بعد أن تضع الحرب على إيران أوزارها، سيواجه الاقتصاد العالمي اختباراً استراتيجياً حاسماً يتمثل في كيفية تعزيز مرونة إمدادات الطاقة وتطوير آليات إدارة المخاطر الجيوسياسية بعد أن كشفت تلك الحرب خطورة الاعتماد الكبير على مضيق هرمز، الذى يمر عبره نحو 25% من احتياجات العالم من البترول وما يقرب من 20% من الغاز الطبيعي المسال، فضلاً عن كونه مساراً حيوياً لمكونات صناعات استراتيجية متنوعة، تشمل الذكاء الاصطناعي والغذاء والبتروكيماويات والصناعات الثقيلة، فالتركيز المكثف على ممر ضيق يجعل تدفقات الطاقة العالمية عرضة لتقلبات حادة نتيجة الصراعات العسكرية أو التوترات السياسية أو أي اضطراب في الاستقرار الإقليمي، مما يضع الأسواق العالمية أمام مخاطر هائلة ويؤكد الحاجة الملحة إلى إعادة التفكير في تطوير استراتيجية أمن الطاقة العالمي.
في هذا الإطار، أصبح التحول نحو شبكة نقل متعددة المسارات ضرورة استراتيجية لا غنى عنها، فالأمر لا يقتصر على توفير طرق إضافية لنقل الطاقة فحسب، بل يمتد ليشمل إعادة توزيع المخاطر وتعزيز القدرة على المناورة الاقتصادية والأمنية في مواجهة أي اضطراب مستقبلي.
ومن هذا المنطلق، فإن صياغة سياسات نقل وتصدير مرنة، مدعومة ببنية تحتية متنوعة، تُعد شرطاً استراتيجياً لضمان استدامة إمدادات البترول والغاز وغيرهما من المدخلات الحيوية للصناعات الاستراتيجية بعد الحرب. هذه الاستراتيجية تحوّل الهشاشة الحالية في شبكة الطاقة العالمية إلى نظام أكثر مرونة وصلابة، قادر على التكيف بسرعة مع الصدمات غير المتوقعة، بما يعزز الأمن الاقتصادي العالمي ويحد من تعرض الأسواق لتقلبات مفاجئة وحادة.
ويُعد خط الأنابيب الذي يربط حقول البترول في شرق السعودية بميناء ينبع على البحر الأحمر أحد أبرز المسارات الاستراتيجية، إذ يوفر هذا الخط مساراً آمناً لتصدير البترول ويمنح مرونة كبيرة في توجيه الصادرات نحو الأسواق الأوروبية والأمريكية عبر البحر الأحمر وقناة السويس، ومن منظور استراتيجي، يمثل هذا الخط ركناً أساسياً لتقليل اعتماد الأسواق على مضيق هرمز، ويتيح لدول المنطقة التكيف بسرعة مع أي اضطرابات سياسية أو أمنية مفاجئة، مع تقليل المخاطر التأمينية وتسريع زمن النقل. كما يمكن تعزيز فعالية هذا المسار عبر زيادة الطاقة الاستيعابية للخط، والتي يمكن أن تصل إلى 7ملايين برميل يوميا وربما تطوير خطوط موازية لنقل الغاز، ما يزيد قدرة المنطقة على ضبط تدفق الإمدادات وفق المتغيرات الجيوسياسية وضمان استقرار الأسواق.
في السياق ذاته، يمكن لخط سوميد أن يلعب دوراً محورياً ضمن هذه الشبكة الاستراتيجية، إذ ينقل البترول من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط مروراً بمصر، ليشكل حلقة استراتيجية تربط الخليج بأوروبا. ويُنظر إلى خط سوميد كعنصر استقرار محوري للمنطقة، حيث يعزز قدرة مصر على ضمان استقرار تدفق الطاقة من الشرق إلى الغرب، ويتيح لها تقديم خدمات متكاملة تشمل التخزين والتكرير وإعادة التصدير، وتظل قناة السويس ممرّاً حيوياً للتجارة العالمية، ما يضاعف قيمة شبكة النقل ويمنحها مرونة أكبر أمام أي تهديد محتمل لتدفقات الطاقة، مع تأكيد أن مصر تمثل نقطة ارتكاز مركزية في منظومة الطاقة متعددة المسارات، وهو دور يعزز قدرتها على لعب دور استراتيجي في استقرار أسواق الطاقة العالمية.
ومن جهة أخرى، أنشأت الإمارات مساراً حيوياً خارج مضيق هرمز باتجاه بحر العرب وخليج عُمان، عبر خط أنابيب يربط حقول أبوظبي بميناء الفجيرة، هذا المسار يتيح إعادة توجيه الصادرات بسرعة عند أي أزمة ويقلل الاعتماد على ممر واحد، ما يعزز القدرة التشغيلية لدول الخليج على التحكم بالمرونة والتوزيع الجغرافي لتدفقات البترول والغاز، ويقلل تعرض الأسواق الدولية للصدمات، ويمنح المنطقة قدرة أكبر على مواجهة التوترات السياسية أو العسكرية.
أما السيناريو الأكثر طموحاً، فيتمثل في إقامة شبكة إقليمية عابرة للجزيرة العربية تربط دول الخليج المنتجة ضمن منظومة تكاملية. هذه الشبكة توفر أقصى درجات المرونة الاستراتيجية، إذ تسمح بإعادة توزيع التدفقات وفق الظروف الأمنية والاقتصادية، وتحول البنية التحتية للطاقة إلى أداة للأمن الجماعي الخليجي، بدلاً من كونها أداة وطنية لكل دولة. وعلى الرغم من التعقيدات المالية والسياسية، فإن الفوائد الاستراتيجية لهذا النظام تفوق تكلفته، إذ يعزز قدرة دول الخليج على التكيف مع أي صدمة مفاجئة في الأسواق العالمية للطاقة، ويحول المخاطر غير المتوقعة إلى فرص قابلة للإدارة.
كما يمكن تطوير مسار إضافي يمر عبر العراق وتركيا وصولاً إلى البحر المتوسط، ويتطلب تحديث خطوط الأنابيب القائمة لاستيعاب كميات إضافية من البترول، سواء من النفط العراقي أو الخليجي في حال ربط الشبكات مستقبلاً، ما يوفر منافذ إضافية بعيداً عن مضيق هرمز، ويزيد من القدرة على التحكم الاستراتيجي في الإمدادات وتقليل الاعتماد على مسارات محدودة.
ولا يقتصر تعزيز الشبكة على خطوط الأنابيب فقط، إذ يشكل النقل البحري عبر موانئ البحرين الأحمر والعربي خياراً تكميلياً، خصوصاً عند تطوير الموانئ لتصبح مراكز شحن رئيسية مدعومة ببنية تحتية متقدمة للتخزين وإعادة التصدير، إذ يمنح الجمع بين النقل البحري والأنابيب قدرة أكبر على المناورة الاستراتيجية ويقلل تعرض الإمدادات للمخاطر في المناطق المتوترة، ما يعزز استدامة أسواق الطاقة العالمية.
في المحصلة، نؤكد هنا أن العالم بحاجة إلى شبكة متكاملة لتدفقات الطاقة تعتمد على تعدد المسارات وتوزيع المخاطر، بما لا يجعل مضيق هرمز الخيار الحتمي الأساسي، وتشكل خطوطا حيوية مثل ينبع، قناة السويس، سوميد، والفجيرة والمسارات الأخرى العمود الفقري لهذه الشبكة، مع تحول التفكير من الاعتماد على ممرات ضيقة إلى بناء صلابة استراتيجية واقتصادية أكبر، وإدارة محسوبة للمخاطر في عالم أكثر تعقيداً وتنافساً. ويؤكد هذا التوجه أن تعزيز بدائل نقل الطاقة الإقليمية من شأنه إحباط أي مخططات يهدف إلى استبدال ثقل دول الخليج بالبترول والغاز الأمريكي في خريطة الطاقة العالمية.
{ كاتب ودبلوماسي سابق.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك