حتى تعتبر لوحة (Kanban) مناسبة، يجب أن تحتوي اللوحة على عدد محدود من عناصر المهام للتأكد من أنك لا تعمل بإفراط. يساعدك (Kanban) على مراقبة سير العمل باستمرار لتفادي الأزمات والسماح لفريقك بوضع علامة على العناصر المتراكمة في الأعمدة بشكل أسرع من تركها.
وما زالتُ أتابع الإدارة المعنية، وأعتقد أنها بدأت فعلاً تتجاوز الكثير من صعاب التسويف، أشعر أني تغلبت على المعضلة، فإدارة التسويف لا يرتبط بالكسل فحسب وإنما هي عقلية وعادات، والحمد لله بدأنا بخطوات صغيرة، واليوم أصبح العمل بهذه النمطية الروتين اليومي.
Zkhunji@hotmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك