العدد : ١٧٥٦٠ - الثلاثاء ٢١ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٦٠ - الثلاثاء ٢١ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

دول الخليج ستظل نموذجا للنجاح التنموي والبناء الحضاري

بقلم: عبدالهادي الخلاقي {

الأربعاء ١٥ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

تبرز‭ ‬المقارنة‭ ‬بين‭ ‬المسارين‭ ‬الإيراني‭ ‬والخليجي‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الخمسة‭ ‬الماضية‭ ‬تبايناً‭ ‬جوهرياً‭ ‬في‭ ‬أولويات‭ ‬التنمية‭ ‬وتوجيه‭ ‬الموارد‭ ‬حيث‭ ‬ركزت‭ ‬إيران‭ ‬بشكل‭ ‬مكثف‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬ترسانة‭ ‬عسكرية‭ ‬ونفوذ‭ ‬إقليمي‭ ‬بينما‭ ‬استثمرت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التنمية‭ ‬وبناء‭ ‬اقتصادات‭ ‬متنوعة‭ ‬ورفاهية‭ ‬شعوبها‭.‬

على‭ ‬مدى‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭ ‬جعلت‭ ‬إيران‭ ‬بمشروعها‭ ‬التوسعي‭ ‬العدواني‭ ‬من‭ ‬التسلح‭ ‬وتطوير‭ ‬القدرات‭ ‬العسكرية‭ ‬وتمويل‭ ‬وتسليح‭ ‬أذرع‭ ‬عسكرية‭ ‬كحزب‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬والحوثيين‭ ‬وفصائل‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا‭ ‬وخلايا‭ ‬نائمة‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬أولوية‭ ‬استراتيجية،‭ ‬ومما‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التسلح‭ ‬والإنفاق‭ ‬العسكري‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬كلفة‭ ‬اقتصادية‭ ‬باهظة‭ ‬استنزفت‭ ‬معظم‭ ‬موارد‭ ‬الدولة،‭ ‬هذا‭ ‬الإنفاق‭ ‬الضخم‭ ‬وتكاليف‭ ‬دعم‭ ‬المليشيات‭ ‬جاء‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬رفاهية‭ ‬المواطن‭ ‬وجودة‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬والخدمات‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬الإيراني‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬أزمات‭ ‬اقتصادية‭ ‬متلاحقة‭ ‬واحتجاجات‭ ‬شعبية‭ ‬تطالب‭ ‬بتوجيه‭ ‬الأموال‭ ‬للداخل‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬هدرها‭ ‬في‭ ‬تمويلات‭  ‬بالخارج‭.‬

ونتيجة‭ ‬لهذا‭ ‬السياسات‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬العقوبات‭ ‬الدولية‭ ‬أدى‭ ‬ترجيح‭ ‬كفة الإنفاق‭ ‬العسكري‮ ‬والتمويل‭ ‬الإقليمي‭ ‬لأذرعها‭ ‬الإرهابية‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬على‭ ‬حساب الإصلاحات‭ ‬الهيكلية إلى‭ ‬اختناق‭ ‬الاقتصاد‭ ‬وتراجع‭ ‬التنمية‭ ‬الداخلية‭ ‬وانهيار‭ ‬العملة‭ ‬وتآكل‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬للمواطن‭ ‬الإيراني‭ ‬مما‭ ‬جعل‭ ‬التضخم‭ ‬يتجاوز‭ ‬عتبة‭ ‬الـ‭ ‬40‭%‬‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وإلى‮ ‬65‭%‬‮ ‬بحلول‭ ‬منتصف‭ ‬مارس‭ ‬2026‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬سحق‭ ‬الطبقة‭ ‬المتوسطة،‭ ‬كما‭ ‬فقد‭ ‬الإيرانيون‭ ‬أكثر‭ ‬من‮ ‬90‭%‬‭ ‬من‭ ‬قدرتهم‭ ‬الشرائية‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الثماني‭ ‬الماضية‭ ‬وأصبح‭ ‬نحو‭ ‬40‭-‬45‭%‬‮ ‬من‭ ‬السكان‭ ‬يعيشون‭ ‬تحت‭ ‬خط‭ ‬الفقر‭.‬

في‭ ‬المقابل‭ ‬ركزت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬الثروة‭ ‬النفطية‭ ‬إلى‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬ورفاهية‭ ‬مستدامة‭ ‬لشعوبها،‭ ‬حيث‭ ‬استثمرت‭ ‬في‭ ‬البنى‭ ‬التحتية‭ ‬والتعليم‭ ‬والصحة‭ ‬والسياحة‭ ‬والاقتصاد‭ ‬والتنمية‭ ‬المستدامة‭ ‬مما‭ ‬خلق‭ ‬بيئة‭ ‬جاذبة‭ ‬للاستثمارات‭ ‬العالمية‭ ‬ورؤوس‭ ‬الأموال،‭ ‬كما‭ ‬اعتمدت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬الاندماج‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬والشراكات‭ ‬الدولية‭ ‬كأداة‭ ‬للنفوذ‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬إظهار‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭.‬

وبينما‭ ‬لهثت‭ ‬إيران‭ ‬خلف‭ ‬التسلح‭ ‬العسكري‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬رفاهية‭ ‬شعبها‭ ‬وتنمية‭ ‬اقتصادها،‭ ‬بنت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬قوة‭ ‬اقتصادية‭ ‬جعلتها‭ ‬مركزاً‭ ‬عالمياً‭ ‬للتجارة‭ ‬والاستثمار‭ ‬والابتكار،‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬وليد‭ ‬الصدفة‭ ‬بل‭ ‬جاء‭ ‬نتيجة‭ ‬رؤى‭ ‬استراتيجية‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭ ‬حتى‭ ‬أصبحت‭ ‬الرؤى‭ ‬التنموية‭ ‬الخليجية‭ ‬محركات‭ ‬للنمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭ ‬وتنعكس‭ ‬آثارها‭ ‬الإيجابية‭ ‬على‭ ‬اقتصادات‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬والعالم‭ ‬مما‭ ‬يعزز‭ ‬الاستدامة‭ ‬والابتكار‭.‬

شتان‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬حمل‭ ‬السلاح‭ ‬وهدم‭ ‬الحياة‭ ‬ومن‭ ‬يحرث‭ ‬أرضاً‭ ‬ويزرع‭ ‬شجرة،‭ ‬فبينما‭ ‬يستنزف‭ ‬السلاح‭ ‬الأرواح‭ ‬والموارد‭ ‬ويترك‭ ‬خلفه‭ ‬الدمار‭ ‬فإن‭ ‬من‭ ‬يحرث‭ ‬الأرض‭ ‬يضع‭ ‬بذور الحياة‭ ‬والاستدامة،‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬تتسابق‭ ‬إليه‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬حيث‭ ‬حولت‭ ‬تركيزها‭ ‬من‭ ‬الصراعات‭ ‬التقليدية‭ ‬إلى‭ ‬صراعات‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬آخر‭ ‬سباق‭ ‬نحو الابتكار‭ ‬وتوسيع‭ ‬الرقعة‭ ‬الخضراء‭ ‬وبناء‭ ‬مدن‭ ‬المستقبل‭ ‬هذا‭ ‬الحرث‭ ‬أصبح‭ ‬استثماراً‭ ‬في‭ ‬العقول‮ ‬عبر‭ ‬التعليم‭ ‬والتمكين‭ ‬واستثماراً‭ ‬في‭ ‬الأرض والموارد‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مشاريع‭ ‬الطاقة‭ ‬النظيفة‭ ‬والأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬والسياحة‭ ‬وبناءً‭ ‬للمستقبل بدلاً‭ ‬من‭ ‬الانشغال‭ ‬بصراعات‭ ‬الماضي،‭ ‬والأمم‭ ‬التي‭ ‬تختار‭ ‬المحراث‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تصنع‭ ‬التاريخ‭ ‬وتضمن‭ ‬لأجيالها‭ ‬القادمة‭ ‬وطناً‭ ‬يزدهر‭ ‬فيه‭ ‬الإنسان‭.‬

النجاحات‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬حققتها‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬وضعتها‭ ‬بالفعل‭ ‬تحت‭ ‬المجهر‭ ‬الإقليمي‭ ‬والدولي‭ ‬مما‭ ‬خلق‭ ‬واقعاً‭ ‬جيوسياسياً‭ ‬معقداً،‭ ‬حيث‭ ‬يرى‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المحللين‭ ‬أن‭ ‬الفجوة‭ ‬التنموية‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬وإيران‭ ‬تُعد‭ ‬أحد‭ ‬أسباب‭ ‬العداء‭ ‬الفارسي‭ ‬تجاه‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬تحديداً‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬الأحقاد‭ ‬التاريخية‭ ‬نتيجة‭ ‬لإسقاط‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬الفارسية‭ ‬أثناء‭ ‬الفتوحات‭ ‬الإسلامية‭ ‬لبلاد‭ ‬فارس‭.‬

ويمثل‭ ‬النجاح‭ ‬الخليجي‭ ‬تحدياً‭ ‬وجودياً‭ ‬للنموذج‭ ‬الإيراني‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬التوسع‭ ‬الايديولوجي‭ ‬مما‭ ‬يفسر‭ ‬استمرار‭ ‬محاولات‭ ‬العداء‭ ‬وزعزعة‭ ‬الاستقرار‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬التصعيد‭ ‬الإيراني‭ ‬العدائي‭ ‬غير‭ ‬المبرر‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬قادة‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاوني‭ ‬الخليجي‭ ‬يدفعون‭ ‬بمبدأ‭ ‬تجنيب‭ ‬المنطقة‭ ‬ويلات‭ ‬الصراع‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬خفض‭ ‬التوتر‭ ‬وتجنب‭ ‬الانزلاق‭ ‬نحو‭ ‬حرب‭ ‬شاملة،‭ ‬مع‭ ‬تأكيدهم‭ ‬أن‭ ‬حسابات‭ ‬إيران‭ ‬خاطئة‭ ‬وخطيرة‭ ‬إذا‭ ‬اعتقدت‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬غير‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الرد‭ ‬العسكري‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬النفس‭.‬

وهذا‭ ‬الموقف‭ ‬يعكس النضج‭ ‬السياسي‮ ‬العميق‭ ‬لقادة‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬فهم‭ ‬يفرقون‭ ‬جيداً‭ ‬بين‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الرد‭ ‬والانزلاق‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬طاحنة‭ ‬والرغبة‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬المكتسبات‭ ‬وتجنيب‭ ‬المنطقة‭ ‬ويلات‭ ‬الحروب‭ ‬ونتائجها‭ ‬المدمرة،‭ ‬فالنصر‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬تحطيم‭ ‬الخصم‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحييد‭ ‬الصراع‭ ‬قبل‭ ‬وقوعه،‭ ‬والحكمة‭ ‬المعاصرة‭ ‬تقول‭: ‬لا‭ ‬يجدر‭ ‬بك‭ ‬خوض‭ ‬كل‭ ‬الحروب‭ ‬فبعضها‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬تدير‭ ‬لها‭ ‬ظهرك،‭ ‬فأن‭ ‬تكسب‭ ‬نفسك‭ ‬بالتجاهل‭ ‬خير‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تخسرها‭ ‬في‭ ‬انتصار‭ ‬زائف‭.‬

{‭ ‬باحث‭ ‬وكاتب‭ ‬صحفي‭. ‬

Abdulhadi‭.‬alkhalaqi@gmail‭.‬com1

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا