أقاليم العالم المختلفة ما بعد الحرب على إيران ستشهد حقائق مغايرة عما كان قبلها. فآسيا أفاقت على ما لم يكن في حسبانها. فقد سقطت أسطورة كبرى عاشتها اليابان وكوريا الجنوبية منذ الحرب العالمية الثانية. فالوجود العسكري الأمريكي كضمان للأمن ثبت أنه لا يخدم سوى المصلحة الأمريكية. والولايات المتحدة على استعداد للتخلي عن أمنهما إذا لزم الأمر.
فالسفن الحربية الأمريكية قبالة اليابان تم سحبها لتلحق بالتي تحارب ضد إيران. ومن دون حتى بحث الأمر مع كوريا الجنوبية، سحبت أمريكا نظام «ثاد» للدفاع الصاروخي إلى إسرائيل!
وكوريا الجنوبية تنفق مليار دولار سنويًا لاستضافة القوات الأمريكية على أرضها، فاكتشفت أنها تدفع أثمانًا باهظة لاستضافة قوات ستحارب في مواقع أخرى! وأول التداعيات كان لقاء وديًا بين الصين وتايوان!
وأوروبا، التي شاركت حكوماتها في إبادة غزة، وجدت أمن واحدة من دولها وهي الدنمارك في خطر من الحليف الأطلنطي، عندما هدد بالاستيلاء على جرينلاند. لكن لأن أوروبا لم تستوعب درس جرينلاند واستدارت تدافع عن خطف مادورو، صدمتها الحرب على إيران، ليس لأن حليفها طلب المساعدة في حرب لم يخطرها بخوضها، وإنما لأنه لم يتورع عن ضرب اقتصاداتها وبقاء شعوبها من خلال حرب جعلت ارتفاع أسعار الوقود تهديدًا وجوديًا لها.
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كان محقًا حين قال منذ سنوات أن حلف الأطلنطي «مات دماغيًا». فالحلف لن تقوم له قائمة، على الأرجح، حتى بعد انتهاء فترة رئاسة الرئيس الأمريكي ترامب. فأي حلف لا يقوم إلا على تناغم الحد الأدنى من المصالح. وهو أمر باتت تنفيه التطورات العالمية.
لقد اكتشفت أوروبا أن من صمت حين كانت غزة تُباد لا ينبغي له أن يندهش حين تُهدد إحدى دولها كما في حالة الدنمارك ولا حين تستخدم أمريكا لغة الإبادة لحضارة بأكملها، فكان صمتها مدويًا هذه المرة أيضًا.
باختصار، باتت أوروبا إزاء مأزق تاريخي. فإما أن تتخلى عن ميولها الاستعمارية وتعيد بناء سياساتها مع دول العالم، بما فيها روسيا وعالم الجنوب، على أساس من الاحترام أو أن ترضى بالتبعية لحليف غير موثوق. وبسبب أزمة النفط العالمية، لم يعد العالم يملك ترف الاستمرار في تجاهل البحث عن مصادر للطاقة المتجددة. فالعالم «المتقدم»، الذي لم يهتم يومًا بكارثة المناخ التي ستعاني منها دول الجنوب الفقيرة أكثر من غيرها، سيكون مجبرًا على الانتقال للبدائل حتى ولو من باب البقاء على قيد الحياة، لا من باب الاهتمام بكارثة المناخ أو بجنوب العالم.
أما دول الجنوب فعليها استخلاص الدروس في كل ما يجري من حولها في النظام العالمي من تحولات وتغيرات.
أما أمريكا نفسها، فلم تدرس إدارة ترامب جيدا الفارق الجوهري بين امتلاك القوة العسكرية والقدرة على إبراز القوة واستعراضها حول العالم لفرض الهيمنة. والهيمنة الأمريكية لم تتأتِ دون حلفاء يساعدونها فعليًا فيدينون لها بالولاء ويخدمون مصالحها متى احتاجت. ولا تتأتى الهيمنة دون مؤسسات دولية وقانون دولي صنعتهما أمريكا بنفسها لحماية مصالحها.
لكن إدارة الرئيس ترامب، الذي يتباهى بالقوة العسكرية بمناسبة ومن دون مناسبة، قوّضت منذ توليه منصبه العلاقة بالحلفاء يمينًا ويسارًا، كما استهان بدور المؤسسات الدولية ورفض تمويلها، وقال علنًا إنه ليس في حاجة إلى القانون الدولي. وبذلك، ضرب بيده مقومات هيبة أمريكا وقدرتها على استعراض القوة!
{ باحثة في العلوم السياسية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك