العدد : ١٧٥٥٦ - الجمعة ١٧ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٥٦ - الجمعة ١٧ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ شوّال ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

صلوات من أجل السلام على أرض البحرين

الخميس ١٦ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

يا‭ ‬رب‭ ‬احفظ‭ ‬هذه‭ ‬الأرض،‭ ‬وأدم‭ ‬عليها‭ ‬السلام‭. ‬هكذا‭ ‬دعت‭ ‬الجالية‭ ‬المسيحية‭ ‬في‭ ‬كنائس‭ ‬البحرين‭ ‬بمناسبة‭ ‬عيد‭ ‬الفصح،‭ ‬بلغات‭ ‬شتى‭ ‬وقلب‭ ‬واحد‭. ‬و«آمين‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تلت‭ ‬الدعاء‭ ‬كانت‭ ‬صوت‭ ‬الأرض‭ ‬كلها،‭ ‬همساً‭ ‬وزفيراً،‭ ‬كلٌ‭ ‬بلغته‭ ‬والسماء‭ ‬تسمع‭ ‬الجميع‭. ‬مشهد‭ ‬لا‭ ‬تراه‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬بقاع‭ ‬العالم،‭ ‬ناس‭ ‬جاؤوا‭ ‬من‭ ‬أصقاع‭ ‬بعيدة،‭ ‬يرفعون‭ ‬أكفهم‭ ‬بالدعاء‭ ‬لوطن‭ ‬لم‭ ‬يولدوا‭ ‬فيه،‭ ‬وكأنهم‭ ‬يردون‭ ‬ديناً‭ ‬طال‭ ‬انتظار‭ ‬سداده‭.‬

ولهذا‭ ‬الدعاء‭ ‬ثقل‭ ‬خاص‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭. ‬المنطقة‭ ‬عاشت‭ ‬توتراً‭ ‬لم‭ ‬تعرف‭ ‬له‭ ‬قراراً،‭ ‬والأخبار‭ ‬تأتي‭ ‬محملة‭ ‬بالقلق،‭ ‬والناس‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬يتساءلون‭ ‬إلى‭ ‬أين‭ ‬تسير‭ ‬الأمور‭. ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الجو،‭ ‬يصبح‭ ‬كل‭ ‬دعاء‭ ‬بالسلام‭ ‬فعلاً‭ ‬شجاعاً،‭ ‬وكل‭ ‬صوت‭ ‬يرفض‭ ‬الخوف‭ ‬رسالةً‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬تُسمع‭.‬

البحرين‭ ‬عاشت‭ ‬التعايش‭ ‬وبنته‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عقود‭. ‬لكل‭ ‬طائفة‭ ‬حضورها،‭ ‬ولكل‭ ‬مناسبة‭ ‬دينية‭ ‬مكانتها‭ ‬في‭ ‬القلب‭ ‬ولها‭ ‬يومها‭ ‬في‭ ‬التقويم‭ ‬أيضاً،‭ ‬وناس‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬لغة‭ ‬ودين‭ ‬يتشاركون‭ ‬الشارع‭ ‬والعمل‭ ‬والجيرة‭. ‬ومع‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬مجتمع‭ ‬بشري‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬توترات‭ ‬عابرة‭ ‬أو‭ ‬اختلالات‭ ‬عرضية،‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬البحرين‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الاستثناءات‭ ‬لا‭ ‬تطغى‭ ‬على‭ ‬القاعدة،‭ ‬والقاعدة‭ ‬هنا‭ ‬هي‭ ‬القبول‭ ‬والحوار‭. ‬والتسامح،‭ ‬كأي‭ ‬شيء‭ ‬ثمين،‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬جهد‭ ‬مستمر‭ ‬ليبقى‭. ‬هذا‭ ‬النسيج‭ ‬تشكّل‭ ‬لأن‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الجزيرة‭ ‬شيئاً‭ ‬يجعل‭ ‬الإنسان‭ ‬يطمئن‭ ‬ويبقى،‭ ‬ويشعر‭ ‬بأنه‭ ‬جزء‭ ‬أصيل‭ ‬من‭ ‬روحها‭.‬

البحرين‭ ‬تستحق‭ ‬هذا‭ ‬الحب‭. ‬منحت‭ ‬الإنسان‭ ‬ما‭ ‬يتمناه‭ ‬كل‭ ‬غريب،‭ ‬مكاناً‭ ‬يشعر‭ ‬فيه‭ ‬بالأمان،‭ ‬وأرضاً‭ ‬تقبله‭ ‬كما‭ ‬هو،‭ ‬بدينه‭ ‬ولغته‭ ‬وعاداته‭. ‬الوافد‭ ‬الذي‭ ‬جاء‭ ‬حاملاً‭ ‬حقيبة‭ ‬وأملاً،‭ ‬وجد‭ ‬هنا‭ ‬ما‭ ‬فاق‭ ‬توقعاته،‭ ‬وطناً‭ ‬ثانياً‭ ‬يحبه‭ ‬كما‭ ‬يحب‭ ‬وطنه‭ ‬الأول‭. ‬وربما‭ ‬أكثر،‭ ‬لأن‭ ‬الوطن‭ ‬الأول‭ ‬يأخذه‭ ‬بحكم‭ ‬الميلاد،‭ ‬أما‭ ‬هذا‭ ‬فقد‭ ‬اختاره‭ ‬بقلبه‭ ‬وأحبه‭ ‬بإرادته‭. ‬لهذا‭ ‬حين‭ ‬يرفع‭ ‬يديه‭ ‬بالدعاء،‭ ‬تجد‭ ‬في‭ ‬صوته‭ ‬شيئاً‭ ‬يشبه‭ ‬الوفاء‭. ‬وفاء‭ ‬لأرض‭ ‬أعطت‭ ‬فأحبّت،‭ ‬وأحبّت‭ ‬فأعطت‭.‬

وهذا‭ ‬الحب‭ ‬الذي‭ ‬يكنّه‭ ‬الوافد‭ ‬لهذه‭ ‬الأرض‭ ‬مصدره‭ ‬شيء‭ ‬أعمق،‭ ‬السلام‭ ‬الذي‭ ‬تمنحه‭ ‬هذه‭ ‬الجزيرة‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬وطئ‭ ‬ترابها‭. ‬والسلام‭ ‬ليس‭ ‬فكرة‭ ‬اخترعها‭ ‬الإنسان،‭ ‬السماء‭ ‬سبقته‭ ‬إليها‭. ‬الكتب‭ ‬السماوية‭ ‬الثلاثة،‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬والإنجيل‭ ‬والتوراة،‭ ‬لم‭ ‬تكتفِ‭ ‬بمدح‭ ‬السلام‭ ‬والدعوة‭ ‬إليه،‭ ‬طالبت‭ ‬الإنسان‭ ‬أن‭ ‬يصنعه‭ ‬بيديه‭. ‬القرآن‭ ‬يقول‭: ‬‮«‬ادخلوا‭ ‬في‭ ‬السلم‭ ‬كافة‮»‬،‭ ‬والدخول‭ ‬فعل‭ ‬وحركة‭. ‬والإنجيل‭ ‬يقول‭: ‬‮«‬طوبى‭ ‬لصانعي‭ ‬السلام‮»‬،‭ ‬والصنع‭ ‬جهد‭ ‬وإرادة‭. ‬والتوراة‭ ‬تقول‭: ‬‮«‬ابتغِ‭ ‬السلام‭ ‬واسعَ‭ ‬وراءه‮»‬،‭ ‬والسعي‭ ‬مسؤولية‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭. ‬ثلاثة‭ ‬كتب،‭ ‬وأمر‭ ‬واحد‭: ‬السلام‭ ‬لا‭ ‬يُنتظر،‭ ‬يُبنى‭.‬

والأديان‭ ‬حين‭ ‬دعت‭ ‬إلى‭ ‬السلام،‭ ‬قصدت‭ ‬أولاً‭ ‬ذلك‭ ‬السلام‭ ‬الهادئ‭ ‬الذي‭ ‬يسكن‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬الداخل،‭ ‬سلام‭ ‬القلب‭ ‬مع‭ ‬نفسه‭ ‬ومع‭ ‬ربه،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬سلاماً‭ ‬بين‭ ‬الشعوب‭ ‬والأمم‭. ‬

لأن‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬داخله‭ ‬حرباً‭ ‬لا‭ ‬تهدأ،‭ ‬يعجز‭ ‬عن‭ ‬منح‭ ‬الآخرين‭ ‬ما‭ ‬افتقده‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬السلام‭ ‬الداخلي‭ ‬تنبع‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬رؤية‭ ‬الآخر‭ ‬إنساناً،‭ ‬والتعامل‭ ‬معه‭ ‬بما‭ ‬يستحق،‭ ‬وبناء‭ ‬عالم‭ ‬يتسع‭ ‬للجميع‭.‬

والعالم‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬أمسّ‭ ‬الحاجة‭ ‬لهذا‭ ‬الصوت‭. ‬الحروب‭ ‬تركت‭ ‬جراحاً‭ ‬عميقة،‭ ‬والبشر‭ ‬يحصدون‭ ‬ثمن‭ ‬خيارات‭ ‬لم‭ ‬يختاروها‭. ‬في‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬العصيبة،‭ ‬يبدو‭ ‬دعاء‭ ‬المصلين‭ ‬في‭ ‬كنائس‭ ‬البحرين‭ ‬وكأنه‭ ‬رسالة‭ ‬للإنسانية،‭ ‬رسالة‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬السلام‭ ‬ممكن،‭ ‬وإن‭ ‬البشر‭ ‬قادرون‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يتجاوروا‭ ‬ويتحابوا‭ ‬ويدعو‭ ‬لبعضهم‭.‬

وحين‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬أخبار‭ ‬الحرب‭ ‬تلقي‭ ‬بظلالها‭ ‬على‭ ‬الفضاء‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬اتجاه،‭ ‬يصبح‭ ‬هذا‭ ‬الدعاء‭ ‬فعلاً‭ ‬مقاوماً‭ ‬للخوف‭ ‬واليأس،‭ ‬وإعلاناً‭ ‬بأن‭ ‬الإنسان‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬حروب‭ ‬السياسة‭. ‬والأرض‭ ‬التي‭ ‬تتسع‭ ‬لهذه‭ ‬الأصوات‭ ‬كلها‭ ‬وتحميها‭ ‬وترعاها،‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬يدعو‭ ‬لها‭ ‬العالم‭ ‬كله‭.‬

عندما‭ ‬أغلقت‭ ‬الأبواب‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم،‭ ‬بقي‭ ‬الدعاء‭ ‬منطلقا‭ ‬إلى‭ ‬السماء‭. ‬دعاء‭ ‬رفعه‭ ‬ناس‭ ‬جاؤوا‭ ‬من‭ ‬الفلبين‭ ‬والهند‭ ‬ولبنان‭ ‬وإفريقيا‭ ‬وأوروبا،‭ ‬ووجدوا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الجزيرة‭ ‬الصغيرة‭ ‬ما‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يُصلى‭ ‬له‭. ‬البحرين‭ ‬لم‭ ‬تطلب‭ ‬منهم‭ ‬ذلك،‭ ‬أعطتهم‭ ‬فأحبوا،‭ ‬وأحبوا‭ ‬فدعوا‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الدعاء‭ ‬رسالة‭ ‬للعالم‭ ‬المتعب،‭ ‬أن‭ ‬السلام‭ ‬ليس‭ ‬حلماً‭ ‬بعيداً،‭ ‬هو‭ ‬خيار‭ ‬تصنعه‭ ‬الأرض‭ ‬حين‭ ‬تقرر‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬رحبة،‭ ‬وتصنعه‭ ‬القلوب‭ ‬حين‭ ‬تقرر‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬كريمة‭.‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا