العدد : ١٧٥٥٤ - الأربعاء ١٥ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٥٤ - الأربعاء ١٥ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ شوّال ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

مساومات صعبة بين أطراف متشددة

بقلم: طلال عوكل

الأربعاء ١٥ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

مُخطئ‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬يتوقّع‭ ‬أن‭ ‬تُسفر‭ ‬المفاوضات‭ ‬عن‭ ‬نتائج‭ ‬فورية‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬أنها‭ ‬استغرقت‭ ‬وقتاً‭ ‬أطول‭.‬

حتى‭ ‬أن‭ ‬21‭ ‬ساعة‭ ‬من‭ ‬مفاوضات‭ ‬الجولة‭ ‬الأولى،‭ ‬كانت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كافية،‭ ‬حتى‭ ‬يدرك‭ ‬الطرفان‭ ‬والوسطاء،‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الجولة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتوصل‭ ‬إلى‭ ‬تقاطعات‭ ‬أوّلية‭ ‬بشأن‭ ‬بعض‭ ‬المفاصل‭.‬

المفاوضات‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬الأساس‭ ‬فاشلة‭ ‬حين‭ ‬تراجع‭ ‬رئيس‭ ‬أمريكا‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬عن‭ ‬ما‭ ‬وافق‭ ‬عليه‭ ‬بشأن‭ ‬شمول‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬الجبهة‭ ‬اللبنانية‭.‬

ويضيف‭ ‬عليها‭ ‬الطرف‭ ‬الإيراني‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬أمريكا‭ ‬أن‭ ‬تفرج‭ ‬عن‭ ‬الأموال‭ ‬الإيرانية‭ ‬المجمّدة‭ ‬لدى‭ ‬قطر‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬المفاوضات‭.‬

وكانت‭ ‬بوادر‭ ‬الفشل‭ ‬واضحة،‭ ‬بسبب‭ ‬موافقة‭ ‬رئيس‭ ‬حكومة‭ ‬الاحتلال‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬على‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار،‭ ‬ولكن‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يشمل‭ ‬لبنان،‭ ‬ثم‭ ‬أضفى‭ ‬مصداقية‭ ‬على‭ ‬موقفه،‭ ‬حين‭ ‬ارتكبت‭ ‬دولة‭ ‬الاحتلال‭ ‬مجزرة‭ ‬وحشية‭ ‬شملت‭ ‬معظم‭ ‬مناطق‭ ‬لبنان‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬العاصمة‭ ‬بيروت‭.‬

بعد‭ ‬جولة‭ ‬قتال‭ ‬أولى‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬المنصرم،‭ ‬استمرت‭ ‬لـ‭ ‬12‭ ‬يوماً‭ ‬وحرب‭ ‬أخرى‭ ‬تجاوزت‭ ‬كل‭ ‬التقديرات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬توقفت‭ ‬مؤقتاّ‭ ‬بعد‭ ‬نحو‭ ‬6‭ ‬أسابيع،‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬لمفاوضات‭ ‬لا‭ ‬يتمتع‭ ‬فيها‭ ‬أي‭ ‬طرف‭ ‬بثقة‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭ ‬أن‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬وقف‭ ‬الحرب‭.‬

حين‭ ‬يطّلع‭ ‬المرء‭ ‬على‭ ‬الشروط‭ ‬الخمسة‭ ‬عشر‭ ‬الأمريكية،‭ ‬ومقابلها‭ ‬الشروط‭ ‬العشرة‭ ‬الإيرانية،‭ ‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬أن‭ ‬يستنتج،‭ ‬أن‭ ‬الهوّة‭ ‬واسعة‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬تحتاج‭ ‬معه‭ ‬إلى‭ ‬مفاوضات‭ ‬طويلة‭ ‬مضنية،‭ ‬حتى‭ ‬ينزل‭ ‬أحد‭ ‬الطرفين‭ ‬عن‭ ‬الشجرة،‭ ‬التي‭ ‬يصعد‭ ‬إليها‭.‬

أسباب‭ ‬كثيرة‭ ‬لا‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬التفاؤل،‭ ‬إذ‭ ‬يريد‭ ‬ترامب،‭ ‬أن‭ ‬تؤدّي‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬انتصار‭ ‬تاريخي‭ ‬حاسم،‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يشكّل‭ ‬خطوة‭ ‬كبيرة‭ ‬نحو‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬لنجعل‭ ‬أمريكا‭ ‬عظيمة‮»‬‭.‬

وكان‭ ‬نتنياهو،‭ ‬أيضاً،‭ ‬يريد‭ ‬استغلال‭ ‬وجود‭ ‬رئيس‭ ‬مثل‭ ‬ترامب‭ ‬باعتباره‭ ‬فرصة‭ ‬أخيرة‭ ‬حتى‭ ‬يحقّق‭ ‬‮«‬شعار‭ ‬إسرائيل‭ ‬عظيمة‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬الأعظم‭ ‬والمهيمن‭ ‬على‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬تمهيداً‭ ‬لتحقيق‭ ‬هدف‭ ‬‮«‬إسرائيل‭ ‬الكبرى‮»‬‭.‬

حتى‭ ‬الآن،‭ ‬فشل‭ ‬الطرفان‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬الانتصار‭ ‬الذي‭ ‬يرغبان‭ ‬في‭ ‬تحقيقه،‭ ‬ولا‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬نتائج‭ ‬الحرب‭ ‬حتى‭ ‬اللحظة،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تزكّي‭ ‬مزاعم‭ ‬ترامب،‭ ‬بشأن‭ ‬تحقيق‭ ‬الانتصار‭ ‬المزعوم‭ ‬الذي‭ ‬يردّده‭ ‬كل‭ ‬الوقت‭.‬

والحال‭ ‬ذاته،‭ ‬فيما‭ ‬يتعلّق‭ ‬بنتنياهو‭ ‬الذي‭ ‬يسوّق‭ ‬لدى‭ ‬مجتمعه‭ ‬الاستيطاني‭ ‬أنه‭ ‬حقق‭ ‬انتصارات‭ ‬عظيمة،‭ ‬ولم‭ ‬يبقَ‭ ‬إلّا‭ ‬القليل‭ ‬حتى‭ ‬يعلن‭ ‬الانتصار‭ ‬الساحق‭.‬

فشل‭ ‬الطرفان‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الحروب‭ ‬التي‭ ‬خاضاها‭ ‬معاً‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزّة،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬لبنان،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬ما‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المنطقة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬مفتوحة‭ ‬على‭ ‬استمرار‭ ‬الحروب‭.‬

ربّما‭ ‬أراد‭ ‬ترامب،‭ ‬أن‭ ‬يجد‭ ‬سبيلاً‭ ‬لمساومة‭ ‬ما،‭ ‬تجعله‭ ‬يدعي‭ ‬تحقيق‭ ‬الانتصار،‭ ‬لكن‭ ‬نتنياهو‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬وارد‭ ‬وقف‭ ‬الحروب‭ ‬العدوانية،‭ ‬فإن‭ ‬أقفلت‭ ‬أو‭ ‬هدأت‭ ‬في‭ ‬منطقة،‭ ‬حتى‭ ‬يعود‭ ‬ويُشعلها‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬أخرى‭.‬

نهاية‭ ‬الجولة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬المفاوضات،‭ ‬بالفشل‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬أن‭ ‬الباب‭ ‬أصبح‭ ‬مغلقاً‭ ‬على‭ ‬جولات‭ ‬أخرى،‭ ‬فقد‭ ‬تشهد‭ ‬الأيّام‭ ‬المقبلة‭ ‬عودة‭ ‬نشطة‭ ‬لحركة‭ ‬الوسطاء،‭ ‬خصوصاً‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬عرف‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬حدود‭ ‬حركة‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬الجولة‭ ‬الأولى‭.‬

يبدو‭ ‬أن‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار،‭ ‬قدم‭ ‬فرصة‭ ‬استراحة‭ ‬للطرفين،‭ ‬لإعادة‭ ‬التنظيم‭ ‬استعداداً‭ ‬لجولة‭ ‬قتال‭ ‬قادمة،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬الاتفاق‭.‬

خلال‭ ‬هذا‭ ‬الوقت،‭ ‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬أن‭ ‬القوات‭ ‬الأمريكية‭ ‬بصدد‭ ‬إعادة‭ ‬تموضع‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬كما‭ ‬تنشط‭ ‬أجهزة‭ ‬الاستخبارات‭ ‬الأرضية‭ ‬والفضائية‭ ‬و«السيبرانية‮»‬‭ ‬لتذخير‭ ‬بنك‭ ‬الأهداف‭.‬

كان‭ ‬يكفي‭ ‬ترامب‭ ‬أن‭ ‬تستجيب‭ ‬إيران‭ ‬للمطلب‭ ‬الأساس،‭ ‬الذي‭ ‬يتعلق‭ ‬بفتح‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬سيعطي‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬إيران،‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬من‭ ‬الضعف،‭ ‬سيجعلها‭ ‬تقدم‭ ‬تنازلات‭ ‬أخرى‭.‬

تشدد‭ ‬الموقف‭ ‬الإيراني،‭ ‬وعدم‭ ‬قدرة‭ ‬الطرف‭ ‬الأمريكي‭ ‬على‭ ‬فتح‭ ‬المضيق‭ ‬بالقوة،‭ ‬أو‭ ‬بالمفاوضات،‭ ‬من‭ ‬شأنهما‭ ‬أن‭ ‬يضعا‭ ‬ترامب‭ ‬أمام‭ ‬خيارات‭ ‬صعبة،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬وقف‭ ‬حركة‭ ‬مرور‭ ‬السفن‭ ‬عَبر‭ ‬المضيق،‭ ‬فترة‭ ‬أطول،‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يؤدّي‭ ‬إلى‭ ‬تفاقم‭ ‬الأوضاع‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬بسبب‭ ‬تعطّل‭ ‬إمدادات‭ ‬الطاقة‭ ‬وسلاسل‭ ‬الإمداد،‭ ‬لدول‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬وأوروبا‭.‬

قد‭ ‬يحرّك‭ ‬هذا‭ ‬الوضع،‭ ‬مواقف‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬ناشدها‭ ‬ترامب‭ ‬التدخل‭ ‬للمساعدة‭ ‬في‭ ‬فتح‭ ‬المضيق‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬مصالحها‭.‬

ما‭ ‬يجري‭ ‬ليس‭ ‬معركة،‭ ‬أو‭ ‬حرباً‭ ‬محدودة،‭ ‬جغرافياً،‭ ‬وسياسياً،‭ ‬إنها‭ ‬حرب‭ ‬المتغيّرات‭ ‬الكبرى،‭ ‬ويبدو‭ ‬أنها‭ ‬حرب‭ ‬كسر‭ ‬عظم،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تنتهي‭ ‬بإعلان‭ ‬الطرفين‭ ‬الانتصار‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬من‭ ‬منتصر‭ ‬وخاسر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬المجنونة‭.‬

وفيما‭ ‬راهن‭ ‬ترامب،‭ ‬واعتقد‭ ‬أن‭ ‬عشرة‭ ‬أيام‭ ‬كافية‭ ‬لتغيير‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني،‭ ‬عَبر‭ ‬تسليح‭ ‬وتحريض‭ ‬‮«‬المعارضة‮»‬‭ ‬الإيرانية،‭ ‬فإن‭ ‬إيران‭ ‬تراهن‭ ‬على‭ ‬ارتدادات‭ ‬الفشل‭ ‬الأمريكي‭ ‬على‭ ‬الداخل،‭ ‬الذي‭ ‬يشهد‭ ‬حراكات‭ ‬قوية‭.‬

الوقت‭ ‬من‭ ‬ذهب‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬أمريكا،‭ ‬التي‭ ‬تنتظر‭ ‬انتخابات‭ ‬قد‭ ‬تغيّر‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬والقوة،‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬صالح‭ ‬ترامب‭ ‬وحزبه‭ ‬فإن‭ ‬وقع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬دولة‭ ‬الاحتلال‭ ‬ستكون‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬يصعب‭ ‬عليها‭ ‬مواصلة‭ ‬حروبها‭ ‬البربرية،‭ ‬ومخطّطاتها‭ ‬التوسّعية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا