يا رب احفظ هذه الأرض، وأدم عليها السلام. هكذا دعت الجالية المسيحية في كنائس البحرين بمناسبة عيد الفصح، بلغات شتى وقلب واحد. و«آمين» التي تلت الدعاء كانت صوت الأرض كلها، همساً وزفيراً، كلٌ بلغته والسماء تسمع الجميع. مشهد لا تراه في كثير من بقاع العالم، ناس جاؤوا من أصقاع بعيدة، يرفعون أكفهم بالدعاء لوطن لم يولدوا فيه، وكأنهم يردون ديناً طال انتظار سداده.
ولهذا الدعاء ثقل خاص في هذه الأيام. المنطقة عاشت توتراً لم تعرف له قراراً، والأخبار تأتي محملة بالقلق، والناس في كل مكان يتساءلون إلى أين تسير الأمور. في مثل هذا الجو، يصبح كل دعاء بالسلام فعلاً شجاعاً، وكل صوت يرفض الخوف رسالةً تستحق أن تُسمع.
البحرين عاشت التعايش وبنته على مدى عقود. لكل طائفة حضورها، ولكل مناسبة دينية مكانتها في القلب ولها يومها في التقويم أيضاً، وناس من كل لغة ودين يتشاركون الشارع والعمل والجيرة. ومع أن لا مجتمع بشري يخلو من توترات عابرة أو اختلالات عرضية، فإن ما يميز البحرين هو أن هذه الاستثناءات لا تطغى على القاعدة، والقاعدة هنا هي القبول والحوار. والتسامح، كأي شيء ثمين، يحتاج إلى جهد مستمر ليبقى. هذا النسيج تشكّل لأن في هذه الجزيرة شيئاً يجعل الإنسان يطمئن ويبقى، ويشعر بأنه جزء أصيل من روحها.
البحرين تستحق هذا الحب. منحت الإنسان ما يتمناه كل غريب، مكاناً يشعر فيه بالأمان، وأرضاً تقبله كما هو، بدينه ولغته وعاداته. الوافد الذي جاء حاملاً حقيبة وأملاً، وجد هنا ما فاق توقعاته، وطناً ثانياً يحبه كما يحب وطنه الأول. وربما أكثر، لأن الوطن الأول يأخذه بحكم الميلاد، أما هذا فقد اختاره بقلبه وأحبه بإرادته. لهذا حين يرفع يديه بالدعاء، تجد في صوته شيئاً يشبه الوفاء. وفاء لأرض أعطت فأحبّت، وأحبّت فأعطت.
وهذا الحب الذي يكنّه الوافد لهذه الأرض مصدره شيء أعمق، السلام الذي تمنحه هذه الجزيرة لكل من وطئ ترابها. والسلام ليس فكرة اخترعها الإنسان، السماء سبقته إليها. الكتب السماوية الثلاثة، القرآن الكريم والإنجيل والتوراة، لم تكتفِ بمدح السلام والدعوة إليه، طالبت الإنسان أن يصنعه بيديه. القرآن يقول: «ادخلوا في السلم كافة»، والدخول فعل وحركة. والإنجيل يقول: «طوبى لصانعي السلام»، والصنع جهد وإرادة. والتوراة تقول: «ابتغِ السلام واسعَ وراءه»، والسعي مسؤولية لا تنتهي. ثلاثة كتب، وأمر واحد: السلام لا يُنتظر، يُبنى.
والأديان حين دعت إلى السلام، قصدت أولاً ذلك السلام الهادئ الذي يسكن الإنسان من الداخل، سلام القلب مع نفسه ومع ربه، قبل أن يكون سلاماً بين الشعوب والأمم.
لأن الإنسان الذي يحمل في داخله حرباً لا تهدأ، يعجز عن منح الآخرين ما افتقده. ومن هذا السلام الداخلي تنبع القدرة على رؤية الآخر إنساناً، والتعامل معه بما يستحق، وبناء عالم يتسع للجميع.
والعالم اليوم في أمسّ الحاجة لهذا الصوت. الحروب تركت جراحاً عميقة، والبشر يحصدون ثمن خيارات لم يختاروها. في هذه اللحظة العصيبة، يبدو دعاء المصلين في كنائس البحرين وكأنه رسالة للإنسانية، رسالة تقول إن السلام ممكن، وإن البشر قادرون على أن يتجاوروا ويتحابوا ويدعو لبعضهم.
وحين لا تزال أخبار الحرب تلقي بظلالها على الفضاء من كل اتجاه، يصبح هذا الدعاء فعلاً مقاوماً للخوف واليأس، وإعلاناً بأن الإنسان أكبر من حروب السياسة. والأرض التي تتسع لهذه الأصوات كلها وتحميها وترعاها، تستحق أن يدعو لها العالم كله.
عندما أغلقت الأبواب في نهاية ذلك اليوم، بقي الدعاء منطلقا إلى السماء. دعاء رفعه ناس جاؤوا من الفلبين والهند ولبنان وإفريقيا وأوروبا، ووجدوا في هذه الجزيرة الصغيرة ما يستحق أن يُصلى له. البحرين لم تطلب منهم ذلك، أعطتهم فأحبوا، وأحبوا فدعوا. وفي هذا الدعاء رسالة للعالم المتعب، أن السلام ليس حلماً بعيداً، هو خيار تصنعه الأرض حين تقرر أن تكون رحبة، وتصنعه القلوب حين تقرر أن تكون كريمة.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك