لبنان بين نار الحرب الإسرائيلية وارتفاع منسوب القلق والمخاوف حيال استمراريتها في شهرها الثاني مع «حزب الله»، والمضي في تدمير البلدات الحدودية وتحويلها إلى أرض محروقة لمنع الأهالي من العودة إليها في مدى يصل بين أربعة إلى ثمانية كيلومترات، من دون تدخّل الولايات المتحدة لوقف القتل والتدمير الممنهج في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية (كلياً) بذريعة نزع سلاح الحزب.
ويُطرح هذا الوضع مصير الضمانات الدولية والعربية في منع إسرائيل من استهداف البنى التحتية، من مطار رفيق الحريري الدولي ومنشآت توليد الطاقة الكهربائية وشبكة الاتصالات، إلى الجسور والطرقات والمياه، وعمّا إذا كانت التطمينات سارية المفعول مع توسّع النطاق الجغرافي للضربات الإسرائيلية وتوسيع دائرة الإنذارات.
في الانتظار، تبدو الفرصة التي انطلقت بزخم سياسي كبير مع انتخاب عون رئيساً وتشكيل حكومة نواف سلام في بداية عام 2025، ومع تحرّر القادة الجدّد نسبياً من قبضة الأحزاب السياسية، والتعهّد بنزع السلاح غير الشرعي، وتوكيل الجيش اللبناني بمهمة نزع السلاح في جنوب الليطاني، كأنّها صارت فرصةً خجولةً. معاً، يملك الرئيسان وحكومة موثوقة عناصر المسؤولية والجديّة، وشرعوا في محاولة إخراج لبنان من الضائقة الاقتصادية والاجتماعية، وعلى نحوٍ أعمق محاولة تطبيق القوانين والدستور واستعادة الدولة جميع وظائفها السياسية، ولا سيّما في احتكار قرار الحرب والسلم. وهو الأمر الذي يقوّضه الحزب من خلال الاعتماد على قوة خارجية، بعد أن شنّ هجماته الصاروخية القوية على إسرائيل، ما يطلق العنان لبربرية إسرائيل وخططها للاستقرار في منطقة عازلة في جنوب لبنان، وهو ما يعني استمرارية «حزب الله» في العمل ضدّ الاحتلال في حرب تستمرّ وهو الأمر نفسه الذي سمح له، منذ عام 1982 إلى عام 2000، بالنمو وتشكيل جسم ثقيل في سردية مقاومة المحتل، وهو يستعيدها حالياً في بلد مثخن بجروح داخلية لم تلتئم، إذ يتحمّل المسؤولية باستدراج النسخة الثانية من مسرحية تغذّي المأساة اللبنانية بلا نهاية، بإعلان وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس «السيطرة والبقاء في لبنان لأشهر عديدة».
لا يمكن مطلقاً مساواة الحرب التي تشنّها دولة معادية بعدم السماح باستعادة لبنان سيادته، والتحدّث عن وقف أعمال التحرير من قوة احتلال. لكن إعلان الحزب بوضوح أنّه يعمل في خدمة الجمهورية الإسلامية التي زوّدته بقوة نيران متفوّقة على قوة الجيش اللبناني، ولا يطيع فيها الدولة اللبنانية، يزيد من التمزّق الداخلي ويحبط برنامج نزع سلاحه، فيواصل لبنان انزلاقاته نحو الهاوية والجحيم معاً.
في هذا، يعلن الحزب انفصاله عن الدولة، وهو متجذّر في الواقع اللبناني مع نوابه ووزرائه، وقد طوّر شبكة واسعة من المساعدات الاجتماعية، متمسّكاً بهُويّة مزدوجة في مطالبته بتحمّل المسؤولية عن النازحين. وهي دولة بلا أدوات حرب ولا مال ومحاصرة بالنيران وبدبلوماسية مقفلة في إطار الترتيبات الصغيرة التي تسمح بها القواعد السياسية الداخلية ومداولات مجلس الوزراء ومواقف رئيس البرلمان نبيه برّي لإنقاذ الميثاقية التي تحكم عمل السلطة التنفيذية، على قاعدة عدم تراجع حكومة القاضي سلام عن قرار طرد السفير الإيراني محمّد رضا شيباني من لبنان، وهو الذي يتمتّع بسجل عمله في دمشق عام 2011 عندما تعلّق الأمر بمساعدة بلاده لبشّار الأسد في قمع الثورة السورية الناشئة. وحده هذا السجل كافٍ لسحب أوراق اعتماده بعد عقود من التدخّلات الإيرانية الصارخة. مع ذلك، فإنّ أيّ تراجع للسلطة سيكون أكثر كارثية ويهدّد البلاد المشتعلة أصلاً بالمشاكل، وفي طليعتها مشكلة النزوح.
واقع الحرب يمثّل ثقلاً كبيراً على اللبنانيين، ويُرخي بظلاله على نظرة اللبنانيين والمكوّنات الأخرى الرافضة للحرب، ولما يمثّله البعد العقائدي لحزب الله في حرب لا تعنيهم، ولا يهمهم تظهيرها وتسويقها فيما يريده الثنائي الشيعي، ولا سيّما أنّ الدولة العبرية مصمّمة على حرب طويلة، وعلى عدم احترام لبنان دولةً ذات سيادة قادرة على اتخاذ قرارات موحّدة، بل مساحات مجزّأة فيمكن التعامل مع الطوائف بشكل منفصل، كأن تكون الدولة مجرّد آلية تفاوض دبلوماسية قبل أن تكون سلطةً حاسمةً تفرض تناظراً للوصول إلى تسوية نهائية.
قد لا يتعلّق الأمر بإنهاء الصراع، بل باستعادة الدولة الوظيفة الجوهرية لتكون جزءاً من التحوّلات الإقليمية، وتساهم الظروف في إعادة تشكيلها، وأن تفعل شيئاً لدرء حرب تقوّض جهود التعافي والإصلاح. كان من المقرّر إجراء انتخابات برلمانية في مايو المقبل، لكن توقّف كلّ شيء، مع صعوبة التفكير حتى في إعادة بناء القرى الحدودية.
وكانت فرنسا تستعدّ لاستضافة مؤتمر دولي في 5 مارس لدعم الجيش، أحد المؤسّسات القليلة الموثوقة والعابرة للطوائف التي تلوّح اليوم بالعودة إلى ثكناتها العسكرية كما في السبعينيّات. لقد انقلب الوضع رأساً على عقب، ويقتصر العمل حالياً على معالجة قضايا النازحين والتعاون مع برنامج الغذاء العالمي ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. لبنان في وضع غير قادر على وقف الحرب، يفقد شيئاً فشيئاً القدرة على الصمود والتعافي، ومعها ثقة المجتمع الدولي والعربي.
إن الأولوية الآن هي الوحدة لمنع الانفجار في لبنان، واحتضان أيّ مبادرة إنقاذية لتخفيف الخسائر الإضافية وتعاظم المخاطر على بنيته وتركيبته الاجتماعية والسياسية. ولا إمكانية لبقائه محكوماً وفق الصيغة التي كان معمولاً بها بعد العام 1990، مع الإبقاء عليه في حالة استنزاف دائم. وهنا تكمن مأساة اللبنانيين في حياتهم واقتصادهم ومستقبلهم.
{ أكاديمي وإعلامي من لبنان

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك