تبرز المقارنة بين المسارين الإيراني والخليجي خلال العقود الخمسة الماضية تبايناً جوهرياً في أولويات التنمية وتوجيه الموارد حيث ركزت إيران بشكل مكثف على بناء ترسانة عسكرية ونفوذ إقليمي بينما استثمرت دول الخليج العربية في مجال التنمية وبناء اقتصادات متنوعة ورفاهية شعوبها.
على مدى نصف قرن جعلت إيران بمشروعها التوسعي العدواني من التسلح وتطوير القدرات العسكرية وتمويل وتسليح أذرع عسكرية كحزب الله في لبنان والحوثيين وفصائل في العراق وسوريا وخلايا نائمة في عدد من دول العالم أولوية استراتيجية، ومما لا شك فيه أن هذا التسلح والإنفاق العسكري كان له كلفة اقتصادية باهظة استنزفت معظم موارد الدولة، هذا الإنفاق الضخم وتكاليف دعم المليشيات جاء على حساب رفاهية المواطن وجودة البنية التحتية والخدمات في الداخل الإيراني مما أدى إلى أزمات اقتصادية متلاحقة واحتجاجات شعبية تطالب بتوجيه الأموال للداخل بدلاً من هدرها في تمويلات بالخارج.
ونتيجة لهذا السياسات إلى جانب العقوبات الدولية أدى ترجيح كفة الإنفاق العسكري والتمويل الإقليمي لأذرعها الإرهابية في دول المنطقة على حساب الإصلاحات الهيكلية إلى اختناق الاقتصاد وتراجع التنمية الداخلية وانهيار العملة وتآكل القدرة الشرائية للمواطن الإيراني مما جعل التضخم يتجاوز عتبة الـ 40% في السنوات الأخيرة، وإلى 65% بحلول منتصف مارس 2026 وهو ما سحق الطبقة المتوسطة، كما فقد الإيرانيون أكثر من 90% من قدرتهم الشرائية خلال السنوات الثماني الماضية وأصبح نحو 40-45% من السكان يعيشون تحت خط الفقر.
في المقابل ركزت دول الخليج العربية على تحويل الثروة النفطية إلى بنية تحتية ورفاهية مستدامة لشعوبها، حيث استثمرت في البنى التحتية والتعليم والصحة والسياحة والاقتصاد والتنمية المستدامة مما خلق بيئة جاذبة للاستثمارات العالمية ورؤوس الأموال، كما اعتمدت دول الخليج العربية على الاندماج في الاقتصاد العالمي والشراكات الدولية كأداة للنفوذ بدلاً من الاعتماد على إظهار القوة العسكرية.
وبينما لهثت إيران خلف التسلح العسكري على حساب رفاهية شعبها وتنمية اقتصادها، بنت دول الخليج قوة اقتصادية جعلتها مركزاً عالمياً للتجارة والاستثمار والابتكار، هذا التحول لم يكن وليد الصدفة بل جاء نتيجة رؤى استراتيجية طويلة الأمد حتى أصبحت الرؤى التنموية الخليجية محركات للنمو الاقتصادي العالمي وتنعكس آثارها الإيجابية على اقتصادات دول المنطقة والعالم مما يعزز الاستدامة والابتكار.
شتان بين من يسعى إلى حمل السلاح وهدم الحياة ومن يحرث أرضاً ويزرع شجرة، فبينما يستنزف السلاح الأرواح والموارد ويترك خلفه الدمار فإن من يحرث الأرض يضع بذور الحياة والاستدامة، هذا التوجه هو ما تتسابق إليه دول مجلس التعاون الخليجي حيث حولت تركيزها من الصراعات التقليدية إلى صراعات من نوع آخر سباق نحو الابتكار وتوسيع الرقعة الخضراء وبناء مدن المستقبل هذا الحرث أصبح استثماراً في العقول عبر التعليم والتمكين واستثماراً في الأرض والموارد من خلال مشاريع الطاقة النظيفة والأمن الغذائي والسياحة وبناءً للمستقبل بدلاً من الانشغال بصراعات الماضي، والأمم التي تختار المحراث هي التي تصنع التاريخ وتضمن لأجيالها القادمة وطناً يزدهر فيه الإنسان.
النجاحات الكبيرة التي حققتها دول الخليج العربية وضعتها بالفعل تحت المجهر الإقليمي والدولي مما خلق واقعاً جيوسياسياً معقداً، حيث يرى العديد من المحللين أن الفجوة التنموية بين دول الخليج العربية وإيران تُعد أحد أسباب العداء الفارسي تجاه دول الخليج تحديداً بالإضافة إلى الأحقاد التاريخية نتيجة لإسقاط الإمبراطورية الفارسية أثناء الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس.
ويمثل النجاح الخليجي تحدياً وجودياً للنموذج الإيراني القائم على التوسع الايديولوجي مما يفسر استمرار محاولات العداء وزعزعة الاستقرار في المنطقة وعلى الرغم من التصعيد الإيراني العدائي غير المبرر لا يزال قادة دول مجلس التعاوني الخليجي يدفعون بمبدأ تجنيب المنطقة ويلات الصراع من خلال خفض التوتر وتجنب الانزلاق نحو حرب شاملة، مع تأكيدهم أن حسابات إيران خاطئة وخطيرة إذا اعتقدت أن دول الخليج العربية غير قادرة على الرد العسكري والدفاع عن النفس.
وهذا الموقف يعكس النضج السياسي العميق لقادة دول مجلس التعاون فهم يفرقون جيداً بين القدرة على الرد والانزلاق في حرب طاحنة والرغبة في الحفاظ على المكتسبات وتجنيب المنطقة ويلات الحروب ونتائجها المدمرة، فالنصر الحقيقي ليس في تحطيم الخصم بل في القدرة على تحييد الصراع قبل وقوعه، والحكمة المعاصرة تقول: لا يجدر بك خوض كل الحروب فبعضها يستحق أن تدير لها ظهرك، فأن تكسب نفسك بالتجاهل خير من أن تخسرها في انتصار زائف.
{ باحث وكاتب صحفي.
Abdulhadi.alkhalaqi@gmail.com1

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك