العدد : ١٧٥٥٠ - السبت ١١ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٥٠ - السبت ١١ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ شوّال ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

حرب صعبة هزت وجه العالم

بقلم: معين الطاهر

السبت ١١ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

عنوان‭ ‬المقال‭ ‬مستوحى‭ ‬من‭ ‬كتاب‭ ‬جون‭ ‬ريد‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬عشرة‭ ‬أيّام‭ ‬هزّت‭ ‬العالم‮»‬،‭ ‬نقلته‭ ‬إلى‭ ‬العربية‭ ‬دور‭ ‬نشر‭ ‬مختلفة،‭ ‬أبرزها‭ ‬ترجمة‭ ‬فوّاز‭ ‬طرابلسي‭ (‬دار‭ ‬المتوسّط،‭ ‬ميلانو،‭ ‬2019‭)‬،‭ ‬يسرد‭ ‬فيها‭ ‬الكاتب‭ ‬حكاية‭ ‬الثورة‭ ‬البلشفية‭ ‬في‭ ‬روسيا‭ (‬أكتوبر1917‭) ‬التي‭ ‬غيّرت‭ ‬وجه‭ ‬العالم،‭ ‬بعد‭ ‬انتصارها‭ ‬وتأسيس‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي،‭ ‬ودام‭ ‬تأثيرها‭ ‬عقوداً،‭ ‬ومازالت‭ ‬أصداء‭ ‬تداعياتها‭ ‬الفكرية‭ ‬والسياسية‭ ‬والجغرافية‭ ‬تتردد‭ ‬في‭ ‬بقاع‭ ‬مختلفة‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الأيام‭ ‬العشرة‭ ‬التي‭ ‬تحدّث‭ ‬عنها‭ ‬جون‭ ‬ريد‭ ‬بداية‭ ‬التغيير‭ ‬ولا‭ ‬نهايته،‭ ‬لكنها‭ ‬كانت‭ ‬أياماً‭ ‬مفصليّة‭ ‬أسّست‭ ‬لما‭ ‬بعدها‭.‬

تُظهر‭ ‬تغريدات‭ ‬ترامب‭ ‬اليومية‭ ‬تناقضات‭ ‬في‭ ‬مضمونها،‭ ‬وارتباكاً‭ ‬واضحاً‭ ‬في‭ ‬أهداف‭ ‬الحرب‭ ‬وإمكانات‭ ‬تحقيقها؛‭ ‬يهدّد‭ ‬إيران‭ ‬بالويل‭ ‬والثبور،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تفتح‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬فوراً‭ ‬أمام‭ ‬الملاحة‭ ‬الدولية،‭ ‬لكنّه‭ ‬يعلن‭ ‬عدم‭ ‬اهتمامه‭ ‬به،‭ ‬فالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لا‭ ‬تستورد‭ ‬النفط‭ ‬عبره،‭ ‬وعلى‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬نفط‭ ‬الخليج‭ ‬أن‭ ‬تسعى‭ ‬هي‭ ‬لفتحه،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬تشتري‭ ‬نفطها‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬ويُبدي‭ ‬غضبه‭ ‬عليها‭ ‬لعدم‭ ‬انضمامها‭ ‬إلى‭ ‬حربه،‭ ‬مهدّداً‭ ‬بالانسحاب‭ ‬من‭ ‬حلف‭ ‬شمال‭ ‬الأطلسي‭ (‬الناتو‭).‬

يهدّد‭ ‬ترامب‭ ‬بحرب‭ ‬برية‭ ‬لمصادرة‭ ‬اليورانيوم‭ ‬المخصّب،‭ ‬ثم‭ ‬يعلن‭ ‬أنه‭ ‬دُفن‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬الأرض‭ ‬بفعل‭ ‬الضربات‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬الاثني‭ ‬عشر‭ ‬يوماً،‭ ‬وتكفي‭ ‬مراقبته‭ ‬بواسطة‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية‭. ‬يكرّر‭ ‬الحديث‭ ‬حول‭ ‬تدمير‭ ‬إيران‭ ‬بالكامل،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬حقّقت‭ ‬أهدافها،‭ ‬لكنه‭ ‬سيستمرّ‭ ‬فيها‭.‬

جملة‭ ‬واحدة‭ ‬صدق‭ ‬بها‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬تبرير‭ ‬الحرب،‭ ‬قال‭ ‬إنه‭ ‬‮«‬موجود‭ ‬لمساعدة‭ ‬الحلفاء‮»‬،‭ ‬فلم‭ ‬تعد‭ ‬أسباب‭ ‬الحرب‭ ‬تدمير‭ ‬القدرات‭ ‬النووية‭ ‬التي‭ ‬دُمّرت،‭ ‬أو‭ ‬الصواريخ‭ ‬الباليستية‭ ‬والقدرات‭ ‬العسكرية‭ ‬التي‭ ‬ادّعى‭ ‬إنهاءها‭ ‬مراراً‭ ‬وتكراراً،‭ ‬أو‭ ‬حماية‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬صواريخ‭ ‬عابرة‭ ‬للقارات،‭ ‬السبب‭ ‬الحقيقي‭ ‬لدخول‭ ‬الحرب‭ ‬مساعدة‭ ‬الحلفاء،‭ ‬لكن‭ ‬أي‭ ‬حلفاء‭ ‬هم‭ ‬الذين‭ ‬يساعدهم؟‭ ‬يعترف‭ ‬ترامب‭ ‬بأنّ‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬‮«‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬بالحرب‮»‬،‭ ‬ويستشهد‭ ‬بذلك‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬استنكاره‭ ‬استهدافات‭ ‬إيران‭ ‬لها‭.‬

إذن‭ ‬الحليف‭ ‬واضح؛‭ ‬إسرائيل‭ ‬التي‭ ‬قال‭ ‬ترامب‭ ‬إنها‭ ‬لولا‭ ‬سياساته‭ ‬لكانت‭ ‬قد‭ ‬أُبيدت،‭ ‬وحليفه‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬لعله‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬يدرك‭ ‬أهدافه‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحرب،‭ ‬ويسعى‭ ‬جاهدا‭ ‬لاستمرار‭ ‬انغماسِ‭ ‬ترامب‭ ‬فيها،‭ ‬وقد‭ ‬مضى‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬أشواطاً‭ ‬طويلة،‭ ‬حتى‭ ‬بات‭ ‬كثيرون‭ ‬من‭ ‬أنصار‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬يحتجون‭ ‬بأن‭ ‬إسرائيل‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬‮«‬أولاً‮»‬‭ ‬وليست‭ ‬أمريكا،‭ ‬وفق‭ ‬شعار‭ ‬ترامب‭ ‬الشهير‭.‬

انتهت‭ ‬المهلة‭ ‬التي‭ ‬حدّدها‭ ‬ترامب‭ ‬لإيران‭ ‬لفتح‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬قد‭ ‬انتهت‭ ‬وسط‭ ‬محاولات‭ ‬باكستانية‭ - ‬خليجية‭ - ‬مصرية‭ ‬لتحقيق‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬14‭ ‬يوماً،‭ ‬تتخلّلها‭ ‬مفاوضات‭ ‬لحلّ‭ ‬المشكلات‭ ‬العالقة‭. ‬لم‭ ‬يتحدّث‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬مهلته‭ ‬عن‭ ‬وقف‭ ‬للحرب،‭ ‬بل‭ ‬عاد‭ ‬إلى‭ ‬مسألة‭ ‬فتح‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬الذي‭ ‬أُغلق‭ ‬بعد‭ ‬نشوب‭ ‬الحرب،‭ ‬مهدداً‭ ‬بتدمير‭ ‬‮«‬محطات‭ ‬الطاقة‭ ‬وتوليد‭ ‬الكهرباء‭ ‬وآبار‭ ‬النفط‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬ساعة‭ ‬واحدة‮»‬،‭ ‬وكل‭ ‬ذلك‭ ‬قبل‭ ‬إعلان‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬لوقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭.‬

الخطة‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬واضحة،‭ ‬وتمارسها‭ ‬طهران‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬بمحاولة‭ ‬فرض‭ ‬التحكّم‭ ‬بمضيق‭ ‬هرمز‭ ‬ومصادر‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬بهدف‭ ‬حمل‭ ‬دولها‭ ‬والدول‭ ‬المستهلكة‭ ‬للنفط‭ ‬والغاز‭ ‬على‭ ‬ممارسة‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لوقف‭ ‬الحرب‭. ‬من‭ ‬جانبه‭ ‬يدرك‭ ‬نتنياهو‭ ‬أنّ‭ ‬الضربات‭ ‬الإيرانية‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬تخدم‭ ‬هدفه‭ ‬الرئيس‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الإقليم‭ ‬ورسم‭ ‬خرائطه‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬الجديدة‭.‬

ذلك‭ ‬أن‭ ‬تدمير‭ ‬قدرات‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬ناقة‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬ولا‭ ‬جمل‭ ‬يُضعف‭ ‬العرب‭ ‬كلّهم،‭ ‬ويضرّ‭ ‬بعلاقات‭ ‬التعاون‭ ‬وحُسن‭ ‬الجوار،‭ ‬كما‭ ‬يُضعف‭ ‬قدرة‭ ‬النظام‭ ‬العربي‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬مخطّطات‭ ‬نتنياهو،‭ ‬ويسهم‭ ‬في‭ ‬تفكّكه‭ ‬وإفقاده‭ ‬مصادر‭ ‬قوته‭ ‬المالية‭ ‬ودوائر‭ ‬تأثيره،‭ ‬ولعلّ‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬هدف‭ ‬الحرب‭ ‬الأهم‭ ‬لدى‭ ‬نتنياهو‭ ‬والحكومة‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬وستسعى‭ ‬إلى‭ ‬استمرار‭ ‬تأجيج‭ ‬نار‭ ‬الحرب‭ ‬واستئنافها‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬ذاتها،‭ ‬وفي‭ ‬مناطق‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬الإقليم‭.‬

تمرّ‭ ‬منطقتنا‭ ‬بأسرها‭ ‬بظروف‭ ‬صعبة‭ ‬وقاسية،‭ ‬تؤثّر‭ ‬في‭ ‬شعوبها‭ ‬وأنظمتها،‭ ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬توقّف‭ ‬الحرب‭ ‬سيختلف‭ ‬المراقبون‭ ‬على‭ ‬المنتصر‭ ‬والمهزوم،‭ ‬إلا‭ ‬أنّ‭ ‬نتائج‭ ‬الحروب‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬بحجم‭ ‬الدمار‭ ‬المتحقق‭ ‬فيها،‭ ‬ولا‭ ‬بتداعياتها‭ ‬المباشرة،‭ ‬وإنما‭ ‬بآثارها‭ ‬على‭ ‬المديين‭ ‬المتوسط‭ ‬والطويل‭.‬

وحسبنا‭ ‬أن‭ ‬نراقب‭ ‬سلوك‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭ ‬وتطوّر‭ ‬حاجتها‭ ‬إلى‭ ‬محور‭ ‬عربي‭ ‬إسلامي‭ ‬يعزّز‭ ‬قوتها،‭ ‬ويقف‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬أطماع‭ ‬نتنياهو‭.‬

ونتلمس‭ ‬تأثيرات‭ ‬الحرب‭ ‬وتداعياتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم،‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬آثار‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬البترودولار،‭ ‬وارتفاع‭ ‬مستويات‭ ‬التضخّم‭. ‬ونشاهد‭ ‬الخلاف‭ ‬الأوروبي‭-‬الأمريكي‭ ‬والتهديد‭ ‬بانسحاب‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬حلف‭ ‬الناتو،‭ ‬والمدى‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬إليه،‭ ‬والتوجّه‭ ‬الأوروبي‭ ‬للابتعاد‭ ‬عن‭ ‬السياسات‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وخوف‭ ‬الشعوب‭ ‬من‭ ‬فقدان‭ ‬الضمير‭ ‬العالمي،‭ ‬وتراجع‭ ‬معايير‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬والالتزام‭ ‬بالقانون‭ ‬الدولي‭.‬

وهناك‭ ‬ترقب‭ ‬لموقف‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬واضحاً‭ ‬في‭ ‬استخدامهما‭ ‬حق‭ ‬النقض‭ (‬الفيتو‭) ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬واتجاهاتهما‭ ‬المستقبلية‭. ‬ومن‭ ‬المهم‭ ‬تكريس‭ ‬الصورة‭ ‬السلبية‭ ‬للكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬التي‭ ‬تشكّلت‭ ‬بعد‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬في‭ ‬فلسطين،‭ ‬والتوجّه‭ ‬نحو‭ ‬فرض‭ ‬عقوبات‭ ‬عليه‭ ‬وعزله،‭ ‬باعتباره‭ ‬دولة‭ ‬أبارتهايد‭ ‬وفصل‭ ‬عنصري‭. ‬وهنا‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬التحوّلات‭ ‬داخل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وتحديداً‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬الشباب،‭ ‬ولعلّنا‭ ‬لا‭ ‬نبالغ‭ ‬إذا‭ ‬قلنا‭ ‬إنّ‭ ‬مصير‭ ‬ترامب‭ ‬ذاته‭ ‬ونتنياهو،‭ ‬ووجه‭ ‬العالم‭ ‬بأسره،‭ ‬سيهتزّ‭ ‬نتيجة‭ ‬لهذه‭ ‬الحرب‭.‬

 

{ كاتب‭ ‬وسياسي‭ ‬فلسطيني‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا