ليست سيرة مروان البرغوثي مجرد سيرة رجلٍ وُلد في سياق صراع، أو قائدٍ انخرط في تجربة سياسية ونضالية طويلة، بل هي في جوهرها سيرة فكرة تشكّلت في قلب التجربة الفلسطينية، ونضجت داخل أكثر لحظاتها قسوة: السجن، والانقسام، والتحول الاجتماعي والفكري داخل بنية الحركة الوطنية.
في الذكرى الـ24 لاعتقال الاحتلال الصهيوني هذا المناضل الفلسطيني الكبير كان يُفترض أن يُستعاد في هذا اليوم معنى الاعتقال لا بوصفه حدثًا فرديًا، بل بوصفه لحظة في ذاكرة وطن، تتكشف صورة مروان كحالةٍ إنسانية وسياسية مركبة: جسدٌ نحيل يقف خلف القضبان، لكن خلفه إرادة لا تنكسر، ونظرة لا تتراجع، ويقينٌ عميق بأن النصر ليس احتمالًا بل مسارًا تاريخيًا مهما طال الزمن.
منذ بدايات حضوره السياسي، لم يكن مروان مجرد قائدٍ فتحاوي بالمعنى التنظيمي، بل كان يتقدم الصفوف حين يتراجع المشهد، ويعيد تعريف الفعل المقاوم باعتباره فعلًا وطنيًا جامعًا لا يحتكر نفسه داخل إطار ضيق. كان يرى أن الاحتلال ليس مجرد واقع عسكري، بل بنية يجب مواجهتها سياسيًا وشعبيًا وثقافيًا، تحت مظلة وطنية لا تُقصي أحدًا.
في قلب هذا التصور، تشكّلت فكرته المركزية: أن المقاومة ليست اتجاهًا واحدًا، بل مشروعا وطنيا هدفه فلسطين، وبوصلته التحرير، وغاياته الدولة والعودة، دون الارتهان لشكلٍ واحد من أشكال الفعل. هذه الرؤية جعلت من شخصيته نموذجًا لقائد لا يتعامل مع الوسائل كقيود، بل كمسارات متعددة نحو هدف واحد.
لكن ما يميّز تجربة مروان البرغوثي أمر لا يتوقف عند السياسة، بل يمتد إلى إعادة تشكيل الإنسان داخل الفضاء الأكثر قسوة: السجن. هناك، تحولت التجربة إلى مشروع تعليمي وفكري واسع، حيث لم يعد الأسر مجرد فقدان للحرية، بل مساحة لإعادة بناء الوعي. خرج من هذه التجربة مئات من الأسرى حاملين شهادات علمية في مستويات مختلفة، من البكالوريوس إلى الدكتوراه، في تجربة تكاد تتجاوز قدرة المؤسسات الأكاديمية التقليدية.
لقد كان التعليم عنده فعل مقاومة موازٍ، لا يقل أهمية عن أي شكل آخر من أشكال النضال. ومن هنا برزت فكرة «المناضل الواعي» بوصفها أولوية، إذ كان يؤكد أن الفعل المقاوم بلا وعي يتحول إلى طاقة مهدورة، بينما الوعي قادر على تحويل التضحية إلى مشروع تاريخي قابل للاستمرار والتراكم.
وفي البعد الإنساني، تبرز ملامح أخرى في سيرته الفكرية. لم يكن ينظر إلى المرأة بوصفها هامشًا اجتماعيًا، بل شريكًا في الفعل الوطني، حاضرًا في كل تفاصيل البناء، دون تمييز أو انتقاص. كان يرفض أي خطاب يُضعف مكانتها، حتى في أدق السياقات اليومية، معتبرًا أن عدالة المجتمع تبدأ من عدالة نظرته لنصفه الآخر.
أما الشباب، فقد شكّلوا في رؤيته مركز الثقل الحقيقي للمستقبل. رغم تجاوزه السنّ البيولوجي للشباب، ظلّ ينتمي إليهم فكريًا وسلوكيًا. كان يجالسهم داخل الأسر، يناقشهم، ويكسر المسافات بينهم وبينه، مؤمنًا أن الحركة التي تتقدم في العمر دون أن تتجدد بالشباب هي حركة تقترب من التكلس. ومن هنا جاءت عبارته المتكررة: إن شيخوخة الحركة تعني شيخوخة الوطن نفسه، وانطفاء حلم المقاومة.
وفي قلب تجربته داخل الأسر، تحولت العلاقة بين الأفراد إلى مشروع وحدة وطنية. لم يعد الأسير تعريفًا تنظيميًا أو فصائليًا، بل إنسانًا فلسطينيًا في سياق جامع. هكذا وُلدت وثيقة الأسرى، التي شكّلت لحظة مفصلية في إعادة تعريف الممكن الوطني، حين اجتمعت قوى متباينة على نصّ واحد، كإعلان رمزي عن إمكانية التوافق رغم الانقسام. ومن داخل السجون، نشأت حالة فكرية عُرفت لاحقًا باسم «المروانيين»، ليس بوصفها انتماءً تنظيميًا، بل كتعبير عن تحول في الوعي نحو فكرة تتجاوز السلاح إلى بناء الإرادة.
على المستوى العربي، لم يكن مروان أسير حدود الجغرافيا الفلسطينية وحدها. كان يرى أن المشروع الوطني الفلسطيني لا يمكن أن ينفصل عن عمقه العربي، وأن الأمة، رغم تعثرها، تحمل في داخلها قدرة كامنة على النهوض. لم يكن متشائمًا من التحولات، حتى في لحظات التراجع والانقسام، بل كان يقرأها كظواهر عابرة في مسار أطول، يراهن فيه على الشعوب لا على الأنظمة. وفي رؤيته، كانت مصر تمثل البوابة المركزية للبيت العربي، بما تحمله من ثقل رمزي وتاريخي يجعلها ركيزة في المعادلة الإقليمية.
أما على المستوى الدولي، فقد وسّع مروان دائرة القضية لتخرج من كونها صراعًا محليًا أو إقليميًا، إلى كونها سؤالًا أخلاقيًا عالميًا. فلسطين في وعيه ليست قضية الفلسطينيين وحدهم، بل هي اختبار للضمير الإنساني. من هنا كان يراهن على وعي الإنسان في الجامعات الغربية، وفي الفضاء الثقافي العالمي، مؤمنًا أن المعرفة حين تصل إلى الحقيقة، تخلق اصطفافًا طبيعيًا ضد الظلم. لذلك كان يدعو باستمرار إلى نقل الرواية الفلسطينية إلى شوارع العواصم الكبرى، ليس فقط كخطاب سياسي، بل كحضور إنساني يفرض نفسه على الوعي العالمي.
وفي البعد التعليمي، تتجلى إحدى أهم سمات تجربته: تحويل السجن إلى مؤسسة إنتاج معرفي. لم يكن التعليم داخل الأسر ترفًا، بل ضرورة وجودية، أنتجت جيلًا من الأسرى المحررين الذين تحولوا لاحقًا إلى كتّاب ومحللين ومثقفين. لقد أعاد تعريف العلاقة بين السلاح والفكر، مؤكّدًا أن الفكرة ليست نقيضًا للمقاومة، بل شرطًا لاستمرارها وفاعليتها.
في النهاية، يمكن القول إن سيرة مروان البرغوثي ليست سيرة فرد، بل سيرة نموذج فكري تشكّل في قلب التجربة الفلسطينية. نموذج يرى في الإنسان مركز الفعل، وفي الوحدة شرط البقاء، وفي الوعي أساس المقاومة، وفي الحرية غاية لا تُختزل في لحظة بل تُبنى عبر الزمن.
إنها سيرة رجلٍ تحوّل إلى فكرة، وفكرةٍ تحاول أن تبقى خارج حدود السجن، لأن السجن لم يكن يومًا قادراً على احتجازها.
{ كاتب وأسير فلسطيني محرر.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك