في تناوله لتاريخ التفاوت التقني في الحروب بين دول عظمي ودول صغري يقول عالم الاجتماع الفرنسي جاستون بوتول في كتابه العمدة «علم الحرب» :(La polémologie) «إن الأسلحة المسيطرة تدفع البنى السياسية باتجاه الدولة الوحيدة السيدة».
«ومع ذلك، يمكننا أن نتصور أيضًا أن هذه الحالة ليست سوي حالة انتقالية لفترة محددة، إذ يمكن جدًّا أن تعيد اختراعات جديدة في حقل التدمير إلى متناول أصغر دولة أسلحة رهيبة، هذه الأسلحة رغم أنها سهلة الصنع والاستعمال قد تسمح للدول الصغيرة بأن تقوم بردود عنيفة ضد المعتدين عليها جديرة بأن تعيدهم إلى صوابهم». هذا الوصف ينطبق تمامًا على ما تكشفه الأحداث في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران.
ولا ريب أننا لا نستطيع على وجه اليقين مشاهدة أحداث الحرب في تماس مباشر معها، بل ندركها في شكل تمثلات ينقلها إلينا الخطاب الإعلامي بحسب أيديولوجيته ومعتقداته وما يقترن به من لقطات مصورة منتقاة بعناية لبعض هذه الأحداث. لكننا إذا قمنا بتحليل خطب ترامب المتتابعة حول الحرب وما فيها من تناقضات، ينتابنا شعور أن ترامب يتحدث عن أوضاع أخرى لا وجود لها إلا في مخيلته!
كم من مرة شعرنا من خطبه أن الحرب أوشكت على نهايتها بعد أن أحالت الطائرات الأمريكية والإسرائيلية البنى التحتية الحيوية لإيران إلى تراب تذروه الرياح، وأن هذه الحرب قد حققت أهدافها التي فيما يبدو لم يعد يتذكرها، وحار المحللون في تحديدها. وعندما نتابع سيرورة الحرب عبر القنوات الإعلامية والصحف يساورنا شعور بأن رئيس الدولة العظمى ربما يتعرض لاستشارات مضللة لا تنقل إليه الحقائق بدقة.
وثمة محللون يرون أن الحرب الإيرانية لا تزال تأثيراتها في البدايات، والامر سيكون خطيرا لو أدت الى نشوب حرب عالمية بسبب تداعياتها الكارثية على الاقتصاد العالمي.
والواقع أن هذه الحرب بخلاف أبعادها السياسية والعسكرية تحمل في طياتها دلالات متنوعة على جميع الصعد؛ فمن ناحية فقهية يؤيد الأصوليون الإنجيليون في أمريكا الحرب على إيران إذ يرى فقهاؤهم أن مفهوم الدفاع الشرعي في القانون الذي تستخدمه إسرائيل دائمًا في كل عدوان غاشم تطلقه على الدول المجاورة ينبغي أن يتسع مداه ليبيح لمن يستخدمه حق الاعتداء الاستباقي على الغير الذي يستشعر منه خطرًا محتملًا. وهو ما يعطي لإسرائيل حق الاعتداء على الدول العربية قاطبة استنادًا إلى أن الشعوب العربية في مجملها تكره الوجود الإسرائيلي في قلب الأمة العربية بسبب سياساتها العدائية.
يضاف إلى ذلك أن مجرد شن الحرب على دولة وضربها بالقنابل في خضم المفاوضات الدبلوماسية التي انعقدت أصلًا للحيلولة دون نشوبها بل وفي اللحظة التي كادت تمنع حدوثها تمامًا باتفاق سلمي بين الأطراف يعد دليلًا قاطعًا على سوء نية الدولة التي تدعي مشروعية عدوانها باسم الدفاع الشرعي الاستباقي.
وبخلاف هذه الأبعاد القانونية للحرب ثمة بعد فلسفي لا ينبغي غض النظر عنه؛ ففي هذه الحرب تتكشف لنا الأصولية في سيطرتها على عقلية الجماهير وتوجيه سلوكها باسم الدفاع عن العقيدة الدينية سواء بالنسبة إلى إيران أو إسرائيل والولايات المتحدة. فبالرغم مما يعانيه الشعب الإيراني من عسف الحكم الأصولي تراه موقنًا أن الحكم الأصولي مهما بلغ في قسوته يتوافق مع معتقداته الأصولية.
ولا عجب أن يصير الدين في أيدي الحكام الأصوليين أداة مضمونة نافذة تمكنهم من التلاعب بعقلية الجماهير والتحكم في سلوكها. وكثيرًا ما يستخدمه الحكام لإخفاء مآربهم النفعية كما يفعل ترامب ونتنياهو. فالأول يواجه أزمات داخلية وأخطرها قضية «أبستين» وربما اعتقد ان حربه على إيران قد تسهم في نسيان شعبه تلك القضية وتقوية مركزه الانتخابي في التجديد النصفي.
وبالنسبة إلى نتنياهو فهو بجانب ضلوعه في قضايا فساد كفيلة بالإطاحة به وتلطيخ سمعته بالعار والفضيحة لا يكترث البتة بأي عقيدة دينية أو أخلاقية، لكن من مصلحته أن يبدو لشعبه مدافعًا لا يلين باسم الأصولية اليهودية متطلعا إلى نيل عفو رئاسي يخلصه من القضايا المرفوعة أمامه في الداخل الإسرائيلي.
{ أستاذ فلسفة اللغة والأدب الفرنسي
بكلية الآداب - جامعة حلوان

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك