البدايات الأولى لما يعرف اليوم بالقانون الدولي يعود إلى آلاف السنين عندما حاولت الإمبراطوريات القديمة تنظم العلاقات فيما بينها، مثل حضارة ما بين النهرين، أي الحضارة العراقية القديمة، وحضارة وادي النيل، أي الحضارة المصرية، الحضارة الإغريقية. ولاحقا الرومانية، وهذا يعني أنه منذ القدم فإن الدول والإمبراطوريات القوية هي من تصيغ نظام علاقاتها فيما بينها وتفرضه بطريقتها على الآخرين وبما يخدم مصالحها أو طموحاتها.
القانون الدولي كمصطلح متداول بمفهومه الراهن ظهر في نهاية القرن الثامن عشر على يد الفقيه البريطاني جيرمي بنتام، ليحل محل المصطلح القديم «قانون الأمم» (Law of Nations)، وبعد الحرب العالمية الأولى أصبح القانون الدولي ملزما للدول. وكما كان عليه الأمر في الإمبراطوريات القديمة، فإن الدول القوية المهيمنة هي من تضع القانون الدولي بهدف ضبط العلاقات فيما بينها هي أكثر من كونه قانونا يلجأ إليه الضعفاء لحماية حقوقهم، وعندما يحين لأي من هذه الدول القوية تغيير ميزان القوى لصالحها تنحي جانبا القانون الدولي وتقوم بفرض معادلة دولية جديدة دون أن تقيم أي وزن للقانون الدولي.
بعد الحرب العالمية الأولى، رأت الدول المنتصرة. بريطانيا وفرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية، أن تصيغ قانونا دوليا ينظم العلاقات فيما بينها بهدف منع نشوب حرب أخرى بينها، ومن هنا وضعت هذا القانون، وأسست عصبة الأمم كمؤسسة دولية تراقب تطبيق هذا القانون. إلا أن هذه الدول صاغت القانون ليلائم مصالحها وأهدافها الاستعمارية، فابتكرت فكرة الانتداب، بهدف توزيع مناطق النفوذ فيما بينها دون الحاجة إلى اللجوء إلى القوة، وهي الفكرة الذي وضعت الشعوب العربية، ومن ضمنها الشعب الفلسطيني، تحت النفوذ الاستعماري البريطاني والفرنسي والإيطالي.
فكرة الانتداب، التي نصت عليها المادة (22) من ميثاق عصبة الأمم ألغت عمليا تفعيل مبدأ حق تقرير المصير للشعوب وهو أحد أهم المبادئ التي نص عليها القانون الدولي في تلك الحقبة.
ألمانيا التي خرجت مهزومة في الحرب العالمية الأولى، وفرض عليها الاستسلام، ما إن أعادت بناء نفسها وأصبحت قوية بما يكفي حتى وضعت القانون الدولي جانبا واجتاحت الدول الأوروبية الواحدة بعد الأخرى، كما وسعت نفوذها في شمال إفريقيا حيث دارت هناك واحدة من أهم معارك الحرب العالمية الثانية «معركة العلمين» التي هزمت فيها ألمانيا ومن بعدها بدأ التقهقر الألماني.
بعد الحرب العالمية الثانية وضع المنتصرون، الولايات المتحدة الأمريكية، الاتحاد السوفييتي، بريطانيا وفرنسا، صيغة متطورة للقانون الدولي وأسسوا هيئة الأمم المتحدة، ثم أضافوا إلى الصيغة القانون الإنساني عام 1949، من أهم مبادئ القانون الدولي، عدم الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة، واحترام سيادة الدول، وحق تقرير المصير للشعوب مهما كانت درجة تطورها.
أما القانون الإنساني، والذي ليس من مهامه منع الحروب، وإنما هدفه منع الآثار السلبية للنزاعات المسلحة أو التخفيف منها قدر الإمكان، وهدفه حماية المدنيين، وتوفير الحماية لأسرى الحروب، وحماية الأطقم الطبية والدفاع المدني، وتوفير الحماية لضحايا الحروب، ومحاكمة مجرمي الحرب ومحاسبتهم على جرائمهم.
في كل الحقبة التي تلت الحرب العالمية الثانية وحتى الآن، كانت الدول الكبرى هي من ينتهك القانون الذي صاغته، أو أنها أغمضت عيونها وصمت آذانها عن الجرائم التي كان يرتكبها وكلاؤها من الدول الأصغر، كما هو حال إسرائيل، التي بقيت تتصرف وكأنها دولة فوق القانون، ولم يجر محاسبتها عن أي انتهاك ارتكبته، وهي انتهاكات فظيعة، وآخرها حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، التي تحاول الدول الكبرى أن تطوي صفحتها دون أن تتعرض إسرائيل لأي مساءلة أو محاسبتها عن جرائم الحرب التي ارتكبها جيشها وقيادتها السياسية.
وبالرغم من الصيغ الرائعة فإن الدول الكبرى القوية واصلت النهج ذاته للإمبراطوريات القديمة، عندما تحين الفرصة تنقض وتنهش من حقوق الآخرين، ومتى امتلكت القوة الحاسمة تضرب دون أي اعتبار للقانون الدولي.
في النصف الثاني من القرن العشرين حاولت الأمم المتحدة إظهار حرصها على القانون الدولي، ولكن ما دام الخمسة الكبار يملكون حق الفيتو في مجلس الأمن، المؤسسة التنفيذية الأهم في الأمم المتحدة، فإن القانون الدولي سيبقى معلقا، وإن الدول الكبرى تلجأ إليه فقط لضبط العلاقات فيما بينها، وبهذا المعنى القانون في خدمتها عندما تحتاجه، ولا تلجأ إليه، بل وتنتهكه بشكل سافر إذا كان لا يلبي طموحاتها المجنونة في الغالب.
تمثل إسرائيل النموذج الأكثر قسوة لانتهاء القانون الدولي، فهناك أكثر من ألف قرار أصدرته الأمم المتحدة لم تلتزم إسرائيل بأي منها، طالما قال المجتمع الدولي إن احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية والعربية غير شرعي، وإن الاستيطان بدوره غير شرعي، والأمر ذاته ينطبق على عدم شرعية ضم القدس، وانتهاكات سياسة العقاب الجماعي وأخيرا الإبادة الجماعية في غزة، كل هذه الانتهاكات لم تحاسب عليها إسرائيل بالرغم أنها الدولة الوحيدة التي قامت بموجب قرار من الأمم المتحدة، قرار التقسيم رقم 181 لعام 1947.
إن فهم هذه المسألة، أو المعادلة المعقدة يصبح بسيطا عندما ندرك أن المشروع الصهيوني من أساسه كان استعماريا ودعمته الدول الاستعمارية.. مشروع يستولي على أرض شعب آخر، الشعب صاحب الأرض، ولهذا سيظل العالم يدفع ثمن انهيار منظومة القانون الدولي وعدم احترامه بتكرار حدوث الحروب والأزمات.
{ كاتب من فلسطين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك