العدد : ١٧٥٥٦ - الجمعة ١٧ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٥٦ - الجمعة ١٧ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ شوّال ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

تغيرات كبرى يشهدها النظام الدولي!

بقلم: د. منار الشوربجي

الجمعة ١٧ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

أقاليم‭ ‬العالم‭ ‬المختلفة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬ستشهد‭ ‬حقائق‭ ‬مغايرة‭ ‬عما‭ ‬كان‭ ‬قبلها‭. ‬فآسيا‭ ‬أفاقت‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬حسبانها‭. ‬فقد‭ ‬سقطت‭ ‬أسطورة‭ ‬كبرى‭ ‬عاشتها‭ ‬اليابان‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬منذ‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭. ‬فالوجود‭ ‬العسكري‭ ‬الأمريكي‭ ‬كضمان‭ ‬للأمن‭ ‬ثبت‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يخدم‭ ‬سوى‭ ‬المصلحة‭ ‬الأمريكية‭. ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬استعداد‭ ‬للتخلي‭ ‬عن‭ ‬أمنهما‭ ‬إذا‭ ‬لزم‭ ‬الأمر‭.‬

‭ ‬فالسفن‭ ‬الحربية‭ ‬الأمريكية‭ ‬قبالة‭ ‬اليابان‭ ‬تم‭ ‬سحبها‭ ‬لتلحق‭ ‬بالتي‭ ‬تحارب‭ ‬ضد‭ ‬إيران‭. ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬حتى‭ ‬بحث‭ ‬الأمر‭ ‬مع‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية،‭ ‬سحبت‭ ‬أمريكا‭ ‬نظام‭ ‬‮«‬ثاد‮»‬‭ ‬للدفاع‭ ‬الصاروخي‭ ‬إلى‭ ‬إسرائيل‭!‬

وكوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬تنفق‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬سنويًا‭ ‬لاستضافة‭ ‬القوات‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬أرضها،‭ ‬فاكتشفت‭ ‬أنها‭ ‬تدفع‭ ‬أثمانًا‭ ‬باهظة‭ ‬لاستضافة‭ ‬قوات‭ ‬ستحارب‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬أخرى‭! ‬وأول‭ ‬التداعيات‭ ‬كان‭ ‬لقاء‭ ‬وديًا‭ ‬بين‭ ‬الصين‭ ‬وتايوان‭!‬

وأوروبا،‭ ‬التي‭ ‬شاركت‭ ‬حكوماتها‭ ‬في‭ ‬إبادة‭ ‬غزة،‭ ‬وجدت‭ ‬أمن‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬دولها‭ ‬وهي‭ ‬الدنمارك‭ ‬في‭ ‬خطر‭ ‬من‭ ‬الحليف‭ ‬الأطلنطي،‭ ‬عندما‭ ‬هدد‭ ‬بالاستيلاء‭ ‬على‭ ‬جرينلاند‭. ‬لكن‭ ‬لأن‭ ‬أوروبا‭ ‬لم‭ ‬تستوعب‭ ‬درس‭ ‬جرينلاند‭ ‬واستدارت‭ ‬تدافع‭ ‬عن‭ ‬خطف‭ ‬مادورو،‭ ‬صدمتها‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬ليس‭ ‬لأن‭ ‬حليفها‭ ‬طلب‭ ‬المساعدة‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬لم‭ ‬يخطرها‭ ‬بخوضها،‭ ‬وإنما‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬يتورع‭ ‬عن‭ ‬ضرب‭ ‬اقتصاداتها‭ ‬وبقاء‭ ‬شعوبها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حرب‭ ‬جعلت‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الوقود‭ ‬تهديدًا‭ ‬وجوديًا‭ ‬لها‭.‬

الرئيس‭ ‬الفرنسي‭ ‬إيمانويل‭ ‬ماكرون‭ ‬كان‭ ‬محقًا‭ ‬حين‭ ‬قال‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬أن‭ ‬حلف‭ ‬الأطلنطي‭ ‬‮«‬مات‭ ‬دماغيًا‮»‬‭. ‬فالحلف‭ ‬لن‭ ‬تقوم‭ ‬له‭ ‬قائمة،‭ ‬على‭ ‬الأرجح،‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬فترة‭ ‬رئاسة‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬ترامب‭. ‬فأي‭ ‬حلف‭ ‬لا‭ ‬يقوم‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬تناغم‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬المصالح‭. ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬باتت‭ ‬تنفيه‭ ‬التطورات‭ ‬العالمية‭.‬

‭ ‬لقد‭ ‬اكتشفت‭ ‬أوروبا‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬صمت‭ ‬حين‭ ‬كانت‭ ‬غزة‭ ‬تُباد‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يندهش‭ ‬حين‭ ‬تُهدد‭ ‬إحدى‭ ‬دولها‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الدنمارك‭ ‬ولا‭ ‬حين‭ ‬تستخدم‭ ‬أمريكا‭ ‬لغة‭ ‬الإبادة‭ ‬لحضارة‭ ‬بأكملها،‭ ‬فكان‭ ‬صمتها‭ ‬مدويًا‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬أيضًا‭.‬

باختصار،‭ ‬باتت‭ ‬أوروبا‭ ‬إزاء‭ ‬مأزق‭ ‬تاريخي‭. ‬فإما‭ ‬أن‭ ‬تتخلى‭ ‬عن‭ ‬ميولها‭ ‬الاستعمارية‭ ‬وتعيد‭ ‬بناء‭ ‬سياساتها‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬روسيا‭ ‬وعالم‭ ‬الجنوب،‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬من‭ ‬الاحترام‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬ترضى‭ ‬بالتبعية‭ ‬لحليف‭ ‬غير‭ ‬موثوق‭. ‬وبسبب‭ ‬أزمة‭ ‬النفط‭ ‬العالمية،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬العالم‭ ‬يملك‭ ‬ترف‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬تجاهل‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬مصادر‭ ‬للطاقة‭ ‬المتجددة‭. ‬فالعالم‭ ‬‮«‬المتقدم‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يهتم‭ ‬يومًا‭ ‬بكارثة‭ ‬المناخ‭ ‬التي‭ ‬ستعاني‭ ‬منها‭ ‬دول‭ ‬الجنوب‭ ‬الفقيرة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيرها،‭ ‬سيكون‭ ‬مجبرًا‭ ‬على‭ ‬الانتقال‭ ‬للبدائل‭ ‬حتى‭ ‬ولو‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬البقاء‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة،‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬الاهتمام‭ ‬بكارثة‭ ‬المناخ‭ ‬أو‭ ‬بجنوب‭ ‬العالم‭.‬

أما‭ ‬دول‭ ‬الجنوب‭ ‬فعليها‭ ‬استخلاص‭ ‬الدروس‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬من‭ ‬حولها‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬من‭ ‬تحولات‭ ‬وتغيرات‭.‬

أما‭ ‬أمريكا‭ ‬نفسها،‭ ‬فلم‭ ‬تدرس‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬جيدا‭ ‬الفارق‭ ‬الجوهري‭ ‬بين‭ ‬امتلاك‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬إبراز‭ ‬القوة‭ ‬واستعراضها‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬لفرض‭ ‬الهيمنة‭. ‬والهيمنة‭ ‬الأمريكية‭ ‬لم‭ ‬تتأتِ‭ ‬دون‭ ‬حلفاء‭ ‬يساعدونها‭ ‬فعليًا‭ ‬فيدينون‭ ‬لها‭ ‬بالولاء‭ ‬ويخدمون‭ ‬مصالحها‭ ‬متى‭ ‬احتاجت‭. ‬ولا‭ ‬تتأتى‭ ‬الهيمنة‭ ‬دون‭ ‬مؤسسات‭ ‬دولية‭ ‬وقانون‭ ‬دولي‭ ‬صنعتهما‭ ‬أمريكا‭ ‬بنفسها‭ ‬لحماية‭ ‬مصالحها‭.‬

‭ ‬لكن‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب،‭ ‬الذي‭ ‬يتباهى‭ ‬بالقوة‭ ‬العسكرية‭ ‬بمناسبة‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬مناسبة،‭ ‬قوّضت‭ ‬منذ‭ ‬توليه‭ ‬منصبه‭ ‬العلاقة‭ ‬بالحلفاء‭ ‬يمينًا‭ ‬ويسارًا،‭ ‬كما‭ ‬استهان‭ ‬بدور‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدولية‭ ‬ورفض‭ ‬تمويلها،‭ ‬وقال‭ ‬علنًا‭ ‬إنه‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭. ‬وبذلك،‭ ‬ضرب‭ ‬بيده‭ ‬مقومات‭ ‬هيبة‭ ‬أمريكا‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬استعراض‭ ‬القوة‭!‬

 

{‭ ‬باحثة‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا