«بقليل من الوقت الإضافي نستطيع فتح مضيق هرمز والاستيلاء على النفط وجني ثروة هائلة».
هكذا بكل وضوح تحدث الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب»، تبريرًا لمضيه في الحرب رغم آثارها الكارثية على الاقتصاد العالمي، كأنه لا يتصرف كرئيس لقوة دولية عظمى.
تلخص هذه العبارة بالذات عمق الأزمة التي تمر بها الولايات المتحدة حتى بات مستقبلها كقوة عظمى موضع تساؤل جدي. فلأول مرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية يطرح سؤال مستقبلها، وإذا ما كانت على وشك الغروب تحت الأفق المشتعل بالنار في الشرق الأوسط.
في ستينيات القرن الماضي أطلقت على حروب المنطقة تسمية «أزمة الشرق الأوسط».
التوصيف نفسه بدأ يتسلل إلى الأدبيات السياسية من جديد بقدر اتساع الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران وفداحة تداعياتها.
ترامب قال: «الأهداف الاستراتيجية توشك أن تتحقق». ولكن ماذا يقصد بالضبط؟
لا أحد بوسعه أن يعرف، أو يتكهن بما سوف يقوله بعد دقائق.
«سنعيد إيران إلى العصر الحجري» كان ذلك انفلاتا عصبيا آخر بأثر إخفاق حملته العسكرية في الوصول إلى إنجازات يمكن الإمساك بها والتفاوض على أساسها.
بعد ساعات قليلة أسقط الإيرانيون طائرتين أمريكيتين متقدمتين وطاردوا المروحيات التي هرعت للإنقاذ. والواضح تماما أن العصبية المفرطة الوجه الآخر لوطأة الإخفاق.
إن التهديد باستهداف الجسور والبنى التحتية والمدارس والجامعات والمستشفيات والمنشآت الكهربائية والنفطية ومحطات تحلية المياه أقرب إلى أعمال الانتقام والتخريب من دون هدف سياسي سوى جعل استمرارية الحياة مستحيلة تماما.
إنها كما قال الامريكيون أنفسهم هي جرائم حرب متكاملة الأركان بذريعة إجبار الإيرانيين على توقيع اتفاق «قبل فوات الأوان».
وإذا حدث وردت إيران بالمثل، كما تعهدت، فإن الإقليم كله سوف يدخل متاهات لا مخرج منها. في ضوء ما نراه من فوائض الكراهية من إيران تجاه دول الخليج فإن مستقبل الإقليم لا يمكن أن يكون مقترنا بالاستقرار.
في مثل هذه الأجواء يُطرح سؤال الغروب نفسه على القوة العظمى الأمريكية، كما لم يحدث من قبل. إثر الحرب العالمية الثانية انقسم العالم أيديولوجيا واستراتيجيا واقتصاديا إلى معسكرين كبيرين.
لقد تصارع على النفوذ قطبان عظيمان هما الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة فيما يعرف بـ«الحرب الباردة»، التي انتهت بانهيار سور برلين وتقويض حلف «وارسو» الذى كان يقابل حلف «الناتو» على الجانب الآخر.
بانفراد القوة الأمريكية بالنظام الدولي منذ تسعينيات القرن الماضي تعرض العالم العربي، أكثر من غيره، لما يشبه التحطيم لصالح ما تطلبه إسرائيل؛ انظر إلى ما جرى في العراق مثالا.
تكاد تتقوض الآن جميع ركائز ومقومات القيادة الأمريكية المنفردة للنظام الدولي.
لم تكن الولايات المتحدة طرفًا مباشرًا في بدايات الحرب العالمية الثانية، لكن عندما دخلتها بدت حاسمة.
بقوة الحقائق التاريخية بذل الاتحاد السوفيتي السابق أدوارًا وتضحيات أكبر في دحر ألمانيا النازية، لكنه لأسباب أيديولوجية بسبب الخوف من الشيوعية وتأثير الفكر الاشتراكي جرت محاصرته خلف جدار حديدي وأفسح المجال أمام القوة الأمريكية للتمدد إلى أوسع مدى ممكن.
بنت الولايات المتحدة نفوذها اعتمادًا على قوتها الاقتصادية، التي عبرت عن نفسها بالدور الذي لعبته في إنعاش الاقتصادات الأوروبية المنهكة نتيجة آثار الحرب والخراب الواسع.
كان مشروع «مارشال» الأمريكي مجرد مثال لنزوع سياسي يعمل على الدمج الاقتصادي وبناء تحالف غربي قوي ومتماسك.
وكانت القوة العسكرية ركيزة ثانية، وقد تمثلت في إنشاء وقيادة حلف «الناتو»، وتحملت الولايات المتحدة الأمريكية القسط الأكبر من تكاليف تمويله وتسليحه.
لم يكن تمويل «الناتو» عملًا خيريًا، بقدر ما كان عاملًا رئيسيًا في بناء صورة أمريكا كقوة عظمى.
بدا للأوروبيين أن أفضل ما في خطاب «ترامب»، الذي ألقاه أخيرا عدم تطرقه إلى مستقبل حلف «الناتو»، الذي دأب على التلويح بالخروج منه ساخرًا من الحلفاء التقليديين إلى حدود غير معهودة في العلاقات الدولية، إلى درجة التجريح الشخصي في الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون» وطبيعة علاقته بزوجته.
بالمقابل كان رد «ماكرون»، رغم تهذبه، مهينًا للرئيس الأمريكي، ومنصبه، حيث وصفه بأنه «دون المستوى ولا يستحق التعليق عليه». وكان ذلك تعبيرًا عن انهيار مروع في صورة ساكن البيت الأبيض.
لم تكن فكرة الانسحاب من حلف «الناتو» جديدة على تفكير «ترامب»؛ فتكاليفه لا أدواره هي كل ما يهمه. وعندما احتاج إلى الحلف في إعادة فتح مضيق هرمز قيل له: «هذه ليست حربنا».
فقد اتخذ ترامب قرار الحرب على إيران مع شريكه رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» من دون استشارة حلفائه الأوروبيين.
كما لم تكن هناك مشكلة في مرور شحنات النفط عبر مضيق هرمز الاستراتيجي، والآن تكاد تتلخص أهم أهدافه في فتح المضيق، الذي لم يكن مغلقًا قبل الحرب!
الأوروبيون لا يريدون التورط في الحرب، غير أنهم لا يملكون خطة بديلة مشتركة تحفظ أمن القارة بعيدا عن الولايات المتحدة.
إن المثير للاستغراب والتعجب إعلان «ترامب» أن بلاده لا تحتاج إلى النفط الذي يمر من المضيق، وأن على من لهم مصلحة في فتحه أن يعملوا على تأمينه!
بتوحش السياسات، حقبة بعد أخرى، سوف يتقوض ما كان يسمى «الحلم الأمريكي»، الذى جسدته هوليوود قبل أن تحل الكوابيس على العالم وخاصة الشرق الأوسط بتبني ما تريده إسرائيل كاملا.
إن نذر الغروب تتبدى الآن في فوضى مراكز التخطيط والقيادة، التي وصلت إلى إقالة رئيس أركان الجيش الأمريكي «القوات البرية» الجنرال «راندي جورج» أثناء الحرب.
عندما تتكشف أسرار وحقائق ما جرى سوف يظهر جليا قدر الفوضى والتدخلات السياسية بشأن تطوير العمليات العسكرية وتعريض الجنود الأمريكيين للخطر من دون داع أو ضرورة، إذا ما جرى إنزال بري للحصول على اليورانيوم المخصب، أو لفتح مضيق هرمز بالقوة المسلحة إذا كان ذلك مازال مطروحا على أجندة الحرب الامريكية.
على مدى (19) دقيقة هي مدة خطابه حاول «ترامب» أن يبدو واثقًا ومقنعًا في أسبابه لخوض حرب تناهضها أغلبية مواطنيه في بلاده وفق استطلاعات الرأي العام.
لقد كرر المقولات التي دأب على ترديدها، عن تدمير القوات الإيرانية، البحرية والجوية، وشل برنامجيها الصاروخي والباليستي، متعهدًا لطمأنه الأسواق بإنهاء المهمة خلال أسبوعين أو ثلاثة من دون أن يكون كلامه مصدقا.
إذا كان قد حقق أهدافه من الحرب فلماذا يمكن أن يواصل القتال بعد الآن؟ وهل استهداف البنى التحتية يدخل في أهدافها؟
لقد بدا خطاب الأزمة داعيا لتأزميها لا حلحلتها، والأداء الرئاسي مزريا، حتى بدا سؤال غروب القوة الأمريكية مطروحا بقوة حتى داخل الإعلام الأمريكي.
{ كاتب صحفي مصري.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك