العدد : ١٧٥٥١ - الأحد ١٢ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٥١ - الأحد ١٢ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ شوّال ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

انعكاسات الحرب على الأطراف المتصارعة

بقلم: د. عصام عبدالفتاح

الأحد ١٢ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬تناوله‭ ‬لتاريخ‭ ‬التفاوت‭ ‬التقني‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬عظمي‭ ‬ودول‭ ‬صغري‭ ‬يقول‭ ‬عالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬الفرنسي‭ ‬جاستون‭ ‬بوتول‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬العمدة‭ ‬‮«‬علم‭ ‬الحرب‮»‬‭ :(‬La‭ ‬polémologie‭) ‬‮«‬إن‭ ‬الأسلحة‭ ‬المسيطرة‭ ‬تدفع‭ ‬البنى‭ ‬السياسية‭ ‬باتجاه‭ ‬الدولة‭ ‬الوحيدة‭ ‬السيدة‮»‬‭.‬

‮«‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نتصور‭ ‬أيضًا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬ليست‭ ‬سوي‭ ‬حالة‭ ‬انتقالية‭ ‬لفترة‭ ‬محددة،‭ ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬جدًّا‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬اختراعات‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬حقل‭ ‬التدمير‭ ‬إلى‭ ‬متناول‭ ‬أصغر‭ ‬دولة‭ ‬أسلحة‭ ‬رهيبة،‭ ‬هذه‭ ‬الأسلحة‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬سهلة‭ ‬الصنع‭ ‬والاستعمال‭ ‬قد‭ ‬تسمح‭ ‬للدول‭ ‬الصغيرة‭ ‬بأن‭ ‬تقوم‭ ‬بردود‭ ‬عنيفة‭ ‬ضد‭ ‬المعتدين‭ ‬عليها‭ ‬جديرة‭ ‬بأن‭ ‬تعيدهم‭ ‬إلى‭ ‬صوابهم‮»‬‭. ‬هذا‭ ‬الوصف‭ ‬ينطبق‭ ‬تمامًا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تكشفه‭ ‬الأحداث‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الدائرة‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل‭ ‬مع‭ ‬إيران‭.‬

ولا‭ ‬ريب‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬اليقين‭ ‬مشاهدة‭ ‬أحداث‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬تماس‭ ‬مباشر‭ ‬معها،‭ ‬بل‭ ‬ندركها‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬تمثلات‭ ‬ينقلها‭ ‬إلينا‭ ‬الخطاب‭ ‬الإعلامي‭ ‬بحسب‭ ‬أيديولوجيته‭ ‬ومعتقداته‭ ‬وما‭ ‬يقترن‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬لقطات‭ ‬مصورة‭ ‬منتقاة‭ ‬بعناية‭ ‬لبعض‭ ‬هذه‭ ‬الأحداث‭. ‬لكننا‭ ‬إذا‭ ‬قمنا‭ ‬بتحليل‭ ‬خطب‭ ‬ترامب‭ ‬المتتابعة‭ ‬حول‭ ‬الحرب‭ ‬وما‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬تناقضات،‭ ‬ينتابنا‭ ‬شعور‭ ‬أن‭ ‬ترامب‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬أوضاع‭ ‬أخرى‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬لها‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬مخيلته‭!‬

كم‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬شعرنا‭ ‬من‭ ‬خطبه‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬أوشكت‭ ‬على‭ ‬نهايتها‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أحالت‭ ‬الطائرات‭ ‬الأمريكية‭ ‬والإسرائيلية‭ ‬البنى‭ ‬التحتية‭ ‬الحيوية‭ ‬لإيران‭ ‬إلى‭ ‬تراب‭ ‬تذروه‭ ‬الرياح،‭ ‬وأن‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬قد‭ ‬حققت‭ ‬أهدافها‭ ‬التي‭ ‬فيما‭ ‬يبدو‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يتذكرها،‭ ‬وحار‭ ‬المحللون‭ ‬في‭ ‬تحديدها‭. ‬وعندما‭ ‬نتابع‭ ‬سيرورة‭ ‬الحرب‭ ‬عبر‭ ‬القنوات‭ ‬الإعلامية‭ ‬والصحف‭ ‬يساورنا‭ ‬شعور‭ ‬بأن‭ ‬رئيس‭ ‬الدولة‭ ‬العظمى‭ ‬ربما‭ ‬يتعرض‭ ‬لاستشارات‭ ‬مضللة‭ ‬لا‭ ‬تنقل‭ ‬إليه‭ ‬الحقائق‭ ‬بدقة‭.‬

وثمة‭ ‬محللون‭ ‬يرون‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬الإيرانية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تأثيراتها‭ ‬في‭ ‬البدايات،‭ ‬والامر‭ ‬سيكون‭ ‬خطيرا‭ ‬لو‭ ‬أدت‭ ‬الى‭ ‬نشوب‭ ‬حرب‭ ‬عالمية‭ ‬بسبب‭ ‬تداعياتها‭ ‬الكارثية‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭. ‬

والواقع‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬بخلاف‭ ‬أبعادها‭ ‬السياسية‭ ‬والعسكرية‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬طياتها‭ ‬دلالات‭ ‬متنوعة‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬الصعد؛‭ ‬فمن‭ ‬ناحية‭ ‬فقهية‭ ‬يؤيد‭ ‬الأصوليون‭ ‬الإنجيليون‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬إذ‭ ‬يرى‭ ‬فقهاؤهم‭ ‬أن‭ ‬مفهوم‭ ‬الدفاع‭ ‬الشرعي‭ ‬في‭ ‬القانون‭ ‬الذي‭ ‬تستخدمه‭ ‬إسرائيل‭ ‬دائمًا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬عدوان‭ ‬غاشم‭ ‬تطلقه‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬المجاورة‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يتسع‭ ‬مداه‭ ‬ليبيح‭ ‬لمن‭ ‬يستخدمه‭ ‬حق‭ ‬الاعتداء‭ ‬الاستباقي‭ ‬على‭ ‬الغير‭ ‬الذي‭ ‬يستشعر‭ ‬منه‭ ‬خطرًا‭ ‬محتملًا‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعطي‭ ‬لإسرائيل‭ ‬حق‭ ‬الاعتداء‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬قاطبة‭ ‬استنادًا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬مجملها‭ ‬تكره‭ ‬الوجود‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الأمة‭ ‬العربية‭ ‬بسبب‭ ‬سياساتها‭ ‬العدائية‭.‬

‭ ‬يضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬مجرد‭ ‬شن‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬دولة‭ ‬وضربها‭ ‬بالقنابل‭ ‬في‭ ‬خضم‭ ‬المفاوضات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬التي‭ ‬انعقدت‭ ‬أصلًا‭ ‬للحيلولة‭ ‬دون‭ ‬نشوبها‭ ‬بل‭ ‬وفي‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬كادت‭ ‬تمنع‭ ‬حدوثها‭ ‬تمامًا‭ ‬باتفاق‭ ‬سلمي‭ ‬بين‭ ‬الأطراف‭ ‬يعد‭ ‬دليلًا‭ ‬قاطعًا‭ ‬على‭ ‬سوء‭ ‬نية‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬تدعي‭ ‬مشروعية‭ ‬عدوانها‭ ‬باسم‭ ‬الدفاع‭ ‬الشرعي‭ ‬الاستباقي‭.‬

وبخلاف‭ ‬هذه‭ ‬الأبعاد‭ ‬القانونية‭ ‬للحرب‭ ‬ثمة‭ ‬بعد‭ ‬فلسفي‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬غض‭ ‬النظر‭ ‬عنه؛‭ ‬ففي‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬تتكشف‭ ‬لنا‭ ‬الأصولية‭ ‬في‭ ‬سيطرتها‭ ‬على‭ ‬عقلية‭ ‬الجماهير‭ ‬وتوجيه‭ ‬سلوكها‭ ‬باسم‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬العقيدة‭ ‬الدينية‭ ‬سواء‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬إيران‭ ‬أو‭ ‬إسرائيل‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬فبالرغم‭ ‬مما‭ ‬يعانيه‭ ‬الشعب‭ ‬الإيراني‭ ‬من‭ ‬عسف‭ ‬الحكم‭ ‬الأصولي‭ ‬تراه‭ ‬موقنًا‭ ‬أن‭ ‬الحكم‭ ‬الأصولي‭ ‬مهما‭ ‬بلغ‭ ‬في‭ ‬قسوته‭ ‬يتوافق‭ ‬مع‭ ‬معتقداته‭ ‬الأصولية‭.‬

ولا‭ ‬عجب‭ ‬أن‭ ‬يصير‭ ‬الدين‭ ‬في‭ ‬أيدي‭ ‬الحكام‭ ‬الأصوليين‭ ‬أداة‭ ‬مضمونة‭ ‬نافذة‭ ‬تمكنهم‭ ‬من‭ ‬التلاعب‭ ‬بعقلية‭ ‬الجماهير‭ ‬والتحكم‭ ‬في‭ ‬سلوكها‭. ‬وكثيرًا‭ ‬ما‭ ‬يستخدمه‭ ‬الحكام‭ ‬لإخفاء‭ ‬مآربهم‭ ‬النفعية‭ ‬كما‭ ‬يفعل‭ ‬ترامب‭ ‬ونتنياهو‭. ‬فالأول‭ ‬يواجه‭ ‬أزمات‭ ‬داخلية‭ ‬وأخطرها‭ ‬قضية‭ ‬‮«‬أبستين‮»‬‭ ‬وربما‭ ‬اعتقد‭ ‬ان‭ ‬حربه‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬قد‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬نسيان‭ ‬شعبه‭ ‬تلك‭ ‬القضية‭ ‬وتقوية‭ ‬مركزه‭ ‬الانتخابي‭ ‬في‭ ‬التجديد‭ ‬النصفي‭.‬

وبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬نتنياهو‭ ‬فهو‭ ‬بجانب‭ ‬ضلوعه‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬فساد‭ ‬كفيلة‭ ‬بالإطاحة‭ ‬به‭ ‬وتلطيخ‭ ‬سمعته‭ ‬بالعار‭ ‬والفضيحة‭ ‬لا‭ ‬يكترث‭ ‬البتة‭ ‬بأي‭ ‬عقيدة‭ ‬دينية‭ ‬أو‭ ‬أخلاقية،‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬مصلحته‭ ‬أن‭ ‬يبدو‭ ‬لشعبه‭ ‬مدافعًا‭ ‬لا‭ ‬يلين‭ ‬باسم‭ ‬الأصولية‭ ‬اليهودية‭ ‬متطلعا‭ ‬إلى‭ ‬نيل‭ ‬عفو‭ ‬رئاسي‭ ‬يخلصه‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬المرفوعة‭ ‬أمامه‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬الإسرائيلي‭.‬

 

{ أستاذ‭ ‬فلسفة‭ ‬اللغة‭ ‬والأدب‭ ‬الفرنسي

‭ ‬بكلية‭ ‬الآداب‭ - ‬جامعة‭ ‬حلوان

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا