أسفرت نتائج الانتخابات البرلمانية التي شهدتها المجر هذه الدولة الاشتراكية السابقة الواقعة في وسط أوروبا ويبلغ عدد سكانها حوالي9.5 مليون نسمة لانتخاب أعضاء الجمعية الوطنية المجرية «البرلمان» البالغ عددهم 199 عضوا، عن مفاجأة مدوية بسقوط السياسي اليمني المتطرف فيكتور أوربان وهو حليف كل من ترامب ونتنياهو.
فهذه هي الانتخابات العاشرة منذ عام 1990 التي تشهدها المجر، حيث شارك في عملية التصويت أكثر من 7.6 من عشرة ناخبين مجريين يحق لهم التصويت، فقد أدلوا بأصواتهم وبنسبة مشاركة بلغت 79% أسفرت عن تحقيق حزب «تيسا» بزعامة بيتر ماجيار المعارض فوزا ساحقا على حزب «فيديس» بزعامة فيكتور أوربان بحصوله على 133 مقعدا من مقاعد البرلمان وبنسبة 53% فيما حصل حزب «فيديس» على 55 مقعدا بنسبة 37%، مما يؤهل حزب «تيسا» لتشكيل الحكومة المجرية الجديدة لتعم الاحتفالات والأفراح بين مؤيدي حزب «تيسا» مبتهجين بنتائج الانتخابات وفوز الحزب، وذلك أمام مقر الحزب الواقع على ضفاف نهر الدانوب ملوحين بالأعلام المجرية وسط إطلاق أبواق السيارات والحافلات في عموم العاصمة المجرية بودابست، حيث وصف زعيم الحزب الشاب البالغ من العمر 45 عاما هذا الفوز «بالمعجزة» بعد 16 عاما من حكم حزب «فيديس» بزعامة أوربان وعلى مدار أربع دورات متتالية متعهدا بإعادة المجر إلى المسار الصحيح بعد أن قال شعب المجر نعم لأوروبا.
جرت الانتخابات المجرية في أجواء من الترقب والقلق والمتابعة المحلية والدولية خصوصا من قبل الاتحاد الأوروبي الذي كان ينظر إلى رئيس وزراء المجر كمعرقل لقرارات الاتحاد، إذ تربطه علاقات وثيقة مع روسيا الاتحادية ورئيسها فلاديمير بوتين ومع الرئيس الأمريكي رونالد ترامب، فيما عبر قادة الاتحاد الأوروبي الذين تسابقوا لتهنئة رئيس الوزراء الجديد عن ارتياحهم لنتائج هذه الانتخابات.
أما موسكو ورغم عدم ارتياحها لنتائج الانتخابات فإن الكرملين وعلى لسان المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديميري بيسكوف تقدم بالتهنئة لرئيس الوزراء الجديد، مؤكدا استعداد روسيا للتعامل مع الحكومة المجرية الجديدة فيما أكد وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف أن روسيا مستعدة لبناء علاقات مع الحكومة المجرية الجديدة على أساس توازن المصالح.
لقد تميزت فترة حكم فيكتور أوربان بخلافات حادة بين المجر ودول الاتحاد الأوروبي خصوصا بالنسبة لاستيراد النفط والغاز الروسي بسبب عدم التزام المجر بالعقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا الاتحادية معتبرا ذلك إضرارا بالشعب المجري، وان المجر غير مستعدة لشراء النفط والغاز بأسعار مرتفعة في حين يمكن استيراد الغاز والنفط الروسيين بأسعار رخيصة.
كما عارضت المجر العديد من قرارات الاتحاد الأوروبي، وخصوصا أن القرارات يجب أن تكون بالإجماع ومنها معارضة المجر منح قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار دولار ومساعدات أخرى وأيضا عارضت انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، فضلا عن عرقلة المجر اتخاذ قرارات لفرض عقوبات على إسرائيل بسبب حربها في غزة واعتداءاتها على الشعب الفلسطيني بل عارضت حتى إصدار بيانات الإدانة والشجب وكان داعما ومساندا لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واستقبله في بودابست رغم قرار محكمة الجنايات الدولية بإدانته بجرائم حرب وابادة ضد الشعب الفلسطيني، واحتفظ بعلاقات ممتازة مع الرئيس الروسي والرئيس الأمريكي، ما أثار قلق الأوروبيين الذين كانوا ينظرون إلى هذه العلاقة على أنها على حساب تماسك ووحدة الاتحاد الأوروبي.
أما رئيس الوزراء الجديد فقد بنى حملته الانتخابية التي أدت إلى فوزه ووصوله إلى السلطة على أجندة معارضة تماما لأجندة خصمه رئيس الوزراء السابق الشعبوية، الذي خسر الانتخابات وهي دعم لقرارات الاتحاد الأوروبي وعدم عرقلتها والموافقة على منح أوكرانيا 90 مليار دولار لطي صحفة الماضي وفتح صفحة جديدة في علاقة المجر مع الاتحاد الأوروبي، وإعادة النظر في العلاقة مع إسرائيل.
إذن المجر على مفترق طرق لتصحيح العلاقة مع الاتحاد الأوروبي وترميمها، وكذلك فيما يتعلق بعلاقة المجر بالقطبين الأمريكي والروسي خصوصا فيما يتعلق بتلميح رئيس الوزراء الجديد بإمكانية تقليل المجر اعتمادها على النفط والغاز الروسيين تدريجيا.
والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هل المجر قادرة على تحمل تداعيات هذا التحول في السياسة الخارجية المجرية سياسيا واقتصاديا وحتى أمنيا؟

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك