قبل عشرين عاما، وفى مارس 2006، كتب البروفسوران الشهيران، جون ميرشايمر من جامعة شيكاغو، وستيفن والت من جامعة هارفارد، مقالا أكاديميا تحليليا لظاهرة اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة وتأثيره في سياسة واشنطن الخارجية. وبعد تكليف مجلة ذا أتلانتيك لهما بكتابة المقال، رفضت المجلة الشهيرة نشره على خلفية ما يتضمنه من تفاصيل ونتائج اعتبرتها صادمة ومعادية للسامية.
وما كان من ميرشايمر ووالت إلا أن بحثا عن جهة أخرى تنشر مقالهما، ولم يكن العثور على بديل بالأمر السهل بسبب خوف الكثير من المجلات المرموقة من تبعات نشره. وفى النهاية وافقت مجلة لندن ريفيو أوف بوكس على نشر المقال.
أثار المقال جدلا شديدا فور نشره، وهاجم بشدة جماعات ومنظمات وساسة وصحفيين وأكاديميين وأشخاصا مؤيدين لإسرائيل. واتُّهم كاتبا المقال بالكثير من التهم. وجاء على رأس هذه التهم تبسيط العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، وتجاهل الأسباب الاستراتيجية والأخلاقية لدعم الولايات المتحدة لإسرائيل، وتكرار أو تمكين الكليشيهات المعادية للسامية.
وعلى النقيض، أشاد بالمقال بعض الأكاديميين والمعلقين، واعتبروا أنه تطرق لموضوع لم يُناقش بشكل كافٍ، وأنه تحدى السرديات التقليدية في مناقشات السياسة الخارجية الأمريكية.
ونشرت صحف نيويورك تايمز، وواشنطن بوست، وذا أتلانتيك تعليقات ومقالات معظمها نقدية، كما انتشر النقاش عبر كثير من البرامج الحوارية التلفزيونية. وهكذا أصبح المقال واحدا من أكثر مقالات السياسة الخارجية نقاشا في ذلك العقد.
وبعد أقل من عام، نشر البروفسوران كتابا عن نفس الموضوع بعد تفصيل ما جاء في مقالهما، وجاء الكتاب في 496 صفحة، وقبع الكتاب أشهر على قائمة أكثر الكتب مبيعا وقراءة في صحيفة نيويورك تايمز. وتُرجم الكتاب إلى 24 لغة، وبيعت منه ملايين النسخ داخل وخارج الولايات المتحدة.
عند صدور المقال، كان الدعم الحزبي لإسرائيل في الكونجرس قويا جدا، بلا فارق يُذكر بين الحزبين. وعملت AIPAC - آيباك (لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية)، أقوى منظمات اللوبي اليهودي منذ تأسيسها قبل 70 عاما، على تعزيز العلاقات بين الحكومتين الإسرائيلية والأمريكية. وخلال تلك العقود السبعة، قامت آيباك بعملها دون مقاومة كبيرة. واتبعت آيباك طريقة الضغط وبناء العلاقات مع المرشحين والسياسيين، ولم تمولهم بطريقة مباشرة.
ومنذ صدور الكتاب، تغيرت بيئة عمل اللوبي اليهودي، إذ تأسست منظمة منافسة هي «جي ستريت» عام 2007، وقدمت نفسها على أنها مؤيدة لإسرائيل، ومؤيدة للسلام، داعية إلى حل الدولتين. في الوقت ذاته، نمت منظمة «المسيحيون المتحدون من أجل إسرائيل» (CUFI) بسرعة شديدة، وهي أكبر المنظمات الحاشدة للدعم المسيحي الإنجيلي لإسرائيل، وهكذا تمدد اللوبي اليهودي إلى ما هو أبعد من المؤسسات اليهودية الأمريكية.
وشهدت تلك الفترة كذلك نشأة وتمدد حراك النشاط في الحرم الجامعي والنشاط الشعبي، وتأسست حركة سحب الاستثمارات والعقوبات ضد إسرائيل (BDS) بزخم في الجامعات. وهكذا أصبح اللوبي أقل توحدا وأكثر تنوعا أيديولوجيا، بينما واجه أيضا معارضة أكثر تنظيما.
منذ طوفان الأقصى، تتغير ببطء علاقة إسرائيل بالحزبين الأمريكيين في اتجاه سلبي. ديمقراطيا، وبدءا من سنوات الرئيس السابق جو بايدن، الذي كان مؤيدا بشدة لإسرائيل، عرف الحزب الديمقراطي شرخا بسيطا في درجة دعمه لإسرائيل، خاصة بعد اقترافها مختلف أنواع الجرائم في قطاع غزة. وأصبح شباب الحزب الديمقراطي أكثر ميلا لنصرة الحقوق الفلسطينية بدلا من التعاطف مع كل ما تقوم به إسرائيل، وأصبح الديمقراطيون بصفة عامة أقل دعما لإسرائيل.
جمهوريا، ورغم الدعم الواسع لإسرائيل حتى الآن، أصبح الحزب، بتياراته المختلفة، أكثر انقساما بشأن إسرائيل أيضا. ومع تبوء تيار «أمريكا أولا» مركزا متقدما في أجندة وسياسة الحزب، يعرف الحزب صوتا انعزاليا ممن لا يرغبون في أن تشارك أمريكا في حروب خارجية أو تدعم دولا أجنبية تشارك في حروب لم تكن بالضرورة في مصلحة أمريكا.
ووقف اللوبي اليهودي عاجزا أمام مشاهدة ملايين الأمريكيين، خاصة الشباب منهم، صورا لأطفال غزة القتلى أو الجائعين، وبدأ الكثيرون يقولون: لماذا نرسل هذا النوع من المال إلى الخارج لدعم حكومة نعتقد أنها تفعل شيئا غير أخلاقي؟
وخلال السنوات الماضية، اضطرت آيباك فعليا إلى تغيير تكتيكاتها، فعندما تم انتخاب عدد من الأعضاء الديمقراطيين التقدميين لمجلس النواب عام 2018 ممن يؤيدون بشدة الحقوق الفلسطينية، ويرفضون تقديم مساعدات لإسرائيل، أصيبت شبكة اللوبي اليهودي بالذعر. وأدركت أنه لم يعد كافيا فقط محاولة إقناع صانعي السياسات بالتصويت لصالحهم.
وشكلت حركة آيباك مشروع «الديمقراطية المتحدة» لتقديم تمويل مباشر لساسة أمريكيين مؤيدين لإسرائيل، ووصل حجم إنفاق آيباك المباشر لدعم مرشحين في الكونجرس إلى ما يقرب من 200 مليون دولار العام الماضي فقط.
وبسبب عبء الدفاع عن إسرائيل، والرفض الشعبي المتزايد للعلاقات الخاصة بينها وبين الولايات المتحدة، لجأت آيباك في كثير من الحالات إلى الترويج لمرشح معين بالابتعاد عن كشف علاقاته بإسرائيل. وتقوم بدلا من ذلك بالتركيز على القضايا التي تثير حماس القاعدة الانتخابية طبقا لكل دائرة انتخابية، مثل ارتفاع أسعار المساكن، أو أسعار الرعاية الصحية، أو أسعار الوقود، أو الإجهاض.
وبعدما كان دعم إسرائيل أحد القضايا التي يجمع عليها الجمهوريون والديمقراطيون، تمر علاقة الدولتين بمرحلة صعبة يُستبعد معها نجاح أي مرشح رئاسي ديمقراطي داعم بقوة لإسرائيل في الفوز ببطاقة الحزب الانتخابية. قد يختلف الأمر قليلا عند الجمهوريين، إلا أنه سيكون كذلك بلا شك بعد أقل من عشرين عامًا.
{ كاتب صحفي متخصص
في الشؤون الأمريكية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك