أثار فشل الجولة الأولى من المفاوضات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران في العاصمة الباكستانية إسلام آباد موجة من التساؤلات الواسعة في الأوساط السياسية والإعلامية، تركزت حول مستقبل الصراع بين واشنطن وطهران. في هذا السياق يمكن تحديد سيناريوهين حول هذا المستقبل؛ يتمثل الأول في عقد جولة ثانية مرتقبة من المفاوضات، وهو الأكثر احتمالاً لوجود عدة مؤشرات بعقد هذه الجولة. أول هذه المؤشرات جاء على لسان جي دي فانس نائب الرئيس الأمريكي رئيس الوفد المفاوض عندما أعلن فشل المحادثات لكنه في الوقت ذاته لم يوح في كلامه بأن المفاوضات انتهت، وهذا يعني أنه ترك الباب مفتوحاً، كما أن الرئيس ترامب لمّح في أكثر من تصريح إلى أن الأمريكيين والإيرانيين سيعودون إلى طاولة المفاوضات، وهذا ما هو متوقع حدوثه في الأيام القادمة بالرغم من التصريحات النارية المتبادلة بينهما.
من جانب آخر، فإن المراقبين للمشهد الأمريكي الإيراني يميلون إلى ترجيح كفة عودة الأمريكيين والإيرانيين إلى طاولة المفاوضات، ويلمسون ذلك في تصريحات شهباز شريف رئيس وزراء باكستان الذي قال إن الطرفين سيستأنفان المفاوضات قريباً، وإن باكستان لا تزال تواصل جهودها من أجل عودتهما إلى طاولة المفاوضات عبر محاولاتها المستمرة في تضييق فجوة الخلاف بينهما، وتأتي زيارة المشير عاصم منير قائد الجيش الباكستاني لطهران لتصب في إطار هذه الجهود.
من جهة أخرى، فإن كلا الطرفين لديهما الرغبة في التوصل إلى اتفاق يؤدي إلى وقف الحرب بينهما وإن كانا لا يعبران عن ذلك صراحة؛ فالرئيس ترامب من جانبه يريد أن يسير على سكة المفاوضات وهذا ما أعلنه عبر محطات التلفزة الأمريكية أو عبر منصة تروث سوشال، ونفهم من كلامه أنه لا يريد أن يذهب إلى الحرب مرة ثانية بالرغم من حديثه المتكرر عن كثافة الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة وذلك لأسباب عديدة أبرزها ضغوط الداخل الأمريكي المتمثل في الكونجرس الذي يضغط بقوة في اتجاه وقف الحرب، ويوجه انتقادات شديدة اللهجة لترامب متهماً إياه بأنه دخل الحرب من دون استراتيجية واضحة، فضلا عن أن الاستمرار في هذه الحرب يكلف الخزينة الأمريكية أعباء مالية جديدة باهظة تقترب من ( 200 مليار دولار)، ونتيجة لذلك يسعى المشرعون الديمقراطيون لتقييد صلاحيات الحرب وتجنب نزاع غير محدود.
كذلك فإن استمرار الحرب له تداعيات سلبية على الاقتصاد العالمي، إذ تسببت في توقف صادرات النفط عبر مضيق هرمز، الأمر الذي أدى إلى تجاوز سعر برميل النفط 100 دولار، وأنه مرشح للزيادة إذا لم يتم فتح مضيق هرمز للملاحة الدولية؛ لأن إغلاقه سيفضي إلى تقليص إمدادات النفط العالمية بنحو 11 مليون برميل يومياً، وسيؤدي أيضاً إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري وهذا يسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية والسلع اليومية في الأسواق. كل هذه الأسباب جعلت ترامب يؤثر خيار المفاوضات على خيار الحرب.
من جانبهم أيضاً، الإيرانيون يريدون وقف القتال، ولكن كعادتهم يمارسون التقية السياسية في العلن، ومن وراء الكواليس يسعون في هذا الاتجاه وهذا ما نلمسه بوضوح من خلال تبادل الرسائل بين طهران وواشنطن عبر باكستان.
ولا شك أن المفاوضات -في حال عقدها- ستكون جداً صعبة إذا تمسك كل طرف بموقفه ولم يقدم تنازلات، لكن في النهاية ستقود إلى التوصل إلى اتفاق نهائي ينهي النزاع بين الأمريكيين والإيرانيين، ويكون ذلك من خلال تنازل كل طرف عن بعض المطالب التي تحول دون إبرام اتفاق بينهما، وهذا ينسجم مع طبيعة الاتفاقات في كل أنحاء الدنيا؛ حيث يعلمنا التاريخ أنه لا يوجد اتفاق من دون تنازل. ولهذا نقول إن هذا الاتفاق في حال التوقيع عليه لن يختلف عن طبيعة الاتفاقات في العالم. وهنا نتساءل ماذا تريد الولايات المتحدة من إيران؟ وماذا تريد إيران من الولايات المتحدة الأمريكية؟
بخصوص مطالب الولايات المتحدة فهي واضحة عبر عنها ترامب في وثيقة تتألف من خمسة عشر بنداً بمجرد إعلانه الموافقة على هدنة مدتها أسبوعين، أبرزها يتمثل في وقف إيران تخصيب اليورانيوم الذي يعني في النهاية منع إيران من امتلاك سلاح نووي. إضافة إلى وقف إيران برنامجها الصاروخي الباليستي، والكف عن دعم وكلائها في لبنان، والعراق، واليمن.
أما مطالب إيران من الأمريكيين فتتمثل -بحسب المصادر الإيرانية الرسمية- في تقديم ضمانات قاطعة بعدم شن هجمات جديدة على أراضيها، ورفع العقوبات، والاعتراف ببرنامجها النووي السلمي، وإعادة أصولها المجمدة، ودفع تعويضات، إلى جانب «بروتوكول عبور جديد لمضيق هرمز».
في تقديري إن الجولة الجديدة من المفاوضات في إسلام آباد سيطرأ على سيرها تغيير في أسلوب المفاوضات؛ لأن الفريقين عازمان على التوصل إلى اتفاق بالرغم من الضجيج الإعلامي المتبادل بينهما. وهنا نستذكر مفاوضات باريس التي جرت بين الأمريكيين والفيتناميين برعاية فرنسية، وانتهت بالتوقيع على اتفاق باريس الذي أنهى الحرب الأمريكية الفيتنامية في يناير من عام 1973، وكان عرابا هذا الاتفاق هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي ومستشار الأمن القومي الأمريكي في عهدي الرئيسين نيكسون وفورد في الفترة (1969-1977)، والدبلوماسي الفيتنامي لي دوك ثو وهو سياسي ومحارب فيتنامي قاد البعثة الفيتنامية بين 1968 و1973 لمفاوضة الأمريكيين في محادثات باريس للسلام.
وأعتقد أنه من المرجح أن يتبنى الجانب الأمريكي آلية جديدة في التفاوض مستوحاة من ذلك الاتفاق الذي ينطلق من البدء باتفاقيات مرحلية تقوم على مبدأ «الخطوة مقابل خطوة» بدلا من اتفاق شامل وفوري.
وبالنظر إلى المفاوضات التي جرت في إسلام آباد وجمعت الأمريكيين مع الإيرانيين فإنها بالتأكيد تختلف عن المفاوضات التي جرت بين الأمريكيين والفيتناميين في باريس في سبعينيات القرن الماضي نظراً إلى اختلاف الظروف لكل منها، وبما أن الظروف هي التي تتحكم في طبيعة المفاوضات وأسلوب إدارتها فإن هذا لا يمنع أن يتقاطعا في بعض المسائل.
وفي المشهد الحالي هناك مسألتان لهما تأثير في سير المفاوضات الحالية؛ الأولى أسلوب المفاوضات، والثانية الغاية النهائية من المفاوضات. وبما أن الطرفين عازمان على التوصل إلى اتفاق بينهما، فإن الجانب الأمريكي في المفاوضات القادمة ربما يسير على نهج الطريقة الكيسنجرية في المفاوضات (الخطوة مقابل خطوة) وخاصة أن هذه الطريقة أثبتت نجاحها في انهاء الحرب الأمريكية الفيتنامية، فما المانع من استخدامها اليوم من جانب المفاوضين الأمريكيين الحاليين إذا كانت ستحقق لهم غايتهم من المفاوضات.
من جهة ثانية، إذا كان لشخصية المفاوض تأثير في إدارة المفاوضات؛ من حيث توافر كفايات خاصة بعلم وفن التفاوض، فإن هذا الشرط قد توافر بصورة كبيرة في حالة المفاوضات الأمريكية الفيتنامية، وقد تجسد ذلك في شخصية (كيسنجر) وكذلك الحال بالنسبة إلى المفاوض الفيتنامي (لي دوك ثو)؛ إذ كانا يمتلكان كفايات خاصة بالتفاوض فضلاً عن امتلاكهما كاريزما ساعدتهما بدون شك في التوصل إلى (اتفاق باريس) الذي أنهى النزاع بين بلديهما.
السؤال الجوهري: هل يتمتع المفاوضون الأمريكيون والإيرانيون بكفايات التفاوض؟ وهل لديهم الكاريزما التي تساعدهم على دفع سير المفاوضات نحو تحقيق غايتها النهائية؟ هذا ما ستكشفه مفاوضات الجولة القادمة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك