العدد : ١٧٥٥٠ - السبت ١١ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٥٠ - السبت ١١ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ شوّال ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

ركائز رؤية للأمن الخليجي ما بعد وقف الحرب

بقلم: د. أمل عبدالله الهدابي

الجمعة ١٠ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

شكل‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬منذ‭ ‬اندلاع‭ ‬الثورة‭ ‬الإسلامية‭ ‬عام‭ ‬1979،‭ ‬تهديداً‭ ‬صريحاً‭ ‬وكامناً‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية،‭ ‬ولكن‭ ‬حالة‭ ‬العدوان‭ ‬الإرهابي‭ ‬الإيراني‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬سابق‭ ‬مثلما‭ ‬هو‭ ‬الوضع‭ ‬بعد‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬28‭ ‬فبراير‭ ‬2026،‭ ‬حيث‭ ‬قام‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬مفاجئ‭ ‬بتوسيع‭ ‬هجماته‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ‭ ‬لتشمل‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬والأردن،‭ ‬عبر‭ ‬استخدام‭ ‬الصواريخ‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيّرة،‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬اتسم‭ ‬بالتصعيد‭ ‬المتدرج،‭ ‬واتساع‭ ‬رقعة‭ ‬الاستهداف‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬التزام‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬بضبط‭ ‬النفس‭ ‬وردع‭ ‬هذه‭ ‬الاعتداءات‭ ‬عبر‭ ‬إفشالها؛‭ ‬فإن‭ ‬تساؤلات‭ ‬جادة‭ ‬تُطرح‭ ‬اليوم‭ ‬حول‭ ‬مستقبل‭ ‬منظومة‭ ‬الأمن‭ ‬الإقليمي‭ ‬الخليجي‭.‬

 

صد‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الإيرانية‭:‬

خلال‭ ‬الفترة‭ ‬من‭ ‬28‭ ‬فبراير‭ ‬إلى‭ ‬4‭ ‬إبريل‭ ‬2026،‭ ‬شنت‭ ‬إيران‭ ‬سلسلة‭ ‬هجمات‭ ‬عدوانية‭ ‬صاروخية‭ ‬وطائرات‭ ‬مسيّرة‭ ‬على‭ ‬سبع‭ ‬دول‭ ‬عربية‭ (‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬الست‭ ‬والأردن‭)‬،‭ ‬بلغ‭ ‬مجموعها‭ ‬5938‭ ‬صاروخاً‭ ‬ومسيّرة،‭ ‬وفق‭ ‬رصد‭ ‬‮«‬وكالة‭ ‬الأناضول‮»‬‭. ‬وكانت‭ ‬دولة‭ ‬الإمارات‭ ‬العربية‭ ‬المتحدة‭ ‬الأكثر‭ ‬تعرّضاً‭ ‬للهجمات‭ ‬بـ521‭ ‬صاروخاً‭ ‬و2141‭ ‬طائرة‭ ‬مسيّرة‭ ‬بإجمالي‭ ‬2662‭ ‬حتى‭ ‬يوم‭ ‬4‭ ‬إبريل‭ ‬الجاري،‭ ‬تلتها‭ ‬الكويت‭ ‬بإجمالي‭ ‬1045‭ (‬336‭ ‬صاروخاً‭ ‬و709‭ ‬طائرات‭ ‬مسيّرة‭)‬،‭ ‬ثم‭ ‬السعودية‭ ‬بإجمالي‭ ‬970‭ (‬87‭ ‬صاروخاً‭ ‬و883‭ ‬طائرة‭ ‬مسيّرة‭)‬،‭ ‬فالبحرين‭ ‬بإجمالي‭ ‬641‭ (‬188‭ ‬صاروخاً‭ ‬و453‭ ‬طائرة‭ ‬مسيّرة‭)‬،‭ ‬وقطر‭ ‬بإجمالي‭ ‬320‭ (‬216‭ ‬صاروخاً‭ ‬و102‭ ‬طائرة‭ ‬مسيّرة‭ ‬ومقاتلتين‭)‬،‭ ‬والأردن‭ ‬بإجمالي‭ ‬281‭ ‬صاروخاً‭ ‬وطائرة‭ ‬مسيّرة،‭ ‬فيما‭ ‬كانت‭ ‬سلطنة‭ ‬عُمان‭ ‬الأقل‭ ‬استهدافاً‭ ‬بـ19‭ ‬طائرة‭ ‬مسيّرة‭ ‬مع‭ ‬أضرار‭ ‬محدودة‭.‬

وتشير‭ ‬البيانات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نحو‭ ‬81‭%‬‭ ‬من‭ ‬الهجمات‭ ‬الصاروخية‭ ‬والجوية‭ ‬الإيرانية‭ ‬استهدفت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬مقابل‭ ‬نحو‭ ‬19‭%‬‭ ‬لإسرائيل؛‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬التركيز‭ ‬الأكبر‭ ‬للهجمات‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬الخليجية‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬الحرب،‭ ‬وليس‭ ‬على‭ ‬مصدر‭ ‬الهجوم‭ ‬على‭ ‬إيران‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الخطاب‭ ‬العلني‭ ‬للنظام‭ ‬الإيراني‭ ‬الذي‭ ‬زعم‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬هجماته‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬استهداف‭ ‬مصالح‭ ‬وأصول‭ ‬أمريكية‭ ‬في‭ ‬المنطقة؛‭ ‬يكشف‭ ‬نمط‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الإيرانية‭ ‬الإرهابية‭ ‬اتساعها‭ ‬لتشمل‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المنشآت‭ ‬المدنية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬الخليجية‭ ‬بهدف‭ ‬الإضرار‭ ‬بهذه‭ ‬الدول،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المطارات‭ ‬والموانئ‭ ‬البحرية‭ ‬والفنادق‭ ‬ومحطات‭ ‬الطاقة‭ ‬ومنشآت‭ ‬النفط‭ ‬والغاز،‭ ‬والهدف‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬إحداث‭ ‬أكبر‭ ‬تأثير‭ ‬عالمي‭ ‬ممكن؛‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬مكانة‭ ‬وأهمية‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬ومحاولة‭ ‬الضغط‭ ‬بأسلوب‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لوقف‭ ‬الحرب‭.‬

كما‭ ‬ركزت‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الإيرانية‭ ‬على‭ ‬تهديد‭ ‬حرية‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬إغلاقه‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭ ‬أمام‭ ‬حركة‭ ‬السفن‭ ‬والناقلات؛‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تسبب‭ ‬في‭ ‬أزمة‭ ‬طاقة‭ ‬عالمية،‭ ‬حيث‭ ‬يمر‭ ‬عبر‭ ‬هذا‭ ‬الممر‭ ‬البحري‭ ‬نحو‭ ‬20‭% ‬من‭ ‬صادرات‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المُسال‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬20‭%‬‭ ‬إلى‭ ‬30‭%‬‭ ‬من‭ ‬تجارة‭ ‬الأسمدة‭ ‬العالمية‭.‬

ومن‭ ‬مظاهر‭ ‬هذه‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الإيرانية‭ ‬السافرة‭ ‬كذلك،‭ ‬توظيف‭ ‬الخلايا‭ ‬الإرهابية‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬الإضرار‭ ‬بالأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬الداخلي‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭. ‬فخلال‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬شهر،‭ ‬تمكنت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬من‭ ‬القبض‭ ‬على‭ ‬9‭ ‬خلايا‭ ‬إرهابية‭ ‬تتبع‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬الإيراني‭ ‬وحزب‭ ‬الله‭ ‬اللبناني،‭ ‬وإحباط‭ ‬مخططات‭ ‬إرهابية‭ ‬كانت‭ ‬تعتزم‭ ‬تنفيذها،‭ ‬تتضمن‭ ‬عمليات‭ ‬اغتيال‭ ‬وتخابر‭ ‬وتعاوناً‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬واستهداف‭ ‬منشآت‭ ‬حيوية‭ ‬واختراق‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الدول‭. ‬

وشمل‭ ‬ذلك‭ ‬القبض‭ ‬على‭ ‬3‭ ‬خلايا‭ ‬إرهابية‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬ومثلها‭ ‬في‭ ‬الكويت،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬خليتين‭ ‬في‭ ‬قطر،‭ ‬وتفكيك‭ ‬شبكة‭ ‬إرهابية‭ ‬والقبض‭ ‬على‭ ‬عناصرها‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬الإمارات‭.‬

وبطبيعة‭ ‬الحال،‭ ‬فإن‭ ‬كشف‭ ‬هذه‭ ‬الخلايا‭ ‬الإرهابية‭ ‬وتفكيكها‭ ‬يمثل‭ ‬إنجازاً‭ ‬مهماً‭ ‬للأجهزة‭ ‬الأمنية‭ ‬الخليجية؛‭ ‬لكن‭ ‬الإنجاز‭ ‬الأكبر‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬نجاح‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬في‭ ‬إفشال‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬90‭%‬‭ ‬من‭ ‬الهجمات‭ ‬الإيرانية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬تملكه‭ ‬من‭ ‬منظومات‭ ‬دفاعية‭ ‬متطورة‭. ‬فعلى‭ ‬مدى‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬الزمن؛‭ ‬استثمرت‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬بكفاءة‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬منظومات‭ ‬دفاع‭ ‬جوي‭ ‬وصاروخي‭ ‬متطورة‭ ‬ومتعددة‭ ‬الطبقات،‭ ‬وتُعد‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الأكثر‭ ‬تقدماً‭ ‬في‭ ‬المنطقة؛‭ ‬بهدف‭ ‬حماية‭ ‬بنيتها‭ ‬التحتية‭ ‬الحيوية‭ ‬من‭ ‬الصواريخ‭ ‬الباليستية‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيّرة‭.  ‬وعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬تصدت‭ ‬دولة‭ ‬الإمارات‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬لنحو‭ ‬96‭% ‬من‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الإيرانية،‭ ‬واستطاعت‭ ‬تأمين‭ ‬الأمن‭ ‬والسلامة‭ ‬لجميع‭ ‬القاطنين‭ ‬على‭ ‬أرضها‭.‬

وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬السياسي،‭ ‬أكدت‭ ‬دول‭ ‬المجلس‭ ‬بوضوح‭ ‬أنها‭ ‬في‭ ‬موقف‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬النفس‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬هذه‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الإرهابية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬وعملت‭ ‬على‭ ‬حشد‭ ‬المواقف‭ ‬الدولية؛‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تجلى‭ ‬في‭ ‬مجمل‭ ‬القرارات‭ ‬والمواقف‭ ‬الدولية‭ ‬المتوالية‭ ‬التي‭ ‬تدين‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الإيرانية‭ ‬وتدعم‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬هذا‭ ‬العدوان‭ ‬السافر،‭ ‬وأبرزها‭ ‬قرار‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الدولي‭ ‬رقم‭ ‬2817‭ ‬الصادر‭ ‬بأغلبية‭ ‬13‭ ‬صوتاً،‭ ‬والذي‭ ‬يدين‭ ‬بـ«أشد‭ ‬العبارات‭ ‬الهجمات‭ ‬الإيرانية‭ ‬الشنيعة‮»‬،‭ ‬ولم‭ ‬يكتف‭ ‬بذلك‭ ‬بل‭ ‬اعتبر‭ ‬هذه‭ ‬الاعتداءات‭ ‬تهديداً‭ ‬للأمن‭ ‬والسلم‭ ‬الدوليين؛‭ ‬ما‭ ‬يدرجها‭ ‬ضمن‭ ‬اختصاصات‭ ‬المجلس‭.‬

ومن‭ ‬ذلك‭ ‬أيضاً‭ ‬اعتماد‭ ‬مجلس‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬بالإجماع‭ ‬مشروع‭ ‬قرار‭ ‬‮«‬آثار‭ ‬العدوان‭ ‬العسكري‭ ‬الذي‭ ‬تشنه‭ ‬إيران‮»‬،‭ ‬والمقدم‭ ‬من‭ ‬البحرين‭ ‬باسم‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬والأردن،‭ ‬والذي‭ ‬حظي‭ ‬بدعم‭ ‬واسع‭ ‬واستثنائي‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬100‭ ‬دولة‭. ‬ولكن‭ ‬الأمر‭ ‬اللافت‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬قرار‭ ‬إيران‭ ‬باستهداف‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬مفارقة‭ ‬لافتة‭. ‬ففي‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬أدت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬أدواراً‭ ‬محورية‭ ‬في‭ ‬التوسط‭ ‬لخفض‭ ‬التوترات‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬والقوى‭ ‬الغربية،‭ ‬وسهَّلت‭ ‬عبر‭ ‬قنواتها‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬ونفوذها‭ ‬الإقليمي‭ ‬الحوار‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬أثناء‭ ‬الأزمات‭. ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬الحقائق،‭ ‬تبدو‭ ‬الهجمات‭ ‬الإيرانية‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬مثيرة‭ ‬للاستغراب؛‭ ‬نظراً‭ ‬لكونها‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الأطراف‭ ‬القليلة‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬مساعدة‭ ‬طهران‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬التوترات‭ ‬مع‭ ‬واشنطن‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الاستقرار‭.‬

‭ ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الاعتداءات‭ ‬السافرة،‭ ‬قوضت‭ ‬الدور‭ ‬الإيجابي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تؤديه‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬وعززت‭ ‬أزمة‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬طهران‭ ‬ونظامها؛‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬سينعكس‭ ‬حتماً‭ ‬على‭ ‬تحديد‭ ‬ملامح‭ ‬التفاعلات‭ ‬الإقليمية‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭.‬

وقد‭ ‬أشار‭ ‬الدكتور‭ ‬أنور‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬قرقاش،‭ ‬المستشار‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬لصاحب‭ ‬السمو‭ ‬رئيس‭ ‬دولة‭ ‬الإمارات،‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬بوضوح،‭ ‬قائلاً‭ ‬إن‭ ‬دولاً‭ ‬خليجية‭ ‬عدة‭ ‬أدت‭ ‬أدواراً‭ ‬مختلفة‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬تهدئة‭ ‬التوترات‭ ‬الإقليمية‭ ‬عبر‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬والمفاوضات،‭ ‬لافتاً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬قطر‭ ‬أدت‭ ‬دوراً‭ ‬مهماً‭ ‬جداً‭ ‬في‭ ‬تبادل‭ ‬الرسائل‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬ودولة‭ ‬الإمارات‭ ‬أيضاً‭ ‬أدت‭ ‬دوراً‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الجانب،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬سلطنة‭ ‬عُمان‭ ‬أدت‭ ‬دوراً‭ ‬مهماً‭ ‬وأساسياً‭ ‬كميسر‭ ‬في‭ ‬المفاوضات،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الدور‭ ‬البناء‭ ‬والإيجابي‭ ‬من‭ ‬السعودية‭ ‬والدول‭ ‬الأخرى‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬واعتبر‭ ‬الدكتور‭ ‬قرقاش‭ ‬أن‭ ‬استهداف‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬عزلة‭ ‬إيران،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬أقوى‭ ‬صوت‭ ‬إقليمي‭ ‬تجاه‭ ‬عدم‭ ‬الانجرار‭ ‬إلى‭ ‬مسار‭ ‬الحرب‭.‬

 

مستقبل‭ ‬الأمن‭ ‬الخليجي‭:‬

سعت‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬سياسة‭ ‬ضبط‭ ‬النفس‭ ‬إلى‭ ‬تجنب‭ ‬اتساع‭ ‬نطاق‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الإيرانية‭. ‬كما‭ ‬تبنت‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬‮«‬دبلوماسية‭ ‬تقليل‭ ‬المخاطر‮»‬‭ (‬Risk‭ ‬Mitigation‭ ‬Diplomacy‭) ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬قنوات‭ ‬اتصال‭ ‬مفتوحة‭ ‬مع‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف‭ (‬بمن‭ ‬فيها‭ ‬الخصوم‭)‬،‭ ‬ومواصلة‭ ‬الحملة‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الدولية‭ ‬لإدانة‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الإيرانية‭ ‬الغاشمة‭ ‬عليها،‭ ‬واستخدام‭ ‬الأدوات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاستثمارية‭ ‬كوسيلة‭ ‬تأثير‭ ‬سياسي‭.‬

ويعكس‭ ‬تفضيل‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬اتباع‭ ‬نهج‭ ‬‮«‬ضبط‭ ‬النفس‭ ‬الاستراتيجي‮»‬،‭ ‬إدراكاً‭ ‬واضحاً‭ ‬بأن‭ ‬إيران‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬توسيع‭ ‬رقعة‭ ‬الصراع،‭ ‬عبر‭ ‬جر‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬إلى‭ ‬دائرة‭ ‬المواجهة‭. ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬تجنب‭ ‬الرد‭ ‬العسكري؛‭ ‬نجحت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬حرمان‭ ‬طهران‭ ‬من‭ ‬فرصة‭ ‬تغيير‭ ‬طبيعة‭ ‬الصراع،‭ ‬وتحويله‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬إقليمية‭ ‬أوسع‭. ‬وتكمن‭ ‬أهمية‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬الحرب‭ ‬يصُب‭ ‬في‭ ‬مصلحة‭ ‬إيران‭ ‬ضمن‭ ‬استراتيجية‭ ‬‮«‬حرب‭ ‬الاستنزاف‮»‬‭. ‬وضمن‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬دعمت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬المسار‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬والحل‭ ‬السياسي،‭ ‬بما‭ ‬يُفضي‭ ‬إلى‭ ‬وقف‭ ‬الحرب،‭ ‬وبناء‭ ‬ترتيبات‭ ‬أمنية‭ ‬إقليمية‭ ‬مستدامة‭. ‬لكن‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬عبّرت‭ ‬بوضوح‭ ‬عن‭ ‬رغبتها‭ ‬في‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مفاوضات‭ ‬أو‭ ‬اتفاقيات‭ ‬تتعلق‭ ‬بمستقبل‭ ‬المنطقة،‭ ‬ورفض‭ ‬إغلاق‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬وفرض‭ ‬رسوم‭ ‬على‭ ‬العبور‭ ‬أو‭ ‬محاولة‭ ‬إعلان‭ ‬السيادة‭ ‬الإيرانية‭ ‬عليه،‭ ‬كما‭ ‬أعلنت‭ ‬رفضها‭ ‬كذلك‭ ‬أية‭ ‬ترتيبات‭ ‬إقليمية‭ ‬لتغيير‭ ‬خريطة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭.‬

وبالنسبة‭ ‬لدول‭ ‬الخليج،‭ ‬فإنه‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬مجرد‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار،‭ ‬وإنما‭ ‬الأولوية‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬حلول‭ ‬طويلة‭ ‬المدى‭ ‬تكبح‭ ‬مصادر‭ ‬التهديد‭ ‬الرئيسية‭ (‬الصواريخ‭ ‬البالستية‭ ‬والجوالة،‭ ‬والمسيّرات،‭ ‬ومضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬والوكلاء‭ ‬الإيرانيين‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬الإقليم‭)‬،‭ ‬ومنع‭ ‬تحولها‭ ‬إلى‭ ‬تهديد‭ ‬دائم‭.‬

ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬اتفاق‭ ‬محتمل‭ ‬لإنهاء‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يعالج‭ ‬مثالب‭ ‬الاتفاقات‭ ‬السابقة،‭ ‬سواء‭ ‬الاتفاق‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني‭ ‬لعام‭ ‬2015‭ ‬أم‭ ‬اتفاق‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬يونيو‭ ‬2025‭. ‬وهذه‭ ‬المثالب‭ ‬تتعلق‭ ‬بعدم‭ ‬إشراك‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الرئيسية‭ ‬في‭ ‬المفاوضات،‭ ‬وعدم‭ ‬أخذ‭ ‬مصادر‭ ‬تهديد‭ ‬أمنها‭ ‬الوطني‭ ‬في‭ ‬الحسبان،‭ ‬وعدم‭ ‬توسيع‭ ‬الاتفاق‭ ‬ليشمل‭ ‬التهديدات‭ ‬الصاروخية‭ ‬والمسيّرة‭ ‬الإيرانية،‭ ‬وتهديد‭ ‬وكلاء‭ ‬طهران‭ ‬للأمن‭ ‬الإقليمي‭.‬

ومما‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الاعتداءات‭ ‬ستسهم‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬الرؤية‭ ‬الخليجية‭ ‬لأمن‭ ‬الخليج‭ ‬بعد‭ ‬الحرب،‭ ‬والتي‭ ‬يُتوقع‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬ثلاث‭ ‬ركائز‭ ‬أو‭ ‬أعمدة،‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬القدرات‭ ‬الوطنية،‭ ‬والتعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬المشترك،‭ ‬وتعميق‭ ‬الشراكات‭ ‬الأمنية‭. ‬فتعزيز‭ ‬القدرات‭ ‬الدفاعية‭ ‬الوطنية،‭ ‬وخاصة‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي،‭ ‬ودعم‭ ‬الصناعات‭ ‬الدفاعية‭ ‬المحلية؛‭ ‬هو‭ ‬العمود‭ ‬الأول‭ ‬لأمن‭ ‬الخليج‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭. ‬أما‭ ‬العمود‭ ‬الثاني،‭ ‬فيقوم‭ ‬على‭ ‬تعميق‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬المشترك‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الدفاع،‭ ‬والاستخبارات،‭ ‬ووضع‭ ‬آليات‭ ‬مؤسسية‭ ‬لترجمة‭ ‬الاتفاقات‭ ‬الأمنية‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون،‭ ‬ولا‭ ‬سيّما‭ ‬اتفاقية‭ ‬الدفاع‭ ‬المشترك‭ ‬لعام‭ ‬2000‭.  ‬ويرى‭ ‬البعض‭ ‬ان‭ ‬الخبرة‭ ‬الراهنة‭ ‬ستجعل‭ ‬من‭ ‬المهم‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬تعزيز‭ ‬الشراكة‭ ‬الأمنية‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬أمن‭ ‬الخليج‭ ‬والاستقرار‭ ‬الإقليمي‭.‬

فضلاً‭ ‬عن‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬انكشاف‭ ‬العداء‭ ‬الإيراني‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬سيجعل‭ ‬قادة‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬يعيدون‭ ‬حساباتهم‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬معها‭ ‬على‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مستوى،‭ ‬أهمها‭ ‬التوقف‭ ‬عن‭ ‬النظر‭ ‬إليها‭ ‬كحليف‭ ‬إقليمي‭ ‬محتمل‭ ‬يمكن‭ ‬للحوار‭ ‬أن‭ ‬يغيره‭. ‬وستفرز‭ ‬هذه‭ ‬القناعة‭ ‬توجهاً‭ ‬براجماتياً‭ ‬لإعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬مع‭ ‬إيران،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬إمكانية‭ ‬تحجيم‭ ‬التعاملات‭ ‬معها‭ ‬إلى‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى،‭ ‬ولا‭ ‬سيّما‭ ‬في‭ ‬المجالات‭ ‬الاقتصادية‭.‬

 

{ كاتبة‭ ‬وباحثة‭ ‬من‭ ‬الإمارات

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا