عنوان المقال مستوحى من كتاب جون ريد بعنوان «عشرة أيّام هزّت العالم»، نقلته إلى العربية دور نشر مختلفة، أبرزها ترجمة فوّاز طرابلسي (دار المتوسّط، ميلانو، 2019)، يسرد فيها الكاتب حكاية الثورة البلشفية في روسيا (أكتوبر1917) التي غيّرت وجه العالم، بعد انتصارها وتأسيس الاتحاد السوفيتي، ودام تأثيرها عقوداً، ومازالت أصداء تداعياتها الفكرية والسياسية والجغرافية تتردد في بقاع مختلفة. لم تكن الأيام العشرة التي تحدّث عنها جون ريد بداية التغيير ولا نهايته، لكنها كانت أياماً مفصليّة أسّست لما بعدها.
تُظهر تغريدات ترامب اليومية تناقضات في مضمونها، وارتباكاً واضحاً في أهداف الحرب وإمكانات تحقيقها؛ يهدّد إيران بالويل والثبور، إن لم تفتح مضيق هرمز فوراً أمام الملاحة الدولية، لكنّه يعلن عدم اهتمامه به، فالولايات المتحدة لا تستورد النفط عبره، وعلى الدول الأوروبية التي تعتمد على نفط الخليج أن تسعى هي لفتحه، أو أن تشتري نفطها من الولايات المتحدة، ويُبدي غضبه عليها لعدم انضمامها إلى حربه، مهدّداً بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي (الناتو).
يهدّد ترامب بحرب برية لمصادرة اليورانيوم المخصّب، ثم يعلن أنه دُفن في أعماق الأرض بفعل الضربات الأمريكية في حرب الاثني عشر يوماً، وتكفي مراقبته بواسطة الأقمار الصناعية. يكرّر الحديث حول تدمير إيران بالكامل، على الرغم من أن الحرب حقّقت أهدافها، لكنه سيستمرّ فيها.
جملة واحدة صدق بها دونالد ترامب، في إطار تبرير الحرب، قال إنه «موجود لمساعدة الحلفاء»، فلم تعد أسباب الحرب تدمير القدرات النووية التي دُمّرت، أو الصواريخ الباليستية والقدرات العسكرية التي ادّعى إنهاءها مراراً وتكراراً، أو حماية الولايات المتحدة من صواريخ عابرة للقارات، السبب الحقيقي لدخول الحرب مساعدة الحلفاء، لكن أي حلفاء هم الذين يساعدهم؟ يعترف ترامب بأنّ دول الخليج العربي «لا علاقة لها بالحرب»، ويستشهد بذلك في نطاق استنكاره استهدافات إيران لها.
إذن الحليف واضح؛ إسرائيل التي قال ترامب إنها لولا سياساته لكانت قد أُبيدت، وحليفه بنيامين نتنياهو لعله الوحيد الذي يدرك أهدافه في هذه الحرب، ويسعى جاهدا لاستمرار انغماسِ ترامب فيها، وقد مضى في هذا أشواطاً طويلة، حتى بات كثيرون من أنصار ترامب في الولايات المتحدة يحتجون بأن إسرائيل هي التي باتت «أولاً» وليست أمريكا، وفق شعار ترامب الشهير.
انتهت المهلة التي حدّدها ترامب لإيران لفتح مضيق هرمز، قد انتهت وسط محاولات باكستانية - خليجية - مصرية لتحقيق وقف إطلاق النار 14 يوماً، تتخلّلها مفاوضات لحلّ المشكلات العالقة. لم يتحدّث ترامب في مهلته عن وقف للحرب، بل عاد إلى مسألة فتح مضيق هرمز الذي أُغلق بعد نشوب الحرب، مهدداً بتدمير «محطات الطاقة وتوليد الكهرباء وآبار النفط الإيرانية في ساعة واحدة»، وكل ذلك قبل إعلان التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.
الخطة الإيرانية في هذه الحرب واضحة، وتمارسها طهران منذ البداية بمحاولة فرض التحكّم بمضيق هرمز ومصادر الطاقة في المنطقة، بهدف حمل دولها والدول المستهلكة للنفط والغاز على ممارسة الضغط على الولايات المتحدة لوقف الحرب. من جانبه يدرك نتنياهو أنّ الضربات الإيرانية على دول الخليج تخدم هدفه الرئيس في إعادة تشكيل الإقليم ورسم خرائطه الجيوسياسية الجديدة.
ذلك أن تدمير قدرات دول الخليج العربي التي لا ناقة لها في هذه الحرب ولا جمل يُضعف العرب كلّهم، ويضرّ بعلاقات التعاون وحُسن الجوار، كما يُضعف قدرة النظام العربي على مواجهة مخطّطات نتنياهو، ويسهم في تفكّكه وإفقاده مصادر قوته المالية ودوائر تأثيره، ولعلّ هذا هو هدف الحرب الأهم لدى نتنياهو والحكومة الإسرائيلية، وستسعى إلى استمرار تأجيج نار الحرب واستئنافها في إيران ذاتها، وفي مناطق أخرى من الإقليم.
تمرّ منطقتنا بأسرها بظروف صعبة وقاسية، تؤثّر في شعوبها وأنظمتها، لكن مع توقّف الحرب سيختلف المراقبون على المنتصر والمهزوم، إلا أنّ نتائج الحروب لا تُقاس بحجم الدمار المتحقق فيها، ولا بتداعياتها المباشرة، وإنما بآثارها على المديين المتوسط والطويل.
وحسبنا أن نراقب سلوك الدول العربية والإسلامية وتطوّر حاجتها إلى محور عربي إسلامي يعزّز قوتها، ويقف في وجه أطماع نتنياهو.
ونتلمس تأثيرات الحرب وتداعياتها الاقتصادية على مستوى العالم، كما هي آثار الحرب على البترودولار، وارتفاع مستويات التضخّم. ونشاهد الخلاف الأوروبي-الأمريكي والتهديد بانسحاب الولايات المتحدة من حلف الناتو، والمدى الذي يمكن أن يصل إليه، والتوجّه الأوروبي للابتعاد عن السياسات الأمريكية، وخوف الشعوب من فقدان الضمير العالمي، وتراجع معايير حقوق الإنسان والالتزام بالقانون الدولي.
وهناك ترقب لموقف الصين وروسيا الذي كان واضحاً في استخدامهما حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن واتجاهاتهما المستقبلية. ومن المهم تكريس الصورة السلبية للكيان الصهيوني التي تشكّلت بعد حرب الإبادة الجماعية في فلسطين، والتوجّه نحو فرض عقوبات عليه وعزله، باعتباره دولة أبارتهايد وفصل عنصري. وهنا تبرز أهمية التحوّلات داخل الولايات المتحدة، وتحديداً في صفوف الشباب، ولعلّنا لا نبالغ إذا قلنا إنّ مصير ترامب ذاته ونتنياهو، ووجه العالم بأسره، سيهتزّ نتيجة لهذه الحرب.
{ كاتب وسياسي فلسطيني.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك