مُخطئ من كان يتوقّع أن تُسفر المفاوضات عن نتائج فورية حتى لو أنها استغرقت وقتاً أطول.
حتى أن 21 ساعة من مفاوضات الجولة الأولى، كانت أكثر من كافية، حتى يدرك الطرفان والوسطاء، أن هذه الجولة لا يمكن أن تتوصل إلى تقاطعات أوّلية بشأن بعض المفاصل.
المفاوضات كانت من الأساس فاشلة حين تراجع رئيس أمريكا دونالد ترامب عن ما وافق عليه بشأن شمول وقف إطلاق النار الجبهة اللبنانية.
ويضيف عليها الطرف الإيراني أنه كان على أمريكا أن تفرج عن الأموال الإيرانية المجمّدة لدى قطر قبل أن تبدأ المفاوضات.
وكانت بوادر الفشل واضحة، بسبب موافقة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو على وقف إطلاق النار، ولكن دون أن يشمل لبنان، ثم أضفى مصداقية على موقفه، حين ارتكبت دولة الاحتلال مجزرة وحشية شملت معظم مناطق لبنان بما في ذلك العاصمة بيروت.
بعد جولة قتال أولى في العام المنصرم، استمرت لـ 12 يوماً وحرب أخرى تجاوزت كل التقديرات الأمريكية الإسرائيلية، توقفت مؤقتاّ بعد نحو 6 أسابيع، ما كان يمكن لمفاوضات لا يتمتع فيها أي طرف بثقة الطرف الآخر أن تنجح في وقف الحرب.
حين يطّلع المرء على الشروط الخمسة عشر الأمريكية، ومقابلها الشروط العشرة الإيرانية، لا بدّ أن يستنتج، أن الهوّة واسعة إلى حدّ تحتاج معه إلى مفاوضات طويلة مضنية، حتى ينزل أحد الطرفين عن الشجرة، التي يصعد إليها.
أسباب كثيرة لا تدعو إلى التفاؤل، إذ يريد ترامب، أن تؤدّي هذه الحرب إلى تحقيق انتصار تاريخي حاسم، من شأنه أن يشكّل خطوة كبيرة نحو شعار «لنجعل أمريكا عظيمة».
وكان نتنياهو، أيضاً، يريد استغلال وجود رئيس مثل ترامب باعتباره فرصة أخيرة حتى يحقّق «شعار إسرائيل عظيمة»، بل الأعظم والمهيمن على الشرق الأوسط، تمهيداً لتحقيق هدف «إسرائيل الكبرى».
حتى الآن، فشل الطرفان في تحقيق الانتصار الذي يرغبان في تحقيقه، ولا يبدو أن نتائج الحرب حتى اللحظة، يمكن أن تزكّي مزاعم ترامب، بشأن تحقيق الانتصار المزعوم الذي يردّده كل الوقت.
والحال ذاته، فيما يتعلّق بنتنياهو الذي يسوّق لدى مجتمعه الاستيطاني أنه حقق انتصارات عظيمة، ولم يبقَ إلّا القليل حتى يعلن الانتصار الساحق.
فشل الطرفان في كل الحروب التي خاضاها معاً سواء في قطاع غزّة، أو في لبنان، أو في إيران، ما يشير إلى أن المنطقة لا تزال مفتوحة على استمرار الحروب.
ربّما أراد ترامب، أن يجد سبيلاً لمساومة ما، تجعله يدعي تحقيق الانتصار، لكن نتنياهو ليس في وارد وقف الحروب العدوانية، فإن أقفلت أو هدأت في منطقة، حتى يعود ويُشعلها في منطقة أخرى.
نهاية الجولة الأولى من المفاوضات، بالفشل لا تعني أن الباب أصبح مغلقاً على جولات أخرى، فقد تشهد الأيّام المقبلة عودة نشطة لحركة الوسطاء، خصوصاً بعد أن عرف كل طرف حدود حركة الطرف الآخر من الجولة الأولى.
يبدو أن وقف إطلاق النار، قدم فرصة استراحة للطرفين، لإعادة التنظيم استعداداً لجولة قتال قادمة، ما لم يتم الاتفاق.
خلال هذا الوقت، لا بدّ أن القوات الأمريكية بصدد إعادة تموضع نفسها في المنطقة، كما تنشط أجهزة الاستخبارات الأرضية والفضائية و«السيبرانية» لتذخير بنك الأهداف.
كان يكفي ترامب أن تستجيب إيران للمطلب الأساس، الذي يتعلق بفتح مضيق هرمز، وكان ذلك سيعطي إشارة إلى أن إيران، وصلت إلى مستوى من الضعف، سيجعلها تقدم تنازلات أخرى.
تشدد الموقف الإيراني، وعدم قدرة الطرف الأمريكي على فتح المضيق بالقوة، أو بالمفاوضات، من شأنهما أن يضعا ترامب أمام خيارات صعبة، على أن استمرار وقف حركة مرور السفن عَبر المضيق، فترة أطول، من شأنه أن يؤدّي إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية في العالم، بسبب تعطّل إمدادات الطاقة وسلاسل الإمداد، لدول شرق آسيا، وأوروبا.
قد يحرّك هذا الوضع، مواقف بعض الدول التي ناشدها ترامب التدخل للمساعدة في فتح المضيق انطلاقاً من مصالحها.
ما يجري ليس معركة، أو حرباً محدودة، جغرافياً، وسياسياً، إنها حرب المتغيّرات الكبرى، ويبدو أنها حرب كسر عظم، لا يمكن أن تنتهي بإعلان الطرفين الانتصار إذ لا بدّ من منتصر وخاسر في هذه الحرب المجنونة.
وفيما راهن ترامب، واعتقد أن عشرة أيام كافية لتغيير النظام الإيراني، عَبر تسليح وتحريض «المعارضة» الإيرانية، فإن إيران تراهن على ارتدادات الفشل الأمريكي على الداخل، الذي يشهد حراكات قوية.
الوقت من ذهب بالنسبة إلى أمريكا، التي تنتظر انتخابات قد تغيّر موازين القوى والقوة، في غير صالح ترامب وحزبه فإن وقع ذلك، فإن دولة الاحتلال ستكون في وضع يصعب عليها مواصلة حروبها البربرية، ومخطّطاتها التوسّعية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك