استمعت المحكمة العليا الأمريكية خلال الأيام القليلة الماضية إلى المرافعات الشفوية بشأن الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس دونالد ترامب لإنهاء حق المواطنة بالولادة للأطفال المولودين على الأراضي الأمريكية لأبوين مهاجرين غير شرعيين – وهو أوضح تعبير قانوني حتى الآن عن النظرة القومية المتطرفة التي تحرك الآن جزءًا كبيرًا من سياسة الهجرة للإدارة الأمريكية.
وعلى الرغم من أن الهجرة تميل إلى أن تكون مسألة سياسية داخلية، إلا أن هذه الرؤية العالمية ربما تم التعبير عنها بشكل أوضح هذا العام في خطاب السياسة الخارجية الذي يستحق اهتماماً متجدداً.
وأثناء الأيام التي تلت خطاب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في شهر فبراير الماضي أمام مؤتمر ميونيخ للأمن، كانت تحليلات الصحافة الأمريكية إيجابية للغاية.
وعلى عكس الرئيس دونالد ترامب ونائب الرئيس جيه دي فانس – اللذين ألقيا تصريحات أمام المنتديات الأوروبية باستخدام لغة مهينة أو قاسية مليئة بالتهديد – فقد تم الإشادة بوزير الخارجية ماركو روبيو لنبرته المحترمة التي خففت من مخاوف حلفاء أمريكا الأوروبيين.
سرعان ما تحوّل رد الفعل السطحي الأولي، الذي يُعدّ سمةً مميزةً لتقارير وسائل الإعلام الأمريكية السائدة، إلى تحليلات سياسية، حيث كشف المحللون السياسيون – بعد أن تجاوزوا تلك النبرة الأكثر هدوءًا التي تحدث بها ماركو روبيو – عن الأسس المقلقة للغاية لتصريحاته وتبرز بعض الاقتباسات من خطابه للتأمل فيها.
لا بد أن نشير أولا إلى هذه النظرة التي تجسد رؤية العالم للقومية المسيحية البيضاء المتطرفة. فقد قال ماركو روبيو للقادة الأوروبيين المجتمعين: «نحن جزء من حضارة واحدة – الحضارة الغربية».
«نحن مرتبطون ببعضنا البعض بأعمق الروابط التي يمكن أن تشترك فيها الأمم، والتي تشكلت عبر قرون من التاريخ المشترك، والإيمان المسيحي، والثقافة، والتراث، واللغة، والأصل، والتضحيات التي قدمها أسلافنا معًا من أجل الحضارة المشتركة التي ورثناها».
وأشار وزير الخارجية الأمريكي إلى أن هذه الحضارة التي يتحدث عنها استمرت فترة طويلة: «على مدى خمسة قرون، قبل نهاية الحرب العالمية الثانية، كان الغرب يتوسع - مبشروه، وحجاجه، وجنوده، ومستكشفوه يتدفقون من شواطئه لعبور المحيطات، واستيطان قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات شاسعة تمتد عبر العالم».
ومن وجهة نظر وزير الخارجية الأمريكي فإن هذه الحضارة التي يتحدث عنها في خطابه هي التي منحت العالم بأكمله «سيادة القانون والجامعات والثورة العلمية».
وأعرب عن أسفه لأنه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، اضطرت هذه الحضارة الغربية إلى مواجهة العديد من التحديات، والتي وصفها بأنها: الشيوعية؛ وما أسماه النظام العالمي القائم على قواعد «حمقاء»؛ والتجارة الحرة؛ والاتفاقيات الدولية لمعالجة أزمة المناخ؛ والهجرة.
اعتبر ماركو روبيو أيضا في ثنايا خطابه أن هذه القواعد «الحمقاء»؛ التي يقوم عليها النظام العالمي الجديد والتجارة الحرة، والاتفاقيات الدولية لمعالجة أزمة المناخ والهجرة تقوض السيادة الوطنية وتضعف قوة واستقلال الغرب في علاقته ببقية العالم.
لقد تحدث وزير الخارجية الأمريكي في كلمته تلك عما يعتبره خطراً تشكله كل من هذه التحديات، لكنه ركز اهتمامه الأكبر على «الهجرة الجماعية»، التي حذر من أنها «تهدد تماسك مجتمعاتنا، واستمرارية ثقافتنا، ومستقبل شعبنا».
لقد تطرقت التعليقات والتحليلات الصحفية المخصصة بإسهاب إلى تلك التصريحات التي صدرت عن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، إلا أن معظمها تجاهل ثلاثة جوانب مهمة إلى حد كبير.
وعلى الرغم من أن تصريحاته تلك كانت أقل تهديداً من تلك التي صدرت عن الرئيس ترامب ونائبه فانس، إلا أن آراءه كانت تفوح منها نفس رائحة القومية المسيحية البيضاء المتطرفة التي تبناها نائب الرئيس الأمريكي بحماس شديد، والتي يتشارك الرئيس ترامب في مبادئها الأساسية.
وفي الواقع، فقد كان وجه الاختلاف الوحيد بين ماركو روبيو من ناحية والرئيس ترامب ونائبه فانس من ناحية ثانية يكمن في لهجة الحديث والتكتيكات أيضا. فبينما كان الرئيس ترامب ونائبه فانس يتحدثان بتعالٍ مع القادة الأوروبيين، ويسخران منهم لضعفهم وتقاعسهم، سعى روبيو إلى إقناع الأوروبيين بأنه واحد منهم، وأن لديهم مصلحة مشتركة في العمل معًا للدفاع عن تراثهم المشترك.
ومن ناحية ثانية فإن إشارة روبيو إلى 500 عام من توسع الحضارة الغربية تنم عن جهلٍ مُقلق أو مُتعمّد بالتاريخ، إذا يمكن وصف عصور الاكتشافات والإمبراطورية في أوروبا بأنها عصور الغزو والاستغلال الإمبريالي.
لقد جاء الجزء الأكبر من تراكم الثروة في أوروبا نتيجة نهبها لموارد آسيا وإفريقيا والأمريكتين. ومن الغريب أن يستمر القوميون المسيحيون البيض في تجاهل ما تدين به أوروبا للحضارات الإسلامية والعربية والآسيوية، وغيرها، في الفنون والعلوم. لقد بُنيت إنجازات الغرب على ما ورثوه (أو سرقوه) من الشرق والجنوب.
كما يتجاهل هذا المنظور الغربي المتعالي للعالم الأثار المدمرة التي ترتبت على الغزو الاستعماري على ضحايا أوروبا وأمريكا. فالغرب الاستعماري هو الذي دمر أو شوه اقتصاداتهم، وحرمهم من التطور السياسي الطبيعي، وارتكب جرائم ضدهم شملت العبودية والإبادة الجماعية.
وخلال القرنين الماضيين ارتكبت الدول المنتمية إلى الحضارة الغربية مجازر شنيعة راح ضحيتها ما يقارب 100 مليون من أبناء شعوبها في حروبٍ خاضتها فيما بينها. وخلال الفترة نفسها، كان الأوروبيون والأمريكيون مسؤولين عن عدد مماثل من وفيات السكان الأصليين في البلدان التي غزوها وسيطروا عليها واستعمروها.
وكما ورد عن المهاتما غاندي قوله عندما سُئل عن رأيه في الحضارة الغربية: «يبدو الأمر فكرة جيدة، ينبغي عليهم تجربتها».
ختاما، لقد كان من المزعج سماع وزير الخارجية الأمريكية ماركو روبيو وهو يردد أفكارًا يتبناها الفاشيون الأوروبيون والأمريكيون، مفادها أن «هؤلاء» (أي المهاجرين) يهددون ثقافتنا. هذا كلام منافٍ للتاريخ وعنصري في آن واحد.
وعلى عكس ما يزعم ويُشاع، لم يُشكل المهاجرون تهديداً، بل إنهم أثروا تاريخياً الثقافات التي قدموا إليها. ويمكن للمرء أن يتساءل: «ماذا كان سيكون حال الطعام والأزياء والأدب والرياضة والفنون الأمريكية (أو البريطانية أو الفرنسية) وغيرها الكثير لولا مساهمات المهاجرين؟»
خلاصة القول، على الرغم من ردود الفعل الصحفية الأولية، كان خطاب وزير الخارجية الأمريكية ماركو روبيو معيبًا وخطيرًا، وكان ينبغي أن يُثير الاستياء من أبعاده، غير أن عدم التطرق إلى هذه الجوانب التي وردت في كلامه هو الذي يثير الكثير من الاستياء. إن عرض هذه الأفكار نفسها الآن أمام المحكمة العليا الأمريكية يُؤكد مدى انتشارها وتغلغلها في المشهد السياسي الأمريكي الجديد.
{ رئيس المعهد العربي الأمريكي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك